لماذا يلجأ الناس إلى الملك ؟

72
طباعة
تتداول وسائل الإعلام بين الفينة والأخرى أخبار بعض المواطنين الذين يعترضون موكب الملك أو يلقون إليه برسائل يُضمنونها شكاواهم وطلباتهم، ورغم ما في هذا العمل من مخاطرة قد تؤدي إلى إلحاق الأذى بهؤلاء المواطنين وتعريضهم لأشد العقوبات، إلا أن هذه السلوكات لم تنقطع، وسواء تعلق الأمر بالمدن المركزية أو بالهوامش فإن الكثير من المواطنين ما زالوا يصرّون على اللجوء إلى الملك مباشرة.

من جانب آخر تتعدد الاحتجاجات وأشكال التظاهر ذات الطابع الاجتماعي أو المهني المحض، والتي يرفع فيها المتظاهرون صور الملك مع شعارات تتوجه إليه مباشرة وتناشده بالتدخل لصالحهم. وهو ما يعني أن هذه الظاهرة لديها سند في الوعي العام للمواطنين وخاصة فيما يخص تمثل الناس للدولة وللسلطة ولأدوار الملك والحكومة والبرلمان.

من الناحية الدستورية والسياسية يمثل الملك رئيس الدولة، وإذا كان يُعدّ ضامنا لسيادتها وأمن مواطنيها وحسن سير المؤسسات، إلا أنه لا تدخل ضمن مهامه قضاء حوائج المواطنين الأفراد مباشرة والاهتمام بمشاكلهم، حيث تقوم الدولة على مؤسسات مهمتها القيام بأمور هؤلاء المواطنين والاستجابة لمطالبهم بالطرق القانونية المتعارف عليها، ووفق المساطر المتبعة، وهو ما يعني أن اللجوء المباشر إلى الملك مؤشر لوجود خلل ما من حقنا البتّ فيه والتساؤل حوله وتدارس أبعاده. كما أنه يشير إلى وجود تمثل ما لدى الأفراد من واجبنا فحصه على ضوء حقوق وواجبات المواطنة، ومدى تأثيره إيجابا أو سلبا على علاقة المواطنين بالدولة وعلى مسلسل الدمقرطة والتحديث.

ولعل أول ما تكشف عنه هذه الظاهرة من الناحية السياسية اعتقاد الناس بأن الملك هو صاحب القرار الفعلي الوحيد في الدولة، والسلطة العليا التي من شأنها قضاء جميع الأغراض مهما كانت، وهو تصوّر ناتج عن الهيمنة الشبه مطلقة للملكية في الحياة السياسية، باعتبارها فاعلا سياسيا وحيدا يتحرك في كل الاتجاهات، ما أدى ليس فقط إلى إضعاف الأحزاب السياسية وأدوار الحكومات المتعاقبة، بل وإلى إضعاف ولاء المواطن للدولة بمعناها الحديث، حيث يمثل لجوء المواطن إلى الملك مباشرة نوعا من “الكفر” بالدولة وبالقوانين، يتمّ بموجبه سحب الثقة من المؤسسات التي يتم اختزالها في مؤسسة وحيدة هي المؤسسة الملكية.

من جانب آخر تحيل ظاهرة اللجوء إلى الملك على موقع الحكومة ودورها، حيث تبدو في التمثل العام “حكومة لا تحكم”، وهو ما يغذي العزوف السياسي بشكل كبير ويجعل غالبية المغاربة خارج العملية الانتخابية، لكنه أيضا يشيع قدرا من اليأس وانعدام الثقة في السلطة التنفيذية والإدارة العمومية.

ونظرا للصورة السلبية التي لدى المواطنين عن المنتخبين، فإن صورة المؤسسة التشريعية لا تقلّ سلبية عن صورة الحكومة، بل إن ارتباط صورة البرلماني بالفساد تجعل علاقة المواطن به يطبعها انعدام الثقة بشكل كبير.

إلى جانب ذلك يبدو أنّ ظاهرة اللجوء إلى الملك مباشرة تكشف عن فساد مؤسساتي ميئوس منه، حيث لا يلجأ الناس إلى الملك إلا بعد استنفاذ المساطر والطرق القانونية إلى درجة يصابون معها باليأس والإحباط، مما يجعلهم يحتفظون في أذهانهم بفكرة في غاية السوء عن مؤسسات تنخرها الرشوة والزبونية والمحسوبية والتعليمات الفوقية وانعدام المسؤولية، ونظرا لشيوع فكرة المستبد العادل، القائمة على عقيدة شرقية قديمة مفادها أن الحاكم الفرد يتميز بالصلاح في مقابل المحيطين به الذين يتميزون بالفساد، فإن الحلّ الوحيد في اعتقاد المواطن هو التحايل لتخطي حواجز المحيط الملكي والمؤسسات والمساطر والقوانين، من أجل الوصول إلى الملك، الذي لا يترك محيطه الفاسد أحدا يقترب منه.

إلى هذه الأسباب المشار إليها يمكن أن نضيف شيوع الفقر والتهميش وتفاقم المشاكل الاجتماعية التي لم تلق الحلول الناجعة من قبل المسؤولين، وخاصة منها نوعية المشاكل التي تسعى الدولة إلى حلها على حساب مصالح المواطنين وكرامتهم، ومنها مثلا مشكلة الأرض والعقار واستغلال الثروات، ومشكلة بعض القوانين المجحفة التي لم تقم الدولة بتعديلها رغم ثبوت الأضرار الناجمة عن تطبيقها.

غير أن الملاحظ أنه رغم كل هذه السلبيات التي تعكسها ظاهرة اللجوء إلى الملك، إلا أن البعض يحاول أن يسبغ عليها صورة إيجابية من خلال محاولة نشر الاعتقاد بأن اللجوء إلى الملك هو من مظاهر شرعية النظام وتعلق الناس به، حيث يعتقد هؤلاء أن أساس الاستقرار ليس دولة عادلة وديمقراطية، بل تعلق الناس بالملكية وبشخص الملك، وهو منظور سلطوي قاصر وفي غاية السطحية، لأنه لا يساهم في تقوية الاستقرار وإدامته، بقدر ما يتسبب في إضعاف المؤسسات وإسقاط هيبة الدولة بمعناها الحديث، ذلك أن الملك لا يمكن له عند عموم الظلم وانتشاره، أن يتولى بنفسه معالجة كل الحالات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

10 تعليقات

  1. تاكموت محمد يقول

    تحليل محكم نحن لا نتوفر على مقومات دولة ديموقراطية عصرية نحن يحكمنا المخزن و الدولة العميقة اما بالنسبة للمؤسسات و الأحزاب السياسية فهي شكلية و صورية و مجرد أدوات للتنفيد أما القرار فبيد الديوان الملكي.

  2. Mouatine يقول

    الذي لا يذكر في التحليل هو ان المؤسسة الملكية هي من تسعى الى عدم تقوية الأحزاب و المؤسسات المنتخبة خوفا من منافستها في اتخاذ القرارات.
    والأساس في ذلك هو ان المصالح الاقتصادية للقصر و المحيطين بالقصر تسعى لبقاء السلطة السياسية مركزة بين يدي من لهم النفوذ المالي الموالي لهم. الطبقات الشعبية تعرف ذلك جيدا. وعندما تراهم يرفعون صور الملك فهم بذلك يحتجون على المؤسسة الملكية لا على الذين ليست لهم اي سلطة للقرار. تلك هي القراءة السليمة لهذا السلوك الاجتماعي في نظري.

  3. أبو أنس يقول

    نحن سكان تجزئة موقف وبنهرو بوجدة 8 سنوات ونحن نشتكي من قاعة أفراح وسط حينا السكني الإجتماعي ،راسلنا جميع الجهات السيد رئيس الحكومة السيد وزير الداخلية السيد والي الجهة الشرقية باشا مدينة وجدة قائد المقاطعة ، مؤسسة الوسيط ناشدنا المسؤولين في الجرائد الوطنية والإلكترونية ، لكن لغاية كتابة هذه السطور لاحل للمشكل الأكثر من هذا جلسنا مع السيد رئيس الجماعة الحضرية لمدينة وجدة 21 لقاء لحل المشكل ووعدنا بإغلاق هذه القاعة شريطة السماح لمالكها إتمام ماتبقى له من حفلات لكن مرت سنة ونصف ولا إغلاق حصل .
    الغريب في الأمر أن هذه القاعة من المفروض أن تكون قاعة للحلاقة والتجميل لكن صاحبها حصل على رخصة استغلال قاعة أفراح رغم أن المشروع الذي قدم للساكنة يتضمن حمام ودوش وليس حمام وقاعة أفراح ، الطامة الكبرى أن تصميم البناء لايتضمن حمام وقاعة الأكثر من هذا أن الساكنة تعرضت لجميع المسؤولين قبل الترخيص ، ورغم ذلك مالكها حصل على الترخيص . الأكثر من ذلك أن الجماعة الحضرية وجهت لمالك القاعة انذار بتوقيف النشاط التجاري وإعادة النظر في رخصة البناء المرجع(محضر620المرجع 620بتاريخ 13-12-2012 )لكن لالازال الأمر على حاله ، والطامة الكبرى أن السيد رئيس الجماعة الحضرية يخبرنا بأن أحد المستشارين يقف حاجزا لعدم إغلاق هذه القاعة لالشيء لأنه صديق مالك هذه القاعة . وبعد كثرة الإحتجاج ، أصدر السيد الوالي قرارا ولائيا يحدد توقيت اشتغال قاعات الأفراح في حدود الساعة 1 صباحا ، لكن حتى هذا القرار لايطبقه مالك هذه القاعة وكأنه فوق القانون ، إذا أمام هذا كله ماذا يجب علينا أن نفعل ……….؟ ننتظر من السيد عصيد وجميع المغاربة الإجابة ولكم الشكر مسبقا .( المتضررون من قاعة الأفراح سكان تجزئة موقف وبنهرو بوجدة )

  4. mostabchir يقول

    ساعطيكم مثال حي لماذا يعترضون للملك لقد سرقت ارضنا من طرف مافيا العقار بالتزوير بطنجة بتواطئ مع المحافظة العقارية وقاض وخبير وعدول واخرون و المحامي الدي دفعت له للترافع علي لم يستطع حتى فتح ملفي عند المحكمةلمدة8 اشهر انهم يشترون الذمم في المحاكم والشرطة وكل الادارات وهم يعرفون مايفعلون من الناحية القانونية ويلعبون بالثغرات راسلت الوزاوة العدل والديوان الملكي والمحافظة العامة ومكمة النقض لم يبق لي الا الذهاب الى التشيك للالتقاء بالملك وبيدي برقية تظلم لورثة قاسم المستبشر بطنجة

  5. alwajdi يقول

    had abnadam alham li 3ando howa ichatat almagrib 3omri ma chatou yatkalam 3la alwahda 3andou 3o9da had almangoul vive le roi

  6. شكرا على اثارة هذا الموضوع يقول

    عندما أرى مواطنا يخاطر بنفسه ويعترض الموكب الملكى لحل مشكلته فانى أعتبر ذلك مذلة لذلك المواطن وهو يعنى للمؤسسة الملكية أنها نجحت فى هيمنتها على كل السلطات وجعلت من المؤسسات هياكل فارغة عملها هو تقوية تلك الهيمنة مقابل أجور وامتيازات ريعية خيالية تسحق من خلالها المواطنين فى معيشتهم وتعليمهم وصحتهم وأخلاقهم وتنقلهم وذلك بالظلم والتخويف والتهديد والتعنيف والتعذيب والاعتقال والحرمان من أبسط الحقوق ثم تخرج عليهم الموسسة الملكية بالرحمات والصدقات وخطابات المحبة والعدل والمساواة حتى يترسخ فى عقل المواطن البسيط أن تلك الموسسات هى الحائل بينه وبين تلك الرحمات, فهى ضربة ثلاثة طيور بحجر واحد, يمسح المواطن كل معاناته فى تلك المؤسسات فهى الفاسدة وحدها, تنزيه الملكية فى برج عال وتقديسها, تطويق المؤسسات بملفات فسادها حتى لا تجرأ هيئة ولا مؤسسة و لا أى أحد على تطبيق الدستور والقوانين, وعزل القاضى الهينى يأتى فى هذا الاطار, هى سياسة دأبت عليها الملكية منذ بداية المطالبة بالاستقلال, هذا هو حكم الاستبداد, الاستبداد بالحكم وبالثروات, عقلية العصور الغابرة

  7. لحسن الحمق من وجدة يقول

    فرنسا كانت تقدم نفسها للمغاربة كطرف متحضر، عقلاني، يعالج الامراض و لديه تكنلوجيا و أسلحة و المال و الشجاعة. في مقابل السلطان الذي لا يعرف شيئا و ليس لديه شيئ ما عدا الخرافات “الشرعية التاريخية” و الأمراض المزمنة، أضف إلى هذا الطمع و الجشع و الطغيان بالضرائب و الاتاوات. الملكية تعلمت الدرس جيدا و لبست لبوس فرنسا بعد الاستقلال فأصبحت تقدم نفسها للمغاربة بأنها هي التي تشتغل و تدشن و تتحرك في كل الاتجاهات ثم تأكدت من أن تلبس “أحفاد الحركة الوطنية” لبوس التهريج و الكذب و النفاق و الجشع و الطمع و الغباء و التخلف. خذ مثال مغربي عام 1940، إبنه أو زوجته به مرض ، فهل يذهب به إلى الطبيب الفرنسي النظيف المهذب المبتسم الذي لا يتقاضى أي أجر … أم إلى …. ؟
    هذه هي الحال الأن. الملك لديه الابتسامة و المال و العمل و “النظرة التقدمية “و “مشاريع المستقبل” أما غير الملك فمهرج و سارق و طماع و أحمق أو متطرف. هههه… إختاروا يا مغاربة … أنا ختاريت نكون حمق ,

  8. are يقول

    منظور سلطوي قاصر وفي غاية السطحية، لأنه لا يساهم في تقوية الاستقرار وإدامته، بقدر ما يتسبب في إضعاف المؤسسات وإسقاط هيبة الدولة بمعناها الحديث، ذلك أن الملك لا يمكن له عند عموم الظلم وانتشاره، أن يتولى بنفسه معالجة كل الحالات. ça résume tout

  9. Lhalay9i يقول

    Lma lik howa kolchi.3ando kolchi.tayahkam fkolchi.howa libari hakda.bari yab9a ysadda9 3likom.Bach tgoli rah hnine.Maghreb dialo ahhh rah dialo.wcha3b 3ando walo.lmalik ma3amro RDA hta biko.3amro thaddat hta lasahafa mahaliya.w franca.tanahdar m3a sahafa.khottata dial Hassan 2 .3icho yala3bid hakada.khowwafa.

  10. nabilo يقول

    كالعادة تحليل راااائع و دقيييق..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.