لماذا تنعدم الثقة بين أطراف الدولة ؟

10

تعكس الحياة السياسية بوقائعها وتوتراتها غيابا شبه كلي للثقة بين أطراف الدولة، فالمناورات التي قامت بها السلطة للإطاحة بحزب العدالة والتنمية، والتي انتهت إلى خدمة هذا الحزب عوض إضعافه، تظهر مقدار نفور القصر من حزب “الإخوان” وعدم ارتياحه له، بسبب مشروعه المتمثل أساسا في الهيمنة على الدولة ومنازعة الملكية في الشرعية الدينية بغرض إقامة دولة “الإخوان”، كما أظهر حزب المصباح انعدام الثقة لديه في السلطة خلال الانتخابات الأخيرة حين سارع إلى الإعلان عن نتائجه قبل الإعلان الرسمي ممثلا بذلك دولة داخل الدولة، ومشككا في نوايا السلطة وأغراضها.

وأظهرت الوقائع المتتالية انعدام الثقة بين الأحزاب التي تسعى إلى المشاركة في تدبير الشأن العام، حيث اندلعت المناوشات بين القادة بمجرد الشروع في المشاورات الأولى، فظل حزب العدالة والتنمية ينعت حزب الأصالة والمعاصرة بحزب “التحكم”، وظل حزب الجرار ينعت “البيجيدي” بالحزب الذي يسعى إلى “التمكين” لنفسه و”أخونة الدولة والمجتمع” عوض المشاركة في تدبير الشأن العام، كما ظهرت لدى حزب الاستقلال ولدى العدالة والتنمية شكوك في نوايا حزب الحمامة واستراتيجيته الرامية إلى عرقلة مشروع عودة الكتلة إلى الحكومة، وما أن عقد أول لقاء بين رئيس الحكومة وبين الرئيس الجديد لـ”الأحرار” حتى اندلعت حرب كلامية بين الطرفين تمّ فيها استعمال كل الأساليب، هذا دون أن ننسى اللقاء الكارثي الذي جمع مختلف الأحزاب بدعوة من إحداها بغرض رفع مذكرة إلى الملك تعلن فيها الأحزاب عدم رغبتها في المشاركة في الحكومة مع حزب العدالة والتنمية، وهي مبادرة لم تنجح بدورها لأن الأحزاب المجتمعة لم تكن تثق في نوايا بعضها البعض كذلك، مما أدّى إلى مشاداة كلامية كادت تتحول إلى ما لا تحمد عقباه.

وحتى الذين توددوا إلى رئيس الحكومة وأظهروا رغبة في المشاركة “بدون شروط” سرعان ما اتهمهم الرئيس بـ”الابتزاز” حيث غيروا مواقفهم بشكل لا يفهم في منطق السياسة المعتاد، مما جعل بعضهم ينتقل من الرغبة في المشاركة إلى التشكيك في العملية من أصلها، ورغم أن طرفا حزبيا اقترح “مصالحة” وطنية لإنهاء الصراع القائم على انعدام الثقة، إلا أن مبادرته نفسها اعتبرت مؤامرة وزادت من انعدام الثقة بين الأطراف الحزبية.

وقد اتهمت أطراف حزبية حزب “القوات الشعبية” بلعب دور غامض، كما اتهمت أطراف أخرى حزب التقدم والاشتراكية بالتحول إلى ملحق ذيلي لحزب “الإخوان”، هكذا أصبحنا نعيش مشهدا لا ندري إن كان سيسفر فعلا عن تشكيل حكومة حقيقية تستطيع القيام بدورها في ظل التحديات التي ما فتئت تتعاظم. من جهة أخرى تعالت أصوات المجتمع المدني والنقابي لتندّد بضعف الأحزاب السياسية، معتبرة فوز العدالة والتنمية تعميقا للأزمة، ومعبرة عن مواقف تشكيك في السلطة التي لا تبدو لديها حسب هذه الأطراف أية إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، فانتقلت الحركة الأمازيغية من نقد الحكومة إلى اتهام النظام السياسي بالانقلاب على الدستور، وعبرت الحركة النسائية عن إحباطها بسبب الإخلال بالتوازنات التي كانت تضمن المضي في طريق إرساء المساواة ورفع الميز والعنف عن النساء، ووراء هذا المشهد كله ومن حوله تبرز الطامة العظمى المتمثلة في بقاء 70 في المائة من المغاربة خارج اللعبة السياسية التي اعتبروها مسرحية سمجة لا تثير اهتمامهم، حيث سحبوا الثقة من المؤسسات وعبروا عن سخط مكتوم لا يبشر بخير.

ما الذي يفسر هذا المشهد الكئيب الذي يدلّ على مقدار بؤس السياسة وبؤس أهلها ؟ في الواقع لا غرابة فيما يجري على الإطلاق، طالما علمنا أنّ الثقة التي تقوم عليها كل حياة سياسية طبيعية إنما تتأسس على الترسيخ الديمقراطي والحسم النهائي في الاختيارات والمرتكزات والمنطلقات والمبادئ، التي بناء عليها يتمّ تدبير الشأن العام، هذا الحسم المطلوب لم يحصل للأسف سنة 2011 بقدر ما تمّ الالتفاف عليه ومراوغته بأنواع التأويل وأشكال الهرطقة السياسية التي أفضت إلى ترسيخ قناعة واحدة وهي استحالة تفعيل الدستور بسبب تناقضاته الفاضحة، التي عكست التمزق الإيديولوجي السائد في المجتمع دون أن تقوم بإنهائه لصالح مشروع وطني متماسك وواضح، ما أعطانا دستورا لا يقول شيئا محدّدا بقدر ما يورد نصوصا ينسف بعضها بعضا، وهو ما كان له أفدح الأثر على القوانين التي صيغت في الولاية الحكومية الأخيرة، والتي تعدّ نكوصا حقيقيا عن مكتسبات سابقة. في غياب الترسيخ الديمقراطي والحسم النهائي ستظل الأطراف تشك في بعضها البعض، وهو أمر طبيعي مبعثه شعور الجميع بعدم الأمان، بسبب انعدام الضمانات التي تحمي بعضنا من بعض، الأمر الذي يجعل من نظرية المؤامرة سيدة الموقف، والمرجع في تفسير كل شيء.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

5 تعليقات

  1. مغربي حر يقول

    لقد سبق وان نبهنا الدولة لخطورة سياسة الحزب دات المرجعية السلفية اكثر من مرة وقلنا بانه امتداد لفكر ابن القيم الجوزي وابن تيمية وامتداد لفكر حسن البنا وصاحب كتاب معالم في الطريق لا استحظر اسمه …كما طالبنا مند سنوات بتدريس الفلسفة على مستوى كبير والحد من انتشار الجمعيات الخيرية وتبعاتها….وفصل الدين عن السياسة كل هدا من اجل خلق دولة ديمقراطية متعددة المؤسسات .
    الخطر الان هو الاقصاء الدي بدانا نستشعره ازاء المؤسسات والنقابات من طرف الحزب الحاكم .
    يجب محاربة الايديولوجية بالفكر الحر وهدا هو الحل كما قال الشهيد الدكتور علي مبروك في احدى محاضراته .
    نريد مغربا لجميع المغاربة وليس مغربا لهم وحدهم واقصاؤهم للاخرين .

  2. Au pays : Thane mhoum ! يقول

    Merci ,Mr. Asside comme vous dites en l abscence de demecratie reelle ,la mefiance regne ,les complots se trament du cote’ du peuple 80’/ la perte de confiance dans les institutions ,le boycott des elections (20’/, ont vote’) ‘ – devant la gravite de la sotuation ,la seule solution est : manifester massivement dans la rue -l attente 60 ans ,les fausses promesses et les mensonges des hkouddams daoula ! a pour resultat : 2 Marocs a 2 vitesses ! les rentiers sont complices dans : la matraque des manifestats- thane mhoum -la corruption ,le cannabis , la pauvrete-‘…ect..

  3. tintin يقول

    يفسر هذا المشهد الكئيب الذي يدلّ على مقدار بؤس السياسة وبؤس أهلها ؟ في الواقع لا غرابة فيما يجري على الإطلاق، طالما علمنا أنّ الثقة التي تقوم عليها كل حياة سياسية طبيعية إنما تتأسس على الترسيخ الديمقراطي والحسم النهائي في الاختيارات والمرتكزات والمنطلقات والمبادئ، la seule logique qui oriente la politique dans ce pays sous-développé c’est celle de la rente et du partage du gâteau et tant que ça continue comme ça le pays et le peuple souffriront jusqu’à la grande explosion

  4. Trump يقول

    يفسر هذا المشهد الكئيب الذي يدلّ على مقدار بؤس السياسة وبؤس أهلها ؟ في الواقع لا غرابة فيما يجري على الإطلاق، طالما علمنا أنّ الثقة التي تقوم عليها كل حياة سياسية طبيعية إنما تتأسس على الترسيخ الديمقراطي والحسم النهائي في الاختيارات والمرتكزات والمنطلقات والمبادئ، la seule logique qui oriente la politique dans ce pays sous-développé c’est celle de la rente et du partage du gâteau et tant que ça continue comme ça le pays et le peuple souffriront jusqu’à la grande explosion

  5. ب.عبدالواحد يقول

    Une très bonne analyse de la situation , maintenant quelles sont les solutions possibles ?

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.