رسالة لزملائي القضاة بمناسبة انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية

27

زميلاتي زملائي

إنكم مقبلون على انتخاب ممثليكم بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية لأول مرة بنفس دستور 2011 ،أعرف أن أغلبكم غير راض عن إشراف وزارة العدل على هذه الانتخابات بحكم رئاسة وزيرها فعليا للمجلس الأعلى للقضاء ،لأنها أرادت حتى في خضم ولادة قيصرية لهذا المولود الذي طالما حلمنا به ،أن تكون لها موطأ قدم ،لتعكر صفو الاحتفاء والتأسيس الفعلي له تنزيلا للوثيقة الدستورية،لكن مع كل ذلك فإن تضحياتكم قادرة على معاكسة اختياراتها بانتخاب من ترونه مؤهلا لتمثليكم حقا وصدقا ،إن صوتكم أمانة لنضالاتكم وقوة مبادئكم وتعزيزا لاستقلاليتكم وصونا لاستقلالية مؤسستكم الدستورية التي يجب أن تعبر عن اختياركم الحر والنزيه وصوتكم المسؤول .
من هذا المنطلق فإني أعلم أنكم تقدرون المسؤولية حق قدرها ،وتعرفون بعمق من أخلص النضال وكان وفيا للرسالة،متمسكا باستقلالية القضاء عن هوى وزارة العدل ،مدافعا عن قوانين ضامنة مؤسسة للسلطة القضائية ،حاضرا في جميع المحطات النضالية ،متفانيا في الذود عن حرمة القضاء وتخليقه ،مناهضا لتبعيته ،مكرسا وقته للدفاع عن الحقوق والحريات منفتحا على المحيط القانوني والقضائي،مناصرا لحرية تعبير القضاة وحقهم في التنظيم ، مؤمنا أن القاضي كائنا حقوقيا مواطنا في أحكامه واجتهاداته ومواقفه،مشيعا ثقافة التضامن والإخاء وسط الجهاز القضائي .
ولا أحتاج لأذكركم ،وأنتم خير العارفين ،بمن كان صوت الوزارة وأبواقها ،وسوطها ،لا يتحرك إلا بتعليماتها،حاضا على الفرقة والشقاق ،مناصرا لتبعية القضاء لها،عدوا لاستقلالية القضاء ،وخصما للقضاة المدافعين عن استقلالية القضاء،نصب لهم العداء جهارا نهارا، من أيد عزلهم صراحة أو ضمنا ،بدون أخلاق أو ضمير ،من ذاكرته قصيرة،ويركب كل مرة نظارات باختلاف المناسبة ،لا ييأس ولا يقنط ولا يمل من النظر لنفسه أو لزملائه بدون خجل ،لا يعرف للحياء ولا للشهامة والشجاعة والشرف عنوان .
في انتخاباتكم ننتظر صدق القول والفعل بربط النضال بأمانة الصوت ،لأن تعبيركم ورأيكم من يعيد للقضاة اعتبارهم وللقضاء هيبته ،واحترام رسالة الحقوقية في الدفاع عن الحقوق والحريات ،وصون حقوق القضاة في تدبير وضعيتهم وحكامتها ،حتى لا يظلم قاض عن مجرد رأيه ولا ينتقم منه بسبب انتمائه الجمعوي أو يشتط في حقه بدون حسيب ولا رقيب ولا ينال المسؤولية أو الترقية من لا يستحقها ولا يحرم منها من هو أولى بها خلقا وكفاءة لا قرابة ولا موالاة ولا توددا وتعظيما للوزير وحاشيته .
أعرف أن هناك من قد تسول له نفسه المس بنزاهة الانتخابات ومصداقيتها وبالاختيار الحر والنزيه والمسؤول للقضاة ،من خلال مختلف أصناف الحملات الانتخابية التي عفا عنها الزمن والتي يجمع فيها بعض القضاة مثل ما تجمع الدكاكين الانتخابية وما يرافقها من ولائم ووعود كاذبة بأموال ووسائل مشكوك فيها وسائبة،وبنزوع ومصالح أنانية ضيقة لا تليق بمؤسسة القضاء ولا برسالته ،فمن واجبكم فضح كل هذه الممارسات وغيرها من وسائل التوجيه والتأثير غير المشروع المناف لنزاهة الانتخاب سواء صدرت من وزارة العدل أو أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أو المسؤولين القضائيين أو المرشحين أو الناخبين .
إن الانتخابات ليست غاية بل وسيلة لتدبير سلطة من سلطات الدولة ،وهي السلطة القضائية ،فلا يليق بها ولا بأعضائها ما يخدش فيها ويمس بها ،فالوعود هي خدمة مصالح قضاء وقضاة الوطن بمعايير الكفاءة والاستحقاق وليس ترضيات ومنافع شخصية بترقيات ومسؤوليات وتأديبات هنا أو هناك عانينا منا طيلة عقود حتى كدنا أن نحبس المصالح والوظائف والمسؤوليات عليهم أو نكتبها بإسمهم .
إن طموحنا لا حد له في الاختيار الصحيح والسليم والمنسجم مع قناعات الاخيار منكم ،لأنكم لن تقبلوا أن تظلموا أنفسكم وزميلاتكم وزملائكم بأي اختيار لا قدر لها يتنافى مع تضحياتنا ونضالاتنا المقدرة ،فأكيد ستختارون أجود الطاقات القضائية وأقدرها على الالتزام بالمبادئ والوفاء لقسم القضاء ولرفعته وتقدمه ،دون مجاملة،بشجاعة ومسؤولية وضمير وأخلاق قضائية رفيعة .
إننا نريد مجلسا أعلى للسلطة القضائية بنفحات حقوقية وديمقراطية وفق آليات الحكامة الجيدة ،ينتصر للقانون ولمبادئ استقلال السلطة القضائية المكرسة دستوريا ودوليا ،ويدافع عن تخليق مرفق القضاء من الفاسدين والمفسدين ،ويبتعد عن التصورات الرجعية المكرسة للتحفظ ،ويقطع مع العقليات الماضوية المغرقة في التقليدانية ، التي تنظر إلى القضاة كموظفين ، وفي الحقوق والحريات ترفا، وفي التحكم منهجا وطريقا.
إن الامر يتجاوز علاقات الصداقة والزمالة القضائية ،لأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريف ،رجائي أن تصوتوا على من لن يبيعنا الوهم ،فلنصوت على الأفعال التي عايناها وليس على النوايا التي لا نعلمها،على القادر على إيصال صوته بنزاهة وشجاعة وكفاءة ،وليس على من اختار فيما مضى أو سيختار منهج الانطوائية والانعزالية سبيلا له ،من لا يقدر على تناول الكلمة دون استئذان مسبق،من يؤمن أن دوره تقديم الشهادة على ما يدور لا المساهمة في صنع التاريخ القضائي

أعلم أن عدد المترشحين وصل حدا لا يطاق ،وأن البعض أخطأ في اعتبار المجلس الأعلى للسلطة القضائية غاية وليس وسيلة ،لان النضال ليس هو نضال الترشح بل نضال تقديم الحصيلة السابقة لسنوات الحراك القضائي ،فالأمر يتعلق بنتيجة وليس بمحاولة نضالية ،ويمكن لأي شخص أن يميز الحسن من المرشحين عن الأحسن والأفضل،من كان يعمل ويجتهد لسنوات خلت ومن كان خلف الستار أو خلف الحاسوب .
إنكم في مرحلة تاريخية حاسمة ،ارجوكم أن تحسنوا الاختيار ،ودعموا من يستحق وتجنبوا بآلاف الأميال من لا يستحق ،فلن أحتاج أن أذكر الأسماء ،لأن لكل اسم دالة عليه ،فالوسط القضائي يعج بالأخيار ،فتحية نضالية قضائية لكم يا أشرف الناس، يا من يشدني الحنين إليهم ،ويقربني فؤادي منهم،ويشتاق لرؤيتهم ،ويفرح لفرحهم ويقرح لقرحهم ،فطوبى لكم أيها الاخيار ،يا من يسعون لإسعاد الناس قبل إسعاد أنفسهم ،يا من ينتصرون للمظلوم ويكبحون جماح الظالم ،فاكبحوا جماح من لا يستحق،قبل أن يعزلوكم فرادى أو جماعات بدون ضمانات أو يعتبرونكم حمقى في احسن الاحوال
زميلاتي زملائي ،إن صوتكم أمانة ،وقراركم قرار قضاء الوطن والمواطنين،فتلك ضمانتنا وقوتنا .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

7 تعليقات

  1. مشاهد يقول

    أني استحيي لأنني لم اقدر الا على كتابت هده الكلمات البسيطة قرب ما قدمتم من تضحيا ت لهدا الشعب . انني استبشر خيرا مدام الشعب يولد رجالا امثالكم. لو كنت مكان بن كيران لرشحتكم لوزارة العدل وليس مستشار القظاء فقط . القاضي محدود بالقوانين . انني انصح اخي الهيني بترك القضاء والعمل في السياسة. الدخول من بابها الا وسع بولادة حزب جديد من شعب الى الشعب دون استثناء او إقصاء . المغرب الحمد الله غني برجاله على مر التاريخ القريب والبعيد.امثالك وأمثال الحدوي والجامعي الخ . وفقكم الله لخدمة الشعب.

  2. سمير يقول

    أولا أقدر فيك استاذ الروح الوطنية والانحياز للشعب لأنك إبن بار على عكس كثير من ” المساخيط” الذين يتنكرون للمحيط الذي أتوا منه. ثانيا أنا لست في الموقع الذي اذكرك أنك أشرت إلى الجهة الخاطئة التي تعتبرها مربط الفرس في فساد وزارة العدل. يا سيدي الفاضل أنت أعلم قبل غيرك أن الرميد مجرد كراكوز يتلقى التعليمات لكسب الدريهمات. المفروض أن تشير إلى من يصدر له التعليمات أم محاضرات القانون الدستوري والقانون الإداري والمساطر التي تشير إلى ظاهر النص ولا تشير إلى التأثير بقطع الأرزاق بالتعليمات هي مصدر الغبش؟ على أي حال قلوبنا معك

  3. نبيل يقول

    أنت هو القاضي العادل يادكتور الهيني
    أما ما ناديت به و وصيت به لقضاة المغرب
    اجملهم خلقا شيطان اخرص …لأنهم ساكتين عن الحق ..
    الهيني معك الحق ،معك الله
    أحبك في الله

  4. كلامي قاصح لكن صح يقول

    السلام عليكم قرات المقال ضننته يتكلم على قضاة اوروبا وامريكا من كترت التملقات والشكر فيهم هل انت من هدا البلد القضاء معروف عليه في بلدنا بزيادة الفقر وعدم اعطاء الحقوق والرشوة والزبونية ………وكل المغاربة يعرفون هدا نتمنا ان يتغرك لكن لم يتغير لحد اليوم النزهاء في القضاء او النيابة العامة يحسبون على الصوابع والمثل المغربي يقول حوتات كيخنزو الشواري اسيي

  5. محمد ناجي يقول

    أتساءل عن سبب عدم نشر تعليق على هذه الرسالة، يزكي مضمونها دون أن يسئ لأحد ؟؟

  6. السعيد يقول

    أرجو ألا يكون نداؤك مجرد صيحة في واد . فالقضاة هم النخبة التي يعول عليها لإيقاف استبداد المستبد و ظلم الظالم ، ولعل قوتهم من قوة هيئاتهم .كما أرجو ألا تنطبق عليهم حكاية الأسد والثيران الثلاثة في مؤلف كليلة ودمنة فيؤكلون كما أكل الثورين الأبيض والأسود في القصة.
    تحية صادقة لك الأستاذ الفاضل محمد الهيني من مواطن بسيط تعرف عليك وعلى قضيتك من خلال موقع بديل ، وأشد على يدك بحرارة لأنك ضحيت بكل شيء في سبيل قناعاتك في زمن التهافت على المناصب والكراسي . وختاما الويل لأمة تتخلى عن رجالها الأفذاذ وتتمسك بالانتهازيين والوصوليين الذين لا غرو سيتخلون عنها في أول منعرج.

  7. محمد ناجي يقول

    التصويت على قاض فاسد ، هو مشاركة ضمنية في الجريمة ..
    والتصويت على قاض يُـظَـن فيه أنه سينحاز لصالح القضاة المشتكى بهم بتهمة الفساد أو التحيز أو الرشوة ؛ هو دليل مادي على أن صاحب ذلك الصوت يتوقع أن يكون يوما ما هو ذلك القاضي الفاسد المشتكى به..
    ومن ثم فصوتك هو صورتك ، ومرآة عاكسة لشخصيتك وطويتك ؛
    صوتوا إذن لصالح العدالة، وليس لفائدة الزمالة ..
    صوتك كلمة تخطها بقلمك لخدمة المصلحة العامة، أو لتكريس الفساد المستشري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.