رسالة من قاضي الرأي المعزول محمد الهيني بعد مغادرته مقر عمله

99
طباعة
أساتذتي زملائي زميلاتي
إن هذا اليوم من تاريخ القضاء المغربي يعد منعطفا حاسما في درب استقلالية السلطة القضائية عن السياسي ،الذي حاول يائسا قمع الآراء الحرة لمجرد الاختلاف حول سؤال الإصلاح ،ونصب نفسه عدوا لكل قضاة الرأي الشرفاء ولكل العاملين في حقل العدالة ،وخصما وحكما في محاكمات القضاة التأديبية المسرحية التي لم يشهد لها مثيل في التاريخ في الانتقام والتنكيل بهم وقطع أرزاقهم بغية إسكات وإخراس باقي القضاة عن الدفاع عن حق المواطن في قضاء مستقل ومحايد الذي أضحى رغبة كل المواطنين للتصالح مع قضائهم وتفعيل دستورهم في باب استقلال السلطة القضائية .

إن رسالة إلغاء استقلال السلطة القضائية وتثبيت أركان هيمنة وزارة العدل والتأسيس لقضاء سياسي وحزبي ، لن يكتب لها النجاح بإعدام قاض حر ومستقل ،لأن الأفكار والمبادئ لا تموت بل يموت الجلاد والظلم وفكر الإلغاء،ستبقى أحكامنا ومواقفنا المضيئة منارة للأجيال القانونية والحقوقية ،غير قابلة للمحو،لأنها وطنية وصادرة عن غيرة وضمير واستقلالية ،لم تبالي بالضغوط ولا بالتهديدات ولا بالحرمان من الترقية ولا بالقرارات التأديبية المنحرفة التي زكت الفساد وحاربت الرأي الحر .
الحمد لله أن استقلال القضاء لم يعد قضية القضاة ولا قضية القاضي الهيني بل صار مطلبا مجتمعيا غير قابل للتنازل أو التفاوض ،لأن المواطن لن يتنازل عن حاجاته الطبيعية للعدالة والقضاء القوي الذي ينزل حكم القانون على الكافة ،لأن الظلم زائل كزوال المناصب والحق ثابت ومنتصر على رمادية وقتامة الظلم والجهل ،الذي يريد تكريس تبعية القضاة للوزارة كموظفين والمحاكم كمصالح خارجية للوزارة والمجلس الأعلى للقضاء كلجنة من لجنها .
لقد دافعت باستماتة عن مواقفي واستقلاليتي ،رغم سياط الجهل والظلم ،وحملت أفكار ورسائل التغيير لفائدة الوطن والمواطن ،يكفيني فخرا حب المحيط القضائي والمهني والحقوقي وكل التيارات المدنية لي ،لأنني كنت أحسب نفسي قاضيا مواطنا أستمع لأنين المظلوم وأفك عذابات وثغرات القانون والمساطر وشكلياتها المقيتة العاصفة للحق،ولا أنظر إلا للحق والعدالة، وأحكم بضميري والقانون العادل، مدافعا عن الحقوق والحريات ،غير عابئ بمخاطر التمسك بالاستقلالية، و بأدعياء الأخلاق والقانون ،ولا بالظواهر الصوتية التي حرفت المعنى الحقيقي للقاضي وارادت جعله أجيرا وموظفا لديها،لانه أزعجها تنامي تيار القضاء المستقل.
لقد كنت يقينا أعلم أن طريق الاستقلالية شاق وصعب وأنه مليء بالأشواك ،لسيطرة العقليات اللاهوتية الحاقدة التي تعتبر نفسها الحقيقة وكل من خالفها فهو متآمر ويركب أمواج السياسة ،لكني اخترت طريقي مؤمنا بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس ،وأنه من الحق أن يقال للشيطان أنك شيطان ،لأن قضاء الوطن أقوى وأبقى واجدر بالاتباع ،لئن يعزل الهيني ،ففكره سيبقى مخلدا وسيتبعهم أينما حلوا وارتحلوا ،سيطاردهم حتى في نومهم وسكرات عزلهم .
إننا ننظر لمستقبل القضاء بالخير رغم الصعاب لوجود قضاة شرفاء من نادي قضاة المغرب ،الهينيون الجدد،الذي ناضلوا باستمالة وظلوا لأكثر من اربع سنوات، وهم يقولون كلمة رجل واحد،”مشاريع “السلطة القضائية “غير دستورية وستبقى غير دستورية ،لأن واضعها ومضمونها ليس لهما فكر دستوري وخارج التاريخ الحقوقي والديمقراطي للدولة،ومكتسباتها في مجال الحقوق والحريات ،فهي تغتال حلم المغاربة بالقضاء المستقل ،وتكرس تبعيته للإدارة ،لأنها تخشى على نفسها من تبعات ظلمها وتحقيرها للدستور والقانون والقضاء ،فسيادة القانون مرتكز أساسي لدولة الحق والقانون ،والقاضي المكبل لا يحمي حقوقا ولا يصون حريات ،لان فاقد الشيء لا يعطيه .
وأعدكم أنني سأظل صوت القضاة والحقوقيين مستمرا في النضال من أجل سلطة قضائية حقيقية وفعلية لا مكان فيها للسياسي وجبروته ،لأن الوطن وطننا جميعا ،ولن نقبل غير هذا اليوم أو غدا، وسنضحي بالغال والنفيس لمناهضة التيار التأسيسي للقضاء السياسي والحزبي على هوى ومقاس الرميد المعزول.
أشكر الجميع وأشد على أيدكم بحرارة،لأنكم أثبتم للقاصي والداني أن القاضي ملك للوطن والمواطنين ،وأن حماية استقلاله وحرية تعبيره من ركائز دولة الحق والقانون،ومن متطلبات القضاء المواطن ،لاسيما وأن تكريس الثقة في القضاء تتم من خلال مصالحته مع المجتمع كما يتم اليوم ،لأن القضاء للوطن ،والوطن للجميع،وعاشت السلطة القضائية مستقلة .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

4 تعليقات

  1. حسن البصيري يقول

    يا اشرف الشرفاء و يا مفخرة القضاء العادل.
    اثبت للعالم حبك للوطن بمواقفك الشجاعة في مواجهة الفكر الرمادي المظلم الذي ينزعج من الرأي المستقل العادل وهمه الوحيد هو إرضاء أسياده خونة الوطن و ناهبو ثرواته. تحية تقدير و إجلال لك يا أستاذنا محمد الهيني، ولتعلم أنك لم تعزل ولن تعزل لأن المسيرة الحقيقية بدأت الآن و نحن معك و كلنا هينيون دفاعا عن الثوابت في مواجهة الظلاميين المنافقين المتخفين وراء لحية الشيطان.

  2. خريبوش بناصر يقول

    الله معك يا بطل وجميع شرفاء هذا الوطن معك والخزي والعار لأعداء استقلال القصاء
    لا إيمان لمن يخلط الدين بالسياسة
    الدين برئ من هؤلاء الذئاب

  3. Sliman يقول

    ماذا لو احتفلنا بيوم عزل القاضي العادل محمد الهيني عيدا واطنيا قضائيا !؟
    ماذا لوجعلنا من عزله محطة تاريخية تتوقف عندها الاجيال القادمة من القضاة والحقوقيين والمظلومين، بل و حتى الظالمين للعبرة ورد الإعتبار!؟
    ماذا لو لم أو لن نجد بعد هذا القاضي العادل من ينصف مظلومينا!؟ ثم ماذا لو لم نلف من يذكرنا بعده بمساواتنا أمام القضاء والقانون!؟
    ماذا لو انقرضت هذه الأصناف النبيلة، و بتنا بين أنياب ماصاصي الدماء من بعض أشباه القضاة الذين لا يهمهم سوى تسمين أرصدتهم البنكية بالمال الحرام و خدمة مصالحهم الشخصية!؟ والله لن نندم على سي محمد الهيني وأمثاله النزهاء، إلا عندما يصير ندمنا أضخم من أن يرثى له، وأفجع من أن يشيع إلى مثواه الأخير.
    لسنا بحاجة لمن يخبرنا عنك، أيها القاضي العادل؛ يا عياض زمانك، أو عن ٱجتهاداتك ومبادئك، أو عدلك وإنصافك، أو جرأتك و رجوولتك، أو إنسانيتك و مروءتك. فمن سجل موقفا نبيلا سجل له، ومن سجن هكذا موقف، سجل حتما في مزبلة التاريخ.
    ماذا أيها المغاربة البسطاء، لو طلبنا من الدولة أن تنصف أبناء الشعب على الأقل قضائيا!؟ أو طلبنا من سعادة الدولة و معالي البلد، أن يساووا بيننا أمام القانون، و أن يحترموا الدستور!؟
    ومن جهة أخرى، ماذا لو لم يكن هناك منابر إعلامية حرة لوضعنا في الصورة!؟ أشد بحرارة على موقع بديل؛ وعلى الخصوص، أخي وصديقي، الصحافي المتألق، مؤسس فضح الفساد، حميد المهدوي على إنقاذ أشرف القضاة من طي التعتيم الإعلامي الرسمي. وأقف اعترافا و تقديرا على سباحتهم الشاقة ضد تيار الفساد المستشري في جل مناحي المملكة.
    يا أحرار الوطن، لن أقول أجمل مما قاله القاضي النزيه محمد الهيني” نريد مصالحة مؤسسة القضاء مع المواطنين.. فالقاضي ملك للوطن والمواطنين، وليس ملكا لوزير” ولن أسرد أبلغ مما قاله حميد من أنها “ليست معركة القاضي الهيني ضد الرميد، بل هي معركة وجودية بين تيار إصلاحي عادل، و تيار رجعي محافظ” بين دولة ديموقراطية حديثة، ومخزن عتيق عميق يتحكم في جل دواليب الدولة.
    أليس من حق أبناء الشعب أن يكونوا مواطني أبناء ماما و بابا الألبة!؟
    سئمنا وتطيرنا من منطق التفاضل بين “المواطنين” على أساس الإسم العائلي.مللنا من ٱستئثار أسماء نفسها بخيرات البلاد ومراكز القرار.
    ماذا جنى أجدادنا وآباؤنا وحتى نحن، و لربما أبناؤنا، من تضحياتهم من أجل الوطن!!!؟ (ملفاتنا كثيرة في هذا الباب؛ من أرامل زوجات شهداء الوطن الذين رابطوا على الحدود حماية للبلاد والعباد والشجر والحجر، لذلك لا مزايدة علينا في هذا الصدد.
    أليس القضاة هم القيمون على العدل!؟ أوليس العدل أساس الملك!؟
    نرجوا أن يعيد ساعي البريد المحترم رسالة الرميد للسيد الهيني، التي يبلغه فيها أيه معزول، على عقبيها، بدعوى عدم الإختصاص
    ولا نظن أن الملك سيعزل قاضيا نزيها كالهيني، الذي مثل الملك أحسن تمثيل، وشرفه أيما تشريف
    وأي قضية أشد إلحاحا ومصيرية من أن يهان، ويقتل معنويا، ممثل الملك في المحاكم، على يد متآمرين سياسويين مسترزقين عابرين
    أيكون ولاء القضاة لسياسيين عابرين!! أم للملك الذي يصدرون الأحكام بإسمه!؟…

    أسئلة وبضع تأملات، تأتينا ونأبى إلا أن نفكر بصوت مرتفع، حتى لا يظن أحد أننا يضمر ما لا نعلن، أو نظن آخر أننا شياطين خرس.
    سليمان العماري

  4. السعيد يقول

    كمواطن عادي لا يسعني إلا أن أشكرك على مواقفك الثابتة والداعية إلى استقلال القضاء، ولا يهمك أيها القاضي الفاضل كيد الأعداد و على رأسهم وزير ما تيقى من الحريات فالله يمهل ولا يهمل ولك يوم يا ظالم… مرة أخرى شكرا لك وثق أن قلبي معك يدعو الله أن يعوضك مهنتك التي اغتصبوها منك بأحسن منها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.