عصيد: مقاطعة الانتخابات تقوي سلطوية الدولة ونفوذ المحافظين

38

سألني عدد من المواطنين الذين تعودوا على مقاطعة الانتخابات، عن السبب الذي جعلني أدعو إلى المشاركة فيها والتصويت للأكثر نزاهة ووفاء للديمقراطية وقيمها النبيلة، وفيما يلي جوابي على ذلك:

كانت مقاطعة الانتخابات تعني بالنسبة للقوى الراديكالية نزع الشرعية عن السلطة والعملية الانتخابية، التي تعتبر مجرد عملية شكلية بدون محتوى أو مرتكزات ديمقراطية، طالما أنها لا تقوم على مبادئ الترسيخ الديمقراطي الممثلة في سيادة الشعب والشفافية والتداول على السلطة وفصل السلط وحماية الحريات وسمو القانون. لكن التحولات التي عرفتها الحياة السياسية على مدى العقد ونصف الأخير، والتي شهدها كذلك الجوار الإقليمي والقاري، أدت إلى جعل عملية المقاطعة تفضي إلى نتائج هي على العكس تماما من النتائج المنتظرة، فما تفسير ذلك ؟

أولا ينبغي الاعتراف بأن مقاطعة الانتخابات لا تعني لدى الجميع موقفا سياسيا واعيا وذا قصدية واضحة، حيث يعبر عزوف أعداد كبيرة من المواطنين المغاربة عن لا مبالاة عدمية لا تنطوي على أي وعي سياسي عميق، بقدر ما تعبر عن تفويض للحاكم باعتباره الأدرى بشؤون “الرعية”، ومثال ذلك ما يعتقده الكثيرون من أنّ الملك هو الذي يقوم بكل شيء، ويرون في ذلك أمرا إيجابيا، ويعتقدون بموجبه بلا جدوى التصويت على أحزاب لا تحظى بالشرعية لديهم، ما دام الملك موجودا، وهو موقف كما هو معلوم لا يساهم في إضعاف السلطة بل على العكس من ذلك يقوي أدوارها التقليدية لأنه يقوم على ثقافة ما قبل ظهور الدولة الحديثة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

من جانب آخر سوف يلاحظ القراء بأنّ مواقف العزوف بأنواعها المختلفة تنتهي إلى نتيجة حتمية هي إضعاف الأحزاب السياسية التي لا يمكن أن تستقيم العملية الديمقراطية بدونها، وكل إضعاف للأحزاب يقوي تمركز السلطة والنفوذ في الدولة، ويعمل بالتالي على تأخير الانتقال المطلوب نحو الديمقراطية. ففي سنة 2002، كانت نسبة المشاركة المعلنة هي 23 في المائة، وقد سمحت هذه النسبة الضعيفة للملك بإبعاد عبد الرحمان اليوسفي وتولية وزير أول تكنوقراطي هو ادريس جطو، ورغم أن الاتحاديين اعتبروا ذلك مخالفا “للمنهجية الديمقراطية” إلا أنهم ظلوا داخل الحكومة وخضعوا للأمر الواقع .

وبجانب العاملين المشار إليهما، ثمة عامل ثالث هو ظهور الفاعل الإسلامي ممثلا في حزب العدالة والتنمية، الذي ينتمي إلى التيار “الإخواني” الدولي، المعروف بمشروعه المتمثل في استعادة الدولة الدينية عبر صناديق الاقتراع، هذه الهوية الدينية لحزب المصباح تجعله لا يساهم في تقوية أسس الانتقال نحو الديمقراطية بمعناها المتعارف عليه، حيث يختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع لا غير، ويرفض قيمها المتمثلة في مدنية الدولة والقوانين واحترام الحريات الفردية والعامة والحق في الاختلاف والمساواة التامة بين الجنسين وبين جميع المغاربة في إطار المواطنة، وقد ظهر هذا النزوع واضحا خلال الخمس سنوات الأخيرة في القوانين التي قام الحزب بصياغتها والتي كانت عبارة عن تحايل واضح على المكتسبات الدستورية المتحققة سنة 2001.

ولأن حزب العدالة والتنمية يتوفر على آلية انتخابية قوية ذات تمويل جيد، وكتلة ناخبة وفية يستطيع الحفاظ عليها بأساليب بعضها شرعي تماما وبعضها الآخر يعتمد طرقا غير قانونية وغير شريفة مثل توزيع المال والبضائع بكثافة في الأحياء الفقيرة ومدن الصفيح خلال الأسابيع المحاذية للفترة الانتخابية، معتمدا في ذلك على الجمعيات التابعة له، ومثل الإشاعة الكاذبة والتضليل السياسي وتمييع النقاش بهدف تقمص دور المعارضة رغم تحمل المسؤولية الحكومية، فإن مقاطعة الانتخابات تصبح من أكبر عوامل نجاح الحزب الإسلامي، حيث تجعل من الكتلة الناخبة لحزب المصباح مهما صغرت كتلة هامة وذات تأثير بسبب انضباطها في ظل العزوف العام وتشتت القوى الديمقراطية، وهكذا يتم تحكيم الحزب الإسلامي في رقبة المغاربة في غياب الأغلبية الساحقة منهم (التقارير المحايدة تشير إلى أن نسبة التصويت لم تتجاوز ما بين 25 و 30 في المائة).

ورغم نجاح الحزب الإسلامي في الانتخابات إلا أنه يظلّ يشتكي من “التحكم”، وذلك لأن النسبة التي فاز بها هو نفسه لا تعطيه أي امتياز أمام الملكية والسلطة التقليدية. كما أن تربصه بالملك ومحاولته إضعاف الدور الملكي لا يحظى بمؤازرة الديمقراطيين لأنه يرمي إلى تنصيب التحكم الإسلاموي بدل التحكم الملكي، وهو ما يعتبره الكثيرون أسوأ لأنه نزوع نحو الفاشستية لا يفيد في تقوية البناء الديمقراطي.

يتضح من المعطيات السالفة الذكر بأنّ موقف مقاطعة الانتخابات إن كانت له دلالات ثورية في الماضي فإنه في السياق الراهن يعدّ نوعا من الانتحار السياسي والتزكية للوضع القائم، حيث يؤدي من جهة إلى تقوية سلطوية الدولة والحكم الفردي، كما يؤدي من جهة أخرى إلى تقوية الحزب الإسلامي “الإخواني” المهدّد للمكتسبات الديمقراطية الهشة.

لا بديل إذن عن التعبئة من أجل التكتل وإفراز جبهة سياسية لا تخضع لمنطق السلطة التقليدية ولا لابتزاز القوى المحافظة، والعمل على التمكين لها في الساحة السياسية حتى تكون قادرة على حمل مشعل الدمقرطة والتحديث.

لا شكّ أن شروط العمل السياسي النظيف لم تتحقق كلها في بلدنا، لكن بالمقابل ثمة عوامل جديدة تهدد البقية الباقية من المكتسبات القليلة التي تحققت بتضحيات جسيمة، أما التغيير الجوهري والحاسم فهو أمر يبدو بعيد المنال، ولا توجد له أية مؤشرات على الإطلاق في الساحة الوطنية مهما تفاقمت الأزمات والتوترات الداخلية، وحتى في حالة حدوثه فلن يؤدي إلا إلى أسوأ العواقب والتي أخطرها الانهيار التام للدولة، والذي سيؤدي الجميع فاتورته كما حدث ويحدث في بلدان لم تستطع استعادة بناء مؤسساتها حتى اليوم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

11 تعليقات

  1. ب.عبدالواحد يقول

    العزوف عن الانتخابات تسبب فيه المتسلطون على الأحزاب التاربخية و الدين حولوها الى مجموعات من المفسدين و الانتهازييين . ادا دخلت أحد الأسواق ولم تجد فيها الا السلع الفاسدة هل تستطيع أن تشتري منها ؟

  2. وااااالو يقول

    المشكل ذ عصيد ليس في النسبة .بل في الحزب الذي ستصوت له .جميع الاحزاب بمواصفاتها اليوم لا تستحق ولاصوت واحد .لانها لم تعد مكونة من مناضلين .بل اصبحت مليئة بالانتهازيين والسماسرة .اما الشرفاء فقد غادروها الى منازلهم .بل اكثر من هذا اصبحت هذه الاحزاب اكبر عائق للتنمية .بل اصبح من اللازم حلها .لان الوضع في تأزم وسيزداد بدخول حزب يلعب بورقة الدين وهي اخطر ورقة تحرق كل من حولها ….
    ارجو من ذ عصيد ان يتفاعل مع هذه النقطة اي الحزب المراد التصويت له واتمنى ان لا تقول اليسار لان هؤلاء هم اكثر انتهازية من الاخرين ..والله ينجيك من الجيعان الا شبع

  3. amine يقول

    tout le monde a bien compris pour que les institutions au maroc ne seffondrent pas, il faut vivre en bon esclave tres docile merci

  4. KHAMOUNA MOHAMED يقول

    الرجل القوي يبحث عن المراة القوية ليقوى بها _ اما الضعيف فيبحث عنا الضعيفة ليستقوي عليها

  5. خمونة محمد يقول

    الإشكالية التي تواجه الواقع السياسي العربي اليوم، تتمثل باستعصاء ولادة فضاء سياسي أوسع، بل ربما تكمن العوائق الأساسية برفض القوى التقليدية ظهور هذا المكون الجديد*

  6. Ali123 يقول

    أمثالك وأمثال أمثالك من روّاد الفكر المثقوب هم مَنْ يقوّي شوكة ما تسمّيه باليمين المحافظ… كل فعل يقابله رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه … إذا كان العميل مزدوج الأجر (من الداخل والخارج) كان للطبل والمزمار إيقاع أسرع من إيقاع الراقص على الجمر… طبِّلوا وزمِّـــــــــــــــروا يا جوقة بهلوانات الحانات والمراقص

  7. hassan يقول

    ماجدوى ان ينتخب الشعب لحكومات ديكور من يصطحب الملك الان في جولاته في افريقيا ويوقع الاتفاقيات في الاستثمار انها حكومة اخرى لا علاقة لها بالحكومة الحالية التي لاا قيمة لها

  8. لوسيور يقول

    تحليل هري ، ولما كانت نسبة المشاركة مرتفعة هل تغير الواقع…هب ان نسبة المشاركة 100ب100 هل سيتغير الدستور ؟ هل سيحاسب المفسدون؟ هل ستتغير ميزانية المخزن؟ هل سيحرم البرلمانيون والوزراء من تقاعدهم….؟ لقد بدأت اشك في أمر عصيد..انشروا

  9. الكارثة يقول

    على عكس ما كتب السيد عصيد، نحن حقا نتجه إلى ما كتبه في الثلاث جمل الأخيرة من مقاله، لأن درس التاريخ يقول أن الأوضاع المزرية يجب إصلاحها من الأعلى، في ظل التمادي في الباطل من طرف من هم في قمة الهرم فلا يوجد إلا ذلك المصير القاتم

  10. عزيز يقول

    موقف المقاطعة لشريحة كبرى يعبر عن حالة الجهل السياسي أما بالنسبة للمقاطعين عن وعي ورؤية فلهم كامل الحق في ذلك ..أظن أن المشكلة أننا نتقدم للانتخابات في ظل تأويلات متباينة للمشترك الذي يجمعنا وهذا هو الخطر بعينه..كيف لحزب أو آخر أن يستعمل الدين في السياسة ..بعضهم أصبحوا أ ندادا للملك في تدبير الحقل الديني بطريقة ماكرة..

  11. فرانز فانون يقول

    لقد طالبنا بالمشاركة المكثفة في الانتخابات الاخيرة حيث ادركنا ان ميليشيات البيجيدي الالكترونية كانت تحث الشعب على المقاطعة حتى يتسنى لحزبهم الاستفراد بالعملية الانتخابية ومن ثم الحصول على المرتبة الاولى . وقد وفر الحزب انداك مليار و200 مليون سنتيم لهده العملية مدركا ان المعركة هي معركة الكتر ونية كما ساهم فيها مؤطرون في علم النفس الجمعي والاشهار ، عملا بكتاب التلبيس من ابليس لابن القيم .
    عندما شارك رجال التعليم بكثافة في انتخابات الضمان الاجتماعي كيف كان وضع البيجيدي ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.