متى يتم إقرار الزواج والدفن المدنيين ؟

37

النقاش الذي أثارته جنازة الأديب الراحل محمد شاشا بإقليم الناظور، والارتباك الذي وقعت فيه عائلته والذي امتدّ إلى المحيط الاجتماعي بمسقط رأسه، بحاجة إلى متابعة جدّية، ذلك أن الأمر لا يتعلق بخلاف حول جنازة شخص بقدر ما يرتبط بإشكالية كبرى هي علاقة الأفراد بالدولة، وحريتهم في اختيار نمط حياتهم وأسلوب دفنهم كذلك، أي أن تكون مراسم دفنهم مطابقة لنمط الحياة الذي اختاروه وعاشوا به طوال حياتهم. ففي جميع الدول التي تحترم مواطنيها، يعود اختيار طريقة التعامل مع جثمان الفقيد إلى الفرد نفسه لا إلى غيره، وعلى أسرته في حالة ما إذا كانت له وجهة نظر مغايرة لما هو سائد الامتثال لوصيته والخضوع لها، وليس من حق أحد التصرف في الجثمان حسب ما تمليه عقيدته أو اختياراته. أما في الدول الإسلامية فالموضوع يكتسي تعقيدا بالغا لأسباب نحاول توضيحها فيما يلي:

لقد طالب الراحل وأوصى بدفنه بمسقط رأسه، لكنه رفض مراسيم الدفن الإسلامية، ولم يوص بأية مراسيم دينية أخرى، لأنه ببساطة لم يكن يدين بأي دين من الأديان، أي أنه كان ينتمي مثل كثيرين غيره من سكان هذا العالم إلى فئة “غير المؤمنين”، لكن فقيه المسجد أصرّ على ضرورة غسله والصلاة عليه من أجل دفنه في مقبرة المسلمين، حيث لا تسعفه القوانين المعمول بها بغير ذلك، تماما مثل الشخص الذي يريد الزواج بدون اللجوء إلى عدول شرعيين، إذ لا يجد ما يمكنه من تحقيق اختياره في إطار قوانين الدولة المغربية.

وقد سبق للشاعر عبد اللطيف اللعبي أن أثار هذا الموضوع عندما دعا إلى ضرورة إقرار الدفن المدني بأنواعه المختلفة، موصيا بعدم دفنه على الطريقة الدينية الإسلامية، معتبرا أن من حق أي مواطن أن يوصي بمراسيم دفن مطابقة لرؤيته للعالم، ولاختياراته الشخصية.

أين يكمن المشكل تحديدا ؟ ولماذا يوجد فراغ قانوني في هذا الجانب ؟

يعود أصل المشكل إلى طبيعة النسق السياسي وإلى الطريقة التي تتصور بها السلطة علاقة المواطنين بالدولة، فاعتبار الإسلام دينا رسميا، واعتبار المغاربة “كلهم مسلمين” بقرار من الدولة باستثناء الطائفة اليهودية، يجعل الفرد المغربي محكوما عليه بالإسلام قسريا منذ ولادته، حيث يعتبر المولود من أبوين مسلمين مسلما بالضرورة، ولا تعترف الدولة بحقه في تغيير هذا الواقع حتى بعد بلوغه سنّ الرشد، إذ يبدو أن إسلام الدولة هو مثل جنسيتها لا يسقط عن الشخص بل يظل عالقا به رغما عنه، حيث يظل محسوبا عند الدولة من “جماعة المسلمين”.

ويفسر هذا سبب عدم قيام الدولة بتخصيص إطار قانوني للخارجين عن دين الدولة الرسمي من المواطنين حاملي الجنسية المغربية، حيث لا تسمح لهم بممارسة شعائر دينية غير الشعائر الدينية الإسلامية الرسمية أو اليهودية بالنسبة للطائفة اليهودية، وبهذا يمكن القول إن الدولة المغربية لا تعترف في الواقع بحرية المعتقد والضمير وإن كانت تتظاهر بذلك، لأن هذه الأخيرة تقتضي ممارسة الشعائر الدينية المخالفة بشكل فردي أو مع الجماعة وبشكل علني، بينما تعتمد الدولة المغربية على فكرة “الستر” التي تعني عدم الاعتراف للمواطن بأن يكون مختلفا عما هو سائد، واعتباره “منحرفا” عما تراه الأغلبية إيجابيا، مع الاعتراف له بحقه في ممارسة عقيدته أو إلحاده في الخفاء، أي بعد أن يتوارى عن الأنظار. وهي بذلك تفصل بين حقين لا ينفصلان في المرجعية الدولية لحقوق الإنسان التي وقعت عليها الدولة وصادقت، وهما الحق في حرية المعتقد والحق في ممارسة الشعائر الدينية فردا أو مع الجماعة سرا أو علنا.

إن المواطن المغربي الذي لا يعتنق الديانة الإسلامية ولا يؤمن بها ولا يمارس شعائرها، لا يمكن اعتباره مسلما رغما عنه في طقوس الزواج والدفن والجنازة، إن هو لم يرغب في ذلك، واستمرار مثل هذه السلوكات دليل ضعف كبير وارتباك سواء في مواقف السلطات أو في القوانين أو في سلوك المواطنين الذين لا يستطيعون فهم كيف أن مواطنا يرفض أن يدفن بطقوس إسلامية، وذلك بسبب عدم قدرتهم على استيعاب فكرة الاختلاف وحرية الضمير، حيث لا يبذل النظام التربوي ولا وسائل الإعلام أي جهد في توضيح هذه القيم التي اعترفت بها الدولة المغربية دون تفعيل.

من جانب آخر ما زال الناس لا يفهمون أهمية احترام الاختيار الفردي للمواطن، حيث يميلون إلى تغليب رأي الجماعة أو الأسرة أو العشيرة ضاربين عرض الحائط بوصية الفرد، معتبرين إياه ضالا أو قاصرا، في الوقت الذي يعتبر ما أوصى به الفرد لنفسه في أموره الشخصية أهم من موقف الجماعة والأسرة، لأنه حقيقة الفرد التي لا يمكن تجاهلها أو محوها. فتغليب رأي الأسرة أو الجماعة أو الدولة يعني استمرار احتقار المواطن الفرد حيّا وميتا، كما تعني عدم اعتراف المجتمع والدولة بموقف الفرد واختياره الحرّ، وهو أمر لم يعد مقبولا لا منطقيا ولا أخلاقيا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

16 تعليقات

  1. سمير يقول

    إلى صاحب المقال أتمنى أن تكون له الشجاعة الكافية ويسمى الأشياء بمسمياتها. و هل كل مشاكل المغاربة تم حلها و لم يبق لدينا سوى حرية المعتقد و اختيار طريقة الدفن وهذا أمر محسوم فالله سبحانه وتعالى يقول وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا

  2. بوعو يقول

    اين موقف عصيد الاستاذ الموظف من الهجوم المخزني على حق التقاعد؟؟

  3. هذا واش مريض يقول

    هذا واش مريض
    الشعب غارق في الزبل أوهاذ القرد بغا يزيدنا خراه
    لعفو من الزوامــــ….
    تفو

  4. هذا واش مريض يقول

    هذا واش مريض
    الشعب غارق في الزبل أوهاذ القرد بغا يزيدنا خراه
    لعفو من الزوامــــ …
    تفو

  5. أنشرها وتوكل على الله يقول

    أنشرها وتوكل على الله

    أنشرها وتوكل على الله

    إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
    سورة يس (ياسين)

  6. mekkaoui يقول

    ادا اردت ان احرق بعد موتي فسوف لن يتحقق دلك مثلا لان الجماعة وحتى لا اقول القطيع سوف يحس بالمهانة.اننا ملتصقين فليست هناك حرية فردية او استقلال داتي.اننا واحد الى ان يرث الله الارض ومن عليها.يجب ان نكون كما يريدون.انه السلوك المبني على الخنوع والخال من كل فردانية.تربية قبل روسو لاقوام الغزوات

  7. قولوا له أن يلحق بنا إلى المزبلة يقول

    قولوا له أن يلحق بنا إلى المزبلة
    ألم يعلم هذا المخزني بعد أنهم دفنوا الشعب كله في المزبلة
    يبدو أن تخمر المزبلة جعله يسكر حتى الثمالة
    قولوا له أن يلحق بنا إلى المزبلة

  8. إنتبهوا ! يقول

    إنتبهوا !
    هذا الشخص موظف كبير ومقرب من الأوساط الحاكمة وله دور في المسرحيات السياسية والحقوقية والدينية والعرقية واللغوية والحزبية والنقابية والجمعوية والثقافية والفلسفية والفكرية والإعلامية الرسمية
    أليس ممن يصنعون للشعب اللغة الأركامية المكونة من خليط أكثر من 3 لهجات لا يتقنها أحد ولا تمكن من التواصل مع أحد ممن يتقنون إحدى هذه اللهجات ليضيعوا وقت الشعب وأبنائه بينما يدرسون أبناءهم في مؤسسات البعثات الأجنبية
    هذا الشخص من الكراكيز التي عاق بها الشعب
    دور هذا الشخص يقوم به حسب أوامر مخرج هذه المسرحيات التمثيلية في مسرح إسمه الدولة تحت عنوان ديموقراطية الرشوة والتزوير والفساد والإفساد والظلم واللاقانون والسلب والنهب والإنتقام من الشعب الذي يعتبرونه عدوهم الذي يحاربونه حتى بتسميمه بالأزبال والمخلفات النووية والكيماوية والبيولوجية التي يستوردونها لنفس الغرض بعد تجويعه وتشريده وقهره واستعباده
    هذا الشخص الآن دوره إلهاء الشعب عن أزمة أباطرة الفساد والرشوة والظلم وسرقة أموال التقاعد وأموال الشعب وثرواته ومناجمه وفوسفاته ونحاسه وفضته ودهبه وحصلتهم التي حصلهم فيها الشعب في المزبلة حيث يحاصرهم ويخنقهم حتى خرجت عيونهم بعد أن لم يعد الشعب يأبه لتخراج العينين الذي كانوا يستعملونه لتخويف الشعب
    هذه المسرحيات السياسية والحقوقية والدينية والعرقية واللغوية والحزبية والنقابية والجمعوية والثقافية والفلسفية والفكرية والإعلامية الرسمية أصبح الشعب واعيا وعارفا أنها مجرد مسرحيات وتمثيليات فلا تعطوا لهذا الممثل أكثر من حجمه وارجعوا بنا وبالشعب إلى المزبلة حيث يحاصر الشعب حكامه الزبالين حتى لا نخرج عن الموضوع ونفقد احترام الشعب الذي ينتظر منا فضح هذه المسرحيات ومثيلاتها

  9. عبد الصمد الحسيني يقول

    هدا موضوع تافه السي أحمد عصيد أكمل من عندك

  10. إنتبهوا ! يقول

    إنتبهوا !
    هذا الشخص موظف كبير ومقرب من الأوساط الحاكمة وله دور في المسرحيات السياسية والحقوقية والدينية والعرقية واللغوية والحزبية والنقابية والجمعوية والثقافية والفلسفية والفكرية والإعلامية الرسمية
    أليس ممن يصنعون للشعب اللغة الأركامية المكونة من خليط أكثر من 3 لهجات لا يتقنها أحد ولا تمكن من التواصل مع أحد ممن يتقنون إحدى هذه اللهجات ليضيعوا وقت الشعب بينما يدرسون أبناءهم في مؤسسات البعثات الأجنبية
    هذا الشخص من الكراكيز التي عاق بها الشعب
    دور هذا الشخص يقوم به حسب أوامر مخرج هذه المسرحيات التمثيلية في مسرح إسمه الدولة تحت عنوان ديموقراطية الرشوة والتزوير والفساد والإفساد والظلم واللاقانون والسلب والنهب والإنتقام من الشعب الذي يعتبرونه عدوهم الذي يحاربونه حتى بتسميمه بالأزبال والمخلفات النووية والكيماوية والبيولوجية التي يستوردونها لنفس الغرض بعد تجويعه وتشريده وقهره واستعباده
    هذا الشخص الآن دوره إلهاء الشعب عن أزمة أباطرة الفساد والرشوة والظلم وسرقة أموال التقاعد وأموال الشعب وثرواته ومناجمه وفوسفاته ونحاسه وفضته ودهبه وحصلتهم التي حصلهم فيها الشعب في المزبلة حيث يحاصرهم ويخنقهم حتى خرجت عيونهم بعد أن لم يعد الشعب يأبه لتخراج العينين الذي كانوا يستعملونه لتخويف الشعب
    هذه المسرحيات السياسية والحقوقية والدينية والعرقية واللغوية والحزبية والنقابية والجمعوية والثقافية والفلسفية والفكرية والإعلامية الرسمية أصبح الشعب واعيا وعارفا أنها مجرد مسرحيات وتمثيليات فلا تعطوا لهذا الممثل أكثر من حجمه وارجعوا بنا وبالشعب إلى المزبلة حيث يحاصر الشعب حكامه الزبالين حتى لا نخرج عن الموضوع ونفقد احترام الشعب الذي ينتظر منا فضح هذه المسرحيات ومثيلاتها

  11. امنار يقول

    مقال في الصميم كالعادة ، شكرا جزيلا استاد أحمد عصيد نحن دائما في انتظار مقالاتك بشوق كبير …،

  12. Kurt Bernstein يقول

    مادامَ إسْتِعْمالُ الدّينْ يُحَقِّقُ الْحُكْمْ وَ التَّحَكُّمْ على المَدى الْقَصيرْ وَ المَدى الْمُتَوَسِّط ،

    فَسُوآلُكَ ياضَوْء الْمَدَنِيّينْ لَيْسَ لَهُ جَوابُُ !!!

  13. أزايي يقول

    النظام الإستبدادي في بلادنا يستمد ” شرعيته” من هذا الدين. و لذا فهو لا يقبل مظاهر الخروج عنه لأنه يرى في ذلك بوادر الخروج عن ” طاعته” أما المجتمع المجهًل فهو نتيجة قرن من الإستعمار ( الحماية) العسكري و الفكري و الثقافي. ما تبقًى من الشعب بعد قرن من التصفيات المتعاقبة، خاضع مستعبد لا رأي حراً له. لو كانت لدينا ديمقراطية حقيقبة لتعود الجميع و لو بعد مدة على احترام الإختلاف. المشكل إذن في طبيعة النظام. ثانميرث أ وما.

  14. ابو هبة يقول

    لا اكراه في الدين المتوفي لم يريد ان يدفن باي طقس ديني شغلوا هداك انا اومن بان الله احل لنا الطيبات و حرم علينا الخبائث كاين لباغي يعيش في الرذيلة و حرية الجنس بدون ضوابط كاين لباغي يفطر فرمضان شغلو هداك و لكن انا اعيش في دولة اغلب سكانها مسلمون ودستورها ينص على ذلك فاذا جاء هذا الشخص يمارس طقوسه امام ناظري فهو يريد استفزازي غادي نخلا داربوه يمشي يستتر

  15. delirium يقول

    بلد أكثر آلشعوب تدينآ وأكثرهم فسآدٱ

  16. الرضواني رضوان يقول

    لا اعتقد ان الحرية تصل الى هده الدرجة انها تفسخ و انحلال
    يا استاذي عصيد انت تزوجت من الاخت مليكة مزين بعقد اعتقدت فيه ب ” ياكوش “فلا غرابة ان تدعو الى هذا التفسخ و ليس الحرية …اقترح ان تذهب الى مكان اخر في العالم يتناغم مع معتقداتك …والى لقاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.