غوغائية الشارع نتاج سياسة الدولة لكنها قد تؤدي إلى خراب الدولة

52
طباعة
على ماذا تدلّ فوضى الشارع التي تجعل بعض المواطنين، عن جهل أو عن قصد مبيت، يقتحمون بيوت الناس ويعتدون عليهم أو يقتصون منهم في الشارع بدون أي مبرر معقول سوى اختلافهم عنهم، حيث لا يوجد أي مسوغ أصلا لمثل هذا النوع من الاعتداءات التي تعتبر أعمالا إجرامية ينبغي أن يعاقب عليها القانون بصرامة ؟

يعتقد كثير من الناس بأن هذا النوع من السلوكات وليد اليوم، أو أنه بتأثير من التطرف المتنامي في مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لكن الحقيقة أن هذه السلوكات المنفلتة من حدود التعقل والحس السليم متجذرة في ثقافة المجتمعات الإسلامية، ولها أساس غير مباشر في قوانين الدولة، وكذا في بعض النصوص التي تفهم خارج سياقها، وفي تاريخ بعض المذاهب الدينية التي سعت إلى أن تقدم نفسها على أنها النموذج الأفضل للتدين، أي المرجع في “الدين الصحيح”.

فمن الناحية النصية فُهم الحديث: “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”، فُهم على أنه موجّه إلى كل فرد من المؤمنين، مما يجعل المؤمن الفرد مسؤولا عن النظام العام، وهذا ما قام بتطبيقه عمليا بعض الفرق المتشدّدة مثل أتباع الإمام أحمد بن حنبل، وهو ما سماه المؤرخون المسلمون “فتنة الحنابلة”، حيث كان هؤلاء يخرجون إلى الشارع فيعتدون على النساء بسبب مظهرهن الخارجي أو حتى مِشيتهن، كما كانوا يكسرون الأواني المزخرفة وأنواع القماش المزيّن بالرسوم ويكسرون الآلات الموسيقية ويعتدون على الفنانين والجواري المغنيات ويهاجمون مجالس الأنس والسمر باعتبار ذلك كله مخالفا لصريح النص الديني كما يعتقدون. كان هذا يتم في إطار دولة دينية هي “الخلافة”. وكان هؤلاء يعتبرون أن الأمير أو الخليفة لا يقوم بدوره في محاربة “المنكر”. فيعمدون إلى ذلك بأنفسهم.

واليوم تتخذ هذه السلوكات طابعا أكثر غرابة، ذلك أنّ المسلمين ـ مثل غيرهم ـ قد انتقلوا منذ بزوغ الأزمنة الحديثة من الدولة الدينية إلى الدولة الحديثة التي تجعل النظام العام من مسؤولية الدولة لا الأفراد، وقد ارتبط ذلك بتحرير الفرد وبترسيخ التعاقد الاجتماعي المبني على فكرة المساواة في إطار المواطنة، وليس على أساس عقيدة أو عرق أو لون أو نسب أو لسان. وكان من نتائج ذلك أن تغيرت معايير “المنكر” والخير والشر تبعا لتغيّر مفهوم الإنسان ذاته ومفهوم الدولة، هذا الانتقال جعل العلاقة بين أفراد المجتمع محكومة بقوانين وضعية من المفروض أن تكون محايدة، وتتخذ نفس المسافة من الجميع بغض النظر عن اختلافاتهم، لكنها في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط ظلت مرتبكة بسبب عدم الحسم في الاختيارات الكبرى، حيث بقيت في قوانين الدولة وخاصة في القوانين الجنائية ترسبات بعض تقاليد الدولة الدينية التي لا تتلاءم مع أسس الدولة الحديثة، ومنها تجريم بعض الحريات والاختيارات الفردية التي ليست في حقيقتها جرائم لأنها لا تضرّ بالآخرين ولا تحدّ من حرياتهم ولا تمسّ بمصالحهم. هذه القوانين تصبح ذريعة لبعض المواطنين لكي يعتدوا على غيرهم في حياتهم الخاصة.

يبين هذا كيف أنّ سلوك المواطنين المعتدين له سند في سياسة الدولة، ففي رمضان مثلا تزداد رقابة الناس على بعضهم البعض بشكل مرضي، كما يزداد العنف الرمزي والمادي في النظر إلى الأفراد المختلفين، وهذا ليس عائدا فقط إلى التقاليد أو إلى طبيعة المجتمع، لأنه لا توجد طبيعة ثابتة ونهائية للمجتمعات، بل إن ذلك يعود أساسا إلى أن الدولة تعتبر في قانونها أن من أكل في رمضان نهارا يعاقب بالسجن، مما يجعل المواطنين يتسابقون على إيذاء غيرهم بتشجيع من السلطة وهم مطمئنون إلى أنهم لن يتعرضوا لأية معاقبة على أفعالهم. وفي مسودة القانون الجنائي التي اقترحها مثلا وزير العدل المغربي نجد أمورا غريبة مثل التساهل مع جرائم الشرف، وهو أمر أجنبي عن الثقافة المغربية، لكن هدف وزير العدل والتيار الذي ينتمي إليه هو خلق الذهنية المشرقية البدوية وإشاعتها، لأنها سند لتياره في المجتمع، ما يعني أنه في حالة مرور قانون كهذا فإن علينا ألا نستغرب من تصاعد العنف الوحشي وجرائم الشرف لأن القانون أصبح متساهلا معها. فالقوانين تشجع على إتيان سلوكات معينة كما تساهم في صنع ذهنيات معينة وإشاعتها، وفي حالة وجود قوانين غير ديمقراطية فإن عدم تعديلها يؤدي حتما إلى صنع ذهنية ممانعة للديمقراطية، التي تعني قبل كل شيء احترام الآخر وحماية الحريات والحق في الاختلاف. وهذا ما حدث بالمغرب.

إن معرفة المواطنين في مجتمع يعاني من تأخر تاريخي كبير، بأن الدولة تعاقب على بعض الحريات الفردية التي ليست في حد ذاتها جرائم، هو من أكبر العوامل المشجعة على إتيان أفعال همجية قد تؤدي إلى تهديد استقرار الدولة نفسها. ومن تمّ فمن اللازم العمل على إلغاء القوانين المجرمة للحريات المعترف بها في المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، والتي يعتبرها الدستور المغربي كلا غير قابل للتجزيء، وأسمى من التشريعات الوطنية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

7 تعليقات

  1. hassan maroc يقول

    “صراحة كمغربي ثم امازيغي اظن ان اكبر الغوغائين هم امثالك من الموثقفين الذين لا تسعفهم عقولهم الا محاولة خلق الفتن في المجتمع من خلال افكار غرببة وشادة شذوذ اهلها في هذا المغرب العزيز ان لو كنت مكانك لاحجمت عن الكلام لانه هو الصواب ولان مجرد صبي في المدرسة قادر على مقارعة افكارك البليدة نحن اعزنا الله بالاسلام وانت تعرف تاريخ العرب والامازيغ قبل ذلك انظر للامازيغ في الكناري وستعلم قصدي نحن في هذا البلد الحبيب نحتاج لمن يوحد الصفوف لا لامثالك المنكصين ارجو من القائمين على هذا الموقع ان لاينشر لامثالك خلاقي الفتن…

  2. Quand le religieux pollue la democratie creant le chaos يقول

    Merci ! professeur Mr. ASSIDE d attirer l attention sur ce chaos qui regne en matiere des atteintes a la liberte’ – Devant les revendications des citoyens pour la democratie et les droits de l homme ,l Etat change de tactique , tolere des agressions qui visent les libertes ,des individus font la police des moeurs , monsieur tout le monde critique ,et te rappelle comment se conduire en musulman ! des imams ignares et meme des voyous vous agressent ,on a vu la repetition des lynchages dans la rue – l Etat ferme les yeux sur ce chaos dangereux ! endossant cette situation a la democratie – creanant l amalgame entre respect des liberte’s et insecurite’ le peuple ignorant que nous sommes impute ces agissements au trop de liberte’ !!! Pourtant ! quand il s agit d une manifestation pour des revendications justes ,des froces de l ordre en nombre impressionnant , 4 contre 1 surgissent de nulle part ,et entrent en action comme un elephant dans une salle de porcelaine !

  3. محند أوسادن يقول

    غوغائية الفكر نتيجة سياسة الدولة لكنها قد تؤدي إلى خراب الدولة.
    على ماذا تدل فوضى الفكر التي تجعل بعض الناس, عن قصد طبعا يتهمون الرسول المصطفى بأن رسائله إرهابية؟؟؟ ويتهمون كل رموز الإسلام بأنهم رجعيون ولا يفقهون شيئا في الدين ولا يفهمون النصوص القرآنية؟؟؟ وأن من يفهمها جيدا هم محتلو الأمس سدنة أكاذيب حقوق الإنسان وسدنة القيم الكونية؟؟؟ على ماذا تدل هذه الفوضى حين نعلم أن القانون المغربي يجرم سب الذات الإلهية والأنبياء وكل رموز الأمة لكن مع ذلك لم نر الدولة حركت ساكنا لما اتهم النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بأن رسائله إرهابية؟؟؟ على ماذا يدل أن يسب مدعو التفكير رموزنا ثم بعد كل ذلك يتهمون غيرهم بما هم به أولى؟؟؟ على ماذا يدل أن المسلمين الفاهمين حقا لا يبالون ببذاءات وسفاهات مدعي الفكر ويعرضون عن جهالاتهم لكن مع ذلك تجد هؤلاء المدعين لا يرعوون؟؟؟ أليس هو عدم قيام الدولة بما يفرضه عليها القانون الذي خطته بيمينها؟؟؟ على ماذا تدل فوضى النضال الأمازيغي حين يختطفه أناس معينون ويحتكرون التكلم باسم كل الأمازيغ وكأن كل عجائز الجبال والسهول والصحاري وشبابها وكلوهم بذلك فعلا؟؟؟ على ماذا يدل أن تمارس علينا فئة من البشر إرهابها الفكري ومع ذلك نحن لا نبالي بها إلا لماما حين نقوم بالرد عليها عبر مقالات او تنديدات ولا نجاوز ذلك لاننا نعي جيدا أن القانون تطبقه الدولة وحدها ولا يمكن لاي كان ان يزاحمها في تطبيقه؟؟؟ على ماذا يدل أن يحشو مدعو الفكر مقالاتهم وكلامهم بالأكاذيب والأغاليط التي لا وجود لها في تاريخ الاسلام ولكن هي موجودة في أوهام هؤلاء وخيالاتهم التي تتحكم بها رؤى أكل عليها الدهر وشرب من قبيل ’’الحداثة والعلمانية’’ وأمثالها من العقائد التي لا تتماشى لا مع فطرة بشرية ولا مع شرع ولا مع عرف ولا مع عادات بلادنا؟؟؟ على ماذا يدل أن يعمل مدعو الحرية والتحرر كل ما في وسعهم لفرض رؤيتهم الضيقة والضيقة جدا على دولة بأكملها يمتد تاريخها لالاف السنين, دولة قهرت الرومان والفرنسيس والاسبان وقهرت وستقهر مروجي العروبة البائدة؟؟؟ على ماذا يدل أن يعمل هؤلاء لجعل قوانين بلدانهم تحت الوصاية الدولية ويلزموا مواطنيهم بالتحاكم الى ما يسمونه خيالا وهوسا من عند انفسهم ب’’القيم الكونية’’ والمعاهدات الدولية؟؟؟ على ماذا يدل أن يروجوا لان المغرب قد نص على سمو هذه المعاهدات والقوانين و’’القيم’’ على قوانينه بينما هذا كذب في كذب, فالمغرب له تحفظات على كثير من المعاهدات والقوانين الدولية لكن مدعي الحرية والفكر لا يريدون ان يفهموا هذا وان يعوا ان لكل بلد مقومات وخصوصيات؟؟ لكن أيضا.. على ماذا يدل سكوت هذه الفئة من البشر عن الارهاب الذي تمارسه الدول التي يروجون ل’’قيمها’’ و’’قوانينها’’ ويدعوننا ان ننضوي تحت لواءاتها؟؟؟ وعلى ماذا يدل سكوتهم عن مطالبة فرنسا واسبانيا بالاعتذار عن الجرائم التي اقترفوها في حق المغاربة الامازيغ على الاقل؟؟؟ على ماذا يدل مطالبتهم العرب بالرحيل او الدخول تحت رحمة ’’حداثة وعلمانية’’ صدئة أكل عليها الدهر وشرب وتغطى ونام؟؟؟ أسئلة كثيرة وغيرها تنتظر أجوبة من هؤلاء الذين نقتسم معهم الوطن ويجمعنا معهم هم السير به الى الامام لكن دون ان يرهب احدنا الاخر او ان يقصيه من الساحة بل بتقوية اواصر الاخوية بيننا وان اختلفت افكارنا او ايديولوجياتنا او حتى ادياننا..

  4. anyone يقول

    للأسف الشديد هذا الشرح خارج تماما عن حقيقة الواقع المُعاش في الكثل البشرية في ما يُعرف ب”الدول” المُتخلفة.مع كامل الإحترام؛ أولاً ظاهرة العنف وتصفية الحسابات موجودة في كل المجتمعات وبالتالي سببها ليس دائما ديني ؛ ولكن السبب هو غياب الدولة بل أكثر من هذا ذوي الفساد والإفساد تحميهم ” الدولة ” !، وهنا الكارثة!، الفلاسفة العظماء ربطوا الحق بالطبيعة ، الحق الطبيعي ، و الإنسان جزء أساسي في الطبيعة ، مُستحيل أن ينتظر إنسان من إنسان مثله ، أن يعطيه حقه ؛ فالحق معلوم وهو طبيعي ولكن دور الدولة المدنية الحقيقي هو مُحاربة الظلم و الإعتداء وحماية المواطن من أي إعتداء ! وليس توزيع الحقوق مثل الصدقات! . هذه الغوغائية نتيجة محتومة وطبيعية لكثرة الظلم و الظالمين وهذا يُنذر بالفوضى و نهاية الأنظمة التي تدعم الظلم ولا تحمى المواطن ؛ فالطبيعة لا ترحم .

  5. jamal يقول

    puisqu’un peuple qui choisit d’être gouverné par des islamistes c qu’ils croient à leur façon de gérer les choses,un peuple ignorant est facile à convaincre de qq chose il suffit de l’envelopper du religieux.ce courant qui a soufflé sur le nord africain à partir de l’est a tt bouleversé et l’état ne peut qu’apprécier parce qu’il y va de son intêret.pour convaincre un peuple que cette culture est fausse ou au moins que la religion n’est pas faite pour gouverner et qu’au temps du prophète il n’yavait que le vide il n’y avait pas d’état et il a agit selon ses connaissance s et qu’actuellement on a d’autres alternatives plus efficaces et importantes ,il suffit que les gens soient probes et que seules les lois peuvent corriger les imperfections et dissuader les corrompus ,pour arriver à installer un pays de droits ou vivent tt le monde mais l’ignorance et ses adeptes croient que l’islamisme est une solution même qu’elle les a exploités 14 siécles .ptt à la fin de l’argent du pétrole ils apprennetqu’ils avaient tort

  6. المختار يقول

    عندما تقرأ مقالا رزينا فتحصل على معلومات إضافية جديدة في التاريخ أو غيره فلايسعك إلا أن تشكر الكاتب, وأنا أقول :” شكرا للسيد عصيد”. مقالاتك كلها فائدة. سلسة سهلة وبدون تصنع في المفردات أو الجمل. مشكل عويص حقيقة, الدولة تلعب على حبال شتى.

  7. صاغرو يقول

    ما نشهده من انفلات منذ 2011 لم يعرف المغرب مثله، وأقصد اعتداء مواطنين على حقوق غيرهم.
    لنترك السياسة قليلا ونتامل المشاهد التالية
    احتلال الملك العمومي أقصد تعكير عيش الناس تصوروا انهم يغلقون حتى باب بيتك، ويستمر الضجيج الى ما بعد صلاة العشاء، الكلام النابي حدث ولا حرج.
    يتركون المكان مليئا بالازبال والقادورات.
    لا احد يفكر في المرضى والأطفال وحق الاخرين في الراحة في بيوتهم.
    نموذج اخر بعد ان ينصرف الفراشة والخضارة وبعد منتصف الليل يوقظ صوت قهقهات شباب يدخنون …. يحكون لبعضهم مغامراتهم وأحيانا يزايد بعضهم على البعض.
    عندما يقترب الصبح تظهر حركة جديدة واصوات جديدة.
    ثم احدهم يسخن سيارته لمدة 15 دقيقة كاملة، لا بد أن تصلك رائحة الكزوال الغير مكتمل الاحتراق.
    بعدها تبدا حركات سيارات النقل المدرسي. لن تستطيع الصمود امام منبهاتها لان الام غالبا مازلت تلبس الطفل الذي تعتقد انها معه تفعل اللازم .
    قمع الدولة اهون والطف من غرائز البشر عندما لا يوجد من يشذبها ويروضها.
    بالنسبة للسياسة فمن اراد ان يفهم فما عليه الا الرجوع الى بوانو الذي قيل انه رفض استخلاص ضرائب الخمور.
    زعما هاذا غير معتدل ويؤمن بالمؤسسات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.