عيد الاستقلال.. في 2 مارس أم 18 نونبر؟

108
طباعة
في 30 مارس 1912، بمدينة فاس، وقع السلطان العلوي المغربي عبد الحفيظ معاهدة الحماية المشؤومة مع ممثل للدولة الامبريالية الاستعمارية الفرنسية.

وبموجب هذه الاتفاقية الخيانية، التي تخلى من خلالها السلطان عبد الحفيظ عن كافة التزاماته بالدفاع عن سيادة واستقلال الوطن، أصبح المغرب وإلى أجل غير مسمى محمية للدولة الفرنسية في معظم ترابه الوطني وللدولة الاسبانية في جزئه الشمالي، بينما أصبحت مدينة طنجة وضواحيها منطقة دولية خاضعة لنفوذ دولي مشترك.

إن الشعب المغربي الذي قاوم، بشجاعة كبيرة وبتضحية نادرة، التغلغل الاستعماري في بلادنا منذ النصف الأول من القرن 19 وخاصة بعد استعمار الجزائر في 1830، ظل يقاوم نظام الحماية الاستعماري بالسلاح وبالعمل السياسي الجماهيري، مسجلا في ذلك ملامح كبرى، أبرزها ملحمة الريف من 1920 إلى 1926 بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي ثم المقاومة المسلحة في المدن من 1953 إلى 1955 وحرب الريف الثانية التي انطلقت في مطلع أكتوبر 1955. وإذا كان النظام المخزني، وعلى رأسه السلطان عبد الحفيظ ثم السلطان يوسف، قد تواطأ بشكل سافر مع نظام الحماية، وساهم في التصدي للمقاومة الشعبية بمختلف المناطق الجبلية وإلى حدود منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، فإن الوضعية ستتغير نسبيا مع الملك محمد الخامس الذي انحاز في فترة معينة إلى جانب الجناح المعتدل داخل الحركة الوطنية المناهضة لنظام الحماية. وهذا ما أدى بالسلطة الاستعمارية إلى نفيه مع عائلته في 20 غشت 1953 إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر. وقد أدى هذا الاعتداء على ملك المغرب الشرعي، كرمز للسيادة المغربية آنذاك، إلى تأجيج المقاومة في المدن والبوادي ضد الاستعمار، مما اضطر السلطات الفرنسية إلى الدخول في مفاوضات مع المغرب وإلى أوفاق إكس ليبان الغامضة والملتبسة التي أسفرت عن رجوع الملك محمد الخامس إلى عرشه في 16 نونبر 1955 يومين قبل إحياء عيد العرش الذي كان يتم في 18 نونبر من كل سنة منذ مطلع الثلاثينات.

وفي 18 نونبر 1955، ألقى محمد الخامس خطابا تاريخيا أعلن فيه العزم على إنهاء نظام الحماية وبزوغ عهد الاستقلال. وفي نفس الوقت تم تشكيل الحكومة المغربية الأولى، حكومة ائتلافية برئاسة امبارك البكاي، معظم وزرائها من حزب الاستقلال.
وقد دخلت هذه الحكومة في مفاوضات مباشرة مع الدولة الفرنسية لإلغاء معاهدة الحماية وللإعلان القانوني عن استقلال المغرب. وفي 2 مارس سيتم رسميا وبموجب اتفاق بين الدولتين الفرنسية والمغربية إلغاء معاهدة الحماية. كما سيتم بموجب اتفاقية مماثلة مع الدولة الاسبانية، وقعت يوم 7 أبريل، إلغاء نظام الحماية بالمنطقة الشمالية. وفي أواخر أكتوبر 1956 سيتم إلغاء الطابع الدولي لمنطقة طنجة وإخضاعها للسيادة الوطنية المغربية.

وهكذا، فقد ظل المغرب، رسميا طيلة نهاية الخمسينات وإلى حدود وفاة محمد الخامس في نهاية فبراير 1961، يحتفل من جهة بما سمي بالأيام المجيدة الثلاثة: 16 نونبر (عيد العودة، أي عودة محمد الخامس من المنفى) و17 نونبر (عيد الانبعاث) و18 نونبر عيد العرش (الذي كان يخلد ذكرى جلوس محمد الخامس على العرش في 18 نونبر 1927).

كما ظل المغرب طيلة نفس الفترة يحتفل بعيد الاستقلال في 2 مارس من كل سنة.

إننا نحيي هذه السنة الذكرى المئوية لمعاهدة الحماية المشؤومة المبرمة في 30 مارس 1912. وعلى الشعب المغربي وقواه الديمقراطية والحية، ومن ضمنها حركة 20 فبراير، التساؤل عن الظروف والمسؤوليات بشأن إبرام هذه المعاهدة ومخلفات هذه المرحلة المشؤومة ونتائجها الكارثية. هل قمنا بالفعل بحصيلة لهذه المرحلة؟ هل تم تشخيص الانتهاكات الجسيمة التي عرفتها ومعرفة الحقيقة بشأنها؟ هل تم جبر الأضرار التي ترتبت عن معاهدة الحماية وعن فترة الاستعمار المباشر للمغرب؟ هل تم تحديد الإجراءات الكفيلة بعدم تكرار ما جرى في الماضي وبعدم استمرار الاستعمار والسيطرة الامبريالية بأساليب جديدة من ضمنها تلك التي أدت إلى مشروع القطار السريع ( TGV )؟

إن إحياء الذكرى المئوية لمعاهدة الحماية يجب أن تكون في نظري مناسبة لطرح هذه الأسئلة ومناسبة كذلك لمطالبة الدولتين الفرنسية والاسبانية بالاعتذار عما اقترفاه من جرائم ضد الشعب المغربي وبجبر الأضرار المادية والمعنوية المترتبة عنها. إنها فرصة بالنسبة للقوى الوطنية الديمقراطية للعمل على التصدي للنفوذ الامبريالي وللتغلغل الاستعماري بصيغته الجديدة. إنها مناسبة للتأكيد على أن النضال الديمقراطي من أجل القضاء على العلاقات المخزنية العتيقة لا بد وأن يقترن بالنضال ضد الهيمنة الامبريالية على بلادنا في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.

إننا، ونحن نحيي الذكرى المئوية الأولى لمعاهدة الحماية، لا بد أن نتساءل كذلك كيف تم التلاعب بالتاريخ؟ لماذا كان الشعب المغربي يحتفل بعيد “الاستقلال” (بغض النظر عن موضوع جدي آخر يتعلق بطبيعة هذا “الاستقلال”، هل كان فعليا أم شكليا؟) يوم 2 مارس من كل سنة خلال سنوات 1957 و1958 و1959 و1960، وكان يحتفل بعيد عرش محمد الخامس في 18 نونبر، فإذا به نجد أنفسنا ومنذ اعتلاء الحسن الثاني للعرش في 3 مارس 1961 نفقد الذاكرة الجماعية ونقطع رسميا مع الاحتفال بعيد الاستقلال في 2 مارس ليصبح عيد الاستقلال الرسمي هو 18 نونبر يوم عيد عرش الملك محمد الخامس؟

على المؤرخين والمحللين أن يشرحوا لنا كيف تم ذلك؟ ولماذا الصمت المطبق حول هذا الموضوع؟

أعتقد شخصيا أن هذا الانزلاق يجد تفسيره في مصادفة التقاء عيد عرش الحسن الثاني (3 مارس) مع عيد الاستقلال (2 مارس)، مما دفعه إلى الإلغاء العملي للاحتفال بعيد الاستقلال يوم 2 مارس وإلى إحياء عيد الاستقلال يوم 18 نونبر تاريخ عيد العرش القديم. وبهذا يكون الحسن الثاني قد ضرب عصفورين بحجر واحد، حيث تمكن من جهة من إبعاد عيد الاستقلال كعنصر تشويش على عيد عرشه الذي كان يجب أن يظل بارزا “كحدث تاريخي جديد”، ومن جهة أخرى من الحفاظ على الاحتفال بعيد عرش محمد الخامس ـ وما له من رمزية وترسيخ للمشروعية ـ ولو بمضمون جديد هو “عيد الاستقلال”.

إن هذا التصرف التسلطي في تاريخ البلاد، وإن كان قد أصبح أمرا واقعا ومقبولا من طرف جل القوى السياسية والفكرية، فإنه لم يتم بدون مقاومة حيث أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، على الأقل في فرنسا التي عايشت فيها التجربة، ظل طيلة الستينات يخلد عيد الاستقلال في 2 مارس ويرفض تخليده في 18 نونبر.

ألم يحن الوقت لتصحيح التاريخ المغربي على الأقل في هذه النقطة؟

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

7 تعليقات

  1. libre يقول

    اليوم تستغربون لهذا لكن لم تستغربوا لنسبة المملكة المروكية لهوية آسيا التي سلختها من هويتها الافريقية رغم ان هذا الانسلاخ جاء في وقت السبعينات اي بعد الاستقلال بمدة تفوق 20 عاما لماذا لم يناقش صاحب المقال هوية البلد كأساس لطلب لالستقالا إذ كيف يعقل ان يقبل الشعب المروكي بانتداب دولة تجرده من لغته الام وتاريخه وحضارته لتنسبها لنفسها وتشارك بجيشه في الحرب العالمية في حين تقوم دولة الاستقلال بنفس الشيء وتنسب البلاد لهوية آسيوية مشرقية سلخت البلاد من هويتها الافريقية الاصيلة دائما مايكون للمثقف دور اساسي في ضياع البلاد وليس دكتاتورية اي نظام سياسي

  2. محمد الصابر يقول

    ونحن نريد عيد الاستقلال في وقتين خلال السنة الواحدة. وماذا يضرك أنت من هذا؟ أليست لنا تواريخ وطنية مقرونة بوقفات ملوك أقوياء في وجه الاستعمار بسياسة (سلك الشوكة بلا دم) أما اذا كان الوطن هو الذي يتضرر ـ كما تدعي ـ فان الناس في هذا الوطن هم الذين يصنعون أعيادهم الوطنية والشعبية والله يجعل بين العطلة والعطلة عطلة أخرى بشرط ضمان الاستقرار والخير لهذا البلد الامين.

  3. واحد من الشعب يقول

    ما معنى الاستقلال ، ادا لم يجد المواطن العمل والخبز والسكن والمستشفى والمدرسة ؟!

  4. لحسن من وجدة يقول

    كاين التاريخ … و كاين التاريخ اللي كاتباه السلطة السياسية . هاد التاني موجه للفئة اللي مرتاحة كتستنى اللي يجيب لها المعرفة عند يديها و هم الأغلبية ، النخبة كتبحت باش تفهم حيت التاريخ الرسمي عامر بالمغالطات … اليوم الثورة فعالم الاتصالات صعبات بزاف المهمة ديال سدنة التاريخ الرسمي و هاد المغالطات الناس عاقو بيها … جات الحملة الجديدة ديال الاستبداد باش تواكب الوضع… و أصبح الاستبداد كيظهر فوسائل الاتصال نفسها اللي كتفضحو على أنه كيشتغل و كيسافر و كيتحرك و كيدشن و يراقب و الله.. الله… مي مي … و لكن الاستبداد ميمكنش يشتغل بوحدو وخا كيروج هاد الخرافة ( غير هو اللي خدام ) ( حيدو هاد المؤسسات علينا خليوه يشتغل ) و ميمكنلوش يضمن أن كافة مستويات خدام الاستبداد غدي تحرص بحالو على الاستمرارية ديالو… لهذا كيوقعو الأخطاء ديال: البيدوفيل، أرض الاوقاف اللي خداها الكاتب الخاص، الشهيدة بائعة الخبز فتيحة و الشهيد بائع السمك فكري … هاد الأخطاء ميمكنش الاستبداد (اللي هو الملكية فالمغرب كما أن الشمس تطلع من المشرق) يتحكم فسوابق و لواحق هاد الأحداث… التراكم و الحدث اللي ممكن يغير كل شي …. ثم : الحقيبة . أما الناس فهاد البلاد، فبعد القرون الطويلة من الإزدهار و الأنوار و الشبع و العزة و الكرامة و المواقف البطولية اللي سجلها التاريخ فوقوفنا ضد المستكبرين لفائدة المستضعفين… (خاليونا أسيدي ناكلو بعضياتنا شي خمسين سنة مافيها باس نبدلو شوية راه ملينا هاد التحضر و العز و الرخاء اللي غطاه بينا المخزن…. واه ..وابزاف)

  5. متتبع يقول

    كل ما قاله الاستاد امين نتفق معه ، الا نقطة واحدة وهي اغفال كون المقاومة المسلحة ضد الاستعمار كانت بالدرجة الاولى في الجبال والمناطق الامازيغية : ايت عطا الاطلس المتوسط ايت بعمران خنيفرة الريف …… في حين تواطات البرجوازية الفاسية والرباطية مع الاستعمار

  6. Hasssan يقول

    و اسي امين, لمن تعاود زابورك يا داوود, تقريبا كلشي منبطح كايجري ورا الكاميلا, و تحية نضالية لك و للسي حميد

  7. يوم استقلال لا يؤم بالوحدة الترابية يقول

    أكثر وأخطر مما قاله كاتب المقال نحن نقول أن استقلال ما يسمى المغرب كان سنة 1956 الذي هو إلى حد ما المغرب الذي يعترف به دوليا (يعني دون الأقاليم الجنوبية)
    في حين أن المغرب الذي نؤمن به جميعا كمواطنين هو من طنجة إلى الكويرة الذي لم يكتمل استقلاله إلا في 14 غشت 1979 ذكرى استرجاع واد الذهب وهذا هو الذي يجب أن يكون استقلال المغرب إن كنا نؤمن بقضية وحدتنا الوطنية
    الاحتفال بسنة 1956 هو ضمنيا مغرب بدون أقاليمنا الجنوبية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.