زلزال التطهير يضرب القلعة اﻷمنية

34

في ظل تداعيات اﻹجراءات التأديبية، المواكبة لورش اﻹصلاح الذي خطته القيادة الجديدة للمديرية العامة للأمن الوطني، يتساءل البعض حول ما إذا كان اﻷمر يتعلق بحراك أمني أفرزته عدة معطيات ذات علاقة وطيدة بتدبير الشأن اﻷمني خلال العهد السالف، الذي عرف تجاوزات واختلالات وإن كنا قد أدينا ثمن جرأتنا في فضحه ذﻻ ومهانة، أمام صمت الحكومة والنخب واﻷحزاب.تلك المعطيات التي ﻻ يمكن ﻷحد التغاضي عنها ، إﻻ إذا كان متملقا وصاحب مصلحة نفعية.
لقد كنا أمام خلل ، إما أن نتداركه جميعا، أو نساهم بصمتنا في إستفحاله. وفي هذا خيانة للوطن.ونظرا لكوننا كنا نحمل تصورا وإستشرافا ﻵفاق ما ينبغي أن يكون عليه جهاز اﻷمن؛ قررنا اﻹنخراط في مسلسل اﻹصلاح الذي جاء به الدستور، مسلحين بالجرأة في تعرية الواقع، وتكسير جدار الصمت؛ حيث كشفنا عن مناطق الظل اﻷكثر قتامة، وعن مكامن الخلل ومواطن اللبس والعتمة واﻹختلاﻻت والتجاوزات داخل المديرية العامة للأمن الوطني، باعتبارها مرفقا عموميا يخضع لمقتضيات الفصل 156 من الدستور، الذي ينص على أن المرافق العمومية تتلقى ملاحظات مرتفقيها واقتراحاتهم وتظلماتهم، وتؤمن تتبعها وتقدم الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، حيث تخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم.و إيمانا منا كذلك بأنه بفضل الدستور الجديد ، سنتمكن من أن نصبح مكونا أساسيا في بلورة السياسات العمومية ، وإن من موقع إبداء الرأي، باعتبار أن تقييم القرارات العمومية من أبرز آليات الحكامة الجيدة.
غير أننا إصطدمنا بأصنام بشرية ﻻطينية وقد ضاعت بوصلتها في التبذير وسوء التسيير، ووضعت نفسها في مرتبة القديس الذي ﻻيجب مناقشته. فبادرت إلى الرد بصيغة صادمة تغرف من الفكر والثقافة اﻹستبدادية، وعرضتنا لممارسات أملاها منطق إستبدادي ذو ميوﻻت سلطوية، وسخرت ضدنا أبواقها المأجورة التي تتقن لغة الخزعبلات والترهات وخرافات العام زين.
فنحن لم نقل إﻻ الحقيقة الجلية الوضوح، ولم نقدم سبورة سوداء قاتمة عن الجهاز، بل كان هذا هو واقعه. وقد جاء الخطاب الملكي اﻷخير حول اﻹدارة العمومية، تجسيد لتلك الرغبة الجامحة التي كانت تعترينا لنفض الغبار عن واقع المديرية العامة للأمن الوطني.فكل المحاور التي تناولتها مقاﻻتنا حول الشأن اﻷمني خلال العهد السالف مستقاة من الواقع، فقد إعتمدنا في تشخيصها أقصى درجات المهنية والموضوعية والمصداقية، وكل معايير البحث والتقصي.
فكلامنا ﻻينطوي على أباطيل وإفترءات تمليها الرغبة في اﻹزعاج والتكدير، أو اﻹساءة والتشهير.فقد احتل أسلوبنا الذي وظفناه ﻹصلاح اﻷمن، مكانة بارزة في قلوب وعقول رجال شرطتنا؛ في حين ظلت اﻷبواق المأجورة تغرد خارج السرب.وبقدر ما انكشف أمرها ، بقدر ما كبرنا في عيون شرفاء هذا الوطن.
لقد أدلينا بدلونا في إصلاح الجهاز اﻷمني وبالنقد البناء، دون تملق أو تزلف. ولم نكن نود من وراء إنخراطنا في مسلسل اﻹصلاح، إﻻ تحصين الجهاز من اﻹساءة إليه.
فهل أضحى فضح الفساد والتنديد بالتبذير وسوء التسيير والكشف عن اﻹختلاﻻت والتجاوزات، يقابل باﻹعتقال وباتهامات باطلة تحت يافطة قانونية أصبحت متداولة ، من قبيل إهانة موظفين عموميين والتبليغ عن جريمة خيالية.فأي إهانة إرتكبناها؟ وأي جريمة خيالية بلغنا عنها، ونحن قدمنا ما يثبت ذلك؟
وهل أضحى الكشف عن التجاوزات واﻹختلاﻻت داخل مرفق عمومي يمول من طرف الشعب، يفضي إلى مصادرة حرية الرأي والتعبير، وفبركة القضايا وصدور أحكام جاهزة؛ ترى في التوجه العام ﻻنتقاد أداء مرفق عمومي، نوعا من التحامل والمغاﻻة والتشهير؟
وهل أضحى اﻹختلاف في الرأي ، بمثابة إستباحة اﻵخر والتنكيل به؟
كنا نعتقد أن محاربة الفساد من مسؤولية الجميع،وأن الحصول على المعلومة، يساهم في تنمية روح المواطنة المسؤولة، ويؤدي إلى إنخراط المواطن في سيرورة السياسات العمومية وفي تقييمها.
ولم نكن نعتقد أن ممارستنا لحقوقنا الدستورية، ستفضي بنا إلى متاهات اﻹستدعاءات الترهيبية واﻹستنطاقات والتحقيقات بأسئلة، معدة وموجهة وجاهزة وبتعليمات فوقية، وإلى المحاكمات فاﻹدانات بعد إفراغ نقدنا الذي هو عنوان هويتنا من مدلوله الحقيقي.
فلا داعي للقفز على الحقائق وخلط اﻷوراق واﻹختباء وراء المؤسسة.وكفانا من تلك الحيل البوليسية التقليدية المكسوة بالخسة والوضاعة والنذالة.فالحقائق واضحة والواقع كان ملوثا بالظلم والحكرة والمحسوبية والزبونية؛ وتجسده اﻵن قرارات العزل والعقوبات اﻹدارية التي تطال رجال اﻷمن على اختلاف رتبهم ، ممن تبثت في حقهم تجاوزات وإختلاﻻت تسيئ إلى جهاز اﻻمن.
اﻵن ، ومع قدوم قيادة جديدة وسقوط اﻷقنعة، يبدو أن المديرية العامة للأمن الوطني تخطو نحو إصلاح جذري ﻹعادة هيكلتها، وتقويم أجهزتها وتشذيب شجرتها من تلك اﻷوراق الذابلة المتسخة.وبدت معالم وتباشير منظومة أمنية جديدة تلوح في اﻷفق، تشكل قطيعة مع تلك المنظومة التقليدية.
اﻵن، والمديرية العامة للأمن الوطني تقود حراكا أمنيا تكمن أهميته في أنه يؤسس لمرحلة جديدة من تاريخ اﻷمن الوطني، تكريسا لقيم دولة الحق والقانون، وبلورة منظور أمني حداثي يقطع مع الماضي.فقد آن اﻷوان لتصحيح اﻹختلاﻻت التي تنخر الجسد اﻷمني، ﻹخراج المديرية العامة للأمن الوطني من ذلك النفق المظلم الذي كان يستأسد ويتغول فيه من منح لنفسه حقا ﻻيمتلكه، وأعطى لنفسه إسما ﻻيستحقه.
آن اﻷوان لسن سياسة أمنية ذات بعد حقوقي ، باعتباره الرهان الحقيقي لعدم تكرار اﻹنتهاكات الماسة بحرية وكرامة المواطن.واعتماد مقاربة سياسة تعتبر اﻷمن خدمة إجتماعية ذات بعد سياسي ، ترتبط أساسا بإرساء دولة الحق والقانون.
– لخلق منظومة أمنية ذات قيم جديدة تعتمد مرجعية حداثية، تتوخى تغييرا عميقا في المفاهيم والبنيات الذهنية.
– لإصلاح عميق وناجع يعتمد خطابا أمنيا ذو بعد وطني يستوعب كل التحوﻻت والمستجدات الوطنية والدولية.
– لتبني خطاب أمني يحتضن المطالب اﻹصلاحية، ﻻخطابا قائما على الزعيق والبهتان الذي أوكلت مهمته للأبواق المأجورة.
– لإعتماد تصور جديد للحكامة اﻷمنية، يتم عبرها ضبط تجاوزات الجهاز اﻷمني؛ وما يقتضي ذلك من تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة.حتى يأخذ هذا التحول الجذري الذي تعكف المديرية العامة للامن الوطني، بعدا قانونيا ودستوريا لتحقيق إنتقال ديمقراطي، وحتى ﻻتظل قراراتها خادشة لمبادئ الدستور.فالمساءلة هي جوهر كل تجارب اﻹنتقال الديمقراطي.لذا يجب أن تستهدف اﻹجراءات التأديبية إقامة توازن دستوري عميق، يروم ربط المسؤولية بالمحاسبة لتخليق مرفق اﻷمن.
– للتدمير الشامل لكل بؤر الفساد والمحسوبية والزبونية، وقطع دابر كل بوق كاري حنكو سبق وأن ترعرع في كنف بيئة فاسدة، ﻻيتقن سوى التطبيل والتهريج وترديد ﻻزمة اﻷمن بخير.وهو الذي كان باﻷمس القريب يمجد سدنة الفساد ويسبح بحمده، ثم إنقلب عليه لفتح صفحة جديدة من الرياء والنفاق مع العهد الجديد الذي لن يجدي معه ذلك نفعا.
– لوضع حد لكل المتابعات القضائية التي سبق ﻷيادي العهد السابق أن حركتها ضد اﻷصوات واﻷقلام الحرة، حتى ﻻيسجل التاريخ مباركة أو محاباة القيادة الجديدة لسلوكات عهد إتسم بالظلم والجبروت وتكميم اﻷفواه.عهد لم يكن يدرك دور اﻹعلام باعتباره بابا للديمقراطية.فعلاقته باﻹعلام كانت أقرب إلى صورة العلاقة بين القلم والقمع والمقاضاة والمتابعات، بهدف تكميم اﻷفواه.عهد كان محكوما بعدد من التجاوزات التقليدية التي لم تخدم المنظومة اﻷمنية ، وﻻالوجه الحقوقي لبلادنا.إذ بمبادرة من هذا القبيل، تسجل المديرية العامة للأمن الوطني مصالحة مع اﻹعلام ومع كل اﻷصوات واﻷقلام الحرة التي كانت صيحاتها تروم اﻹهتمام بالدور الريادي للمؤسسة اﻷمنية ولرجاﻻتها، وبأوضاعهم اﻹجتماعية واﻹدارية والنفسية.
وكم كان يحز في أنفسنا شيوع ثقافة الموت في أوساط رجال شرطتنا ، ونحن نراهم يسقطون تباعا في باحة جهاز تحول بفعل السخط والتذمر ، إلى مزرعة ﻹنتاج الموت تختمر فيها كل الصراعات واﻹحتقانات وتصفية الحسابات.
إنه فعل إحتجاجي له دﻻﻻت كثيرة، تحمل بين طياتها رغبة جامحة في اﻹحتجاج ورفع الصوت؛ بعد أن تم حشر الشرطي في وعاء وظيفي مشحون بالسخط والتذمر، واﻹحساس بالمهانة والمذلة.
وأمام عدم إستبصار تلك المؤشرات القوية ، طالبنا بحماية إستباقية بهدف تعطيل أزرار اختفاء رجال شرطتنا من الحياة بتلك الطريقة التراجيدية، وفك شفرة تلك المغادرة الرهيبة للحياة، في ظاهرة غريبة على الجهاز.غير أن نداءاتنا وصيحاتنا لم تجد آذانا صاغية.
إنها أماني وطموحات كل من له غيرة على الجهاز، فنحن أصحاب رأي نموت ونصلب ونحرق في سبيله.حلمنا بغد أفضل للجهاز و لرجاﻻته ، هو حلم بحجم سماء هذا الوطن؛ ذلك الجهاز الذي أكل أجمل أياما، وتلقينا فيه أولى وآخر الصفعات..وكل الصفعات.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.