رسائل قصيرة إلى المغاربة

86

الوطنية هي الانتماء إلى وطن والعمل من أجله، واعتباره مِلكا لكل من فيه من أبنائه بغض النظر عن لونهم أو عقيدتهم أو عرقهم أو نسبهم العائلي أو لغتهم، وكل من حاول اختزال الوطن في عنصر واحد من هذه العناصر، إنما يسعى إلى سرقة الوطن وتحويله إلى منطقة مسيّجة لحفظ امتيازاته على حساب غيره.

*********
يتنافس الزعماء السياسيون المغاربة على القرب من الملك، لكنهم لا يتحلون بالجرأة الكافية لمطالبته بإلغاء الانتخابات لانعدام الحاجة إليها. يتعلق الأمر هنا بمقدار تآكل المصداقية، فرأسمال الزعيم السياسي إنما هو في قدرته على إقناع الناس بوجود أمل، بينما يعمل هؤلاء باستمرار على تذكيرنا بأنهم لا يتوفرون على أية حلول لمشاكلنا.

*********

يبذل إخواننا الإسلاميون الكثير من وقتهم ليثبتوا لنا بأننا سندخل النار، بينما لو كانوا أذكياء لأنفقوا ذلك الوقت في السعي هم أنفسهم إلى دخول الجنة، أو جعلنا نرى بعضا من علاماتها في الدنيا، هكذا سيُحلّ المشكل من أساسه، لأن ما يحتاج إليه الناس هو العمل الصالح والاحترام المتبادل، وليس أن يكونوا جميعا على شاكلة واحدة.

*********
إذا كانت السماء لا تتسع للشياطين والملائكة، ففي المجتمع العصري مكان للجميع، شرط احترام قيم ومبادئ الديمقراطية كما هي متعارف عليها في العالم، والنظر إلى الآخر على أنه ليس شرا بل صيغة أخرى لوجود الذات نفسها، وربما الصيغة الأكثر تعبيرا عما ينقص الذات.

*********
أليس غريبا أن الأسئلة الأكثر إثارة للقلق، لا يستطيع الإنسان الإجابة عنها بعقل موضوعي وخطاب مباشر، لما تثيره من حزازات، وتحدثه من صراعات وفتن في المجتمعات الإسلامية التي تعاني من تأخر تاريخي يتخذ طابعا مأساويا. تبعا لهذا فهم كثير من ذوي الطموح بأن أسهل الطرق لصناعة التاريخ هي توفير القوة اللازمة لجعل أحوال المخيال والعاطفة واقعا مفروضا على ذوي العقول الكبيرة، وهو أمر كانت له دائما أفدح العواقب على الإنسانية.

*********
الحقوقي هو الذي يسعى إلى تحرير الناس من العبودية، ولهذا يناصبه العداء أولائك الذين من فرط تعوّدهم على القيود وتقاليد المذلة، يجدون فكرة الحرية مستعصية على مداركهم، لكن الغريب أن هؤلاء حتى عندما ينتهي بهم الأمر إلى التحرّر، لا يشعرون بالجميل تجاه الحقوقيين، لأنهم يعتقدون أن كل أوضاعهم إنما هي قضاء وقدر.

*********

ليس بالأمر الصعب ولا المستحيل أن يحظى المرء بثقة الناس، إذ يكفي القليل من الجهد في الاتجاه الصحيح لتحقيق ذلك، لكن الصعب هو الحفاظ على ثقة الناس في السياسة، حيث يضطر الزعماء إلى أن يتحولوا إلى صناديق سوداء للسلطة، فتصبح الحقائق أسرارا يخفونها حتى عن أتباعهم، تماما كما الورقة الأخيرة للمقامر.

*********

منذ 2500 سنة اعتبر الفلاسفة بأن تهييج العامة وتحريض الجمهور باستعمال الخطابة أمر مضاد للعقل، لأنه يحرك الغرائز ويعطل ملكات التفكير السليم، مما جعلهم يعتبرونه وبالا على الإنسانية، إذ تكون له آثار مدمرة على وضعية الإنسان والمجتمع والدولة. وقد تتابعت القرون الطويلة لتؤكد يوما عن يوم هذه الحقيقة، حيث تجد وراء كل مذبحة خطيب، وخلف كل كارثة تلحق بالبشرية زعيم مفوّه.

في زمن التحريض هذا، الذي يتسابق فيه الزعماء إلى منصة الشعبوية، تصبح السياسة هي أن تعرف كيف تنهش خصمك باستعمال مبضع الكلام القاسي، قد يبدو هذا أمرا مسليا للبعض، لكنه يقع في وطن ما زال يعيش الهشاشة في كل شيء.

*********

قد تكون فورة التعصب الديني الأعمى فاتحة عهد جديد يهتدي فيه الناس إلى أساليب جديدة في تدبير فنّ العيش المشترك، لكن لن تكون أبدا عودة إلى مظالم التاريخ السابقة، لأن إنسان الحضارة لا يُلدغ من الجُحر مرّتين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

11 تعليقات

  1. kHAOUNA MOHAMED يقول

    عن علاقة الحرية بالوعي،( باروخ سبينوزا) يرى أن الناس يتوهمون أنهم أحرار بمجرد ما يعون أفعالهم لكنهم في الحقيقة يجهلون الأسباب المتحكمة فيهم. وهذا قد يعني أن هناك في الطبيعة الإنسانية مستويات عميقة وخفية لا يتمكن العقل والوعي من معرفتها والتحكم فيها، وهو ما أكدت كشوف علم النفس التحليلي مع فرويد فيما بعد. وقد يكون هذا دليل على نفي حرية الإنسان أو على الأقل القول بنسبيتها.

  2. مختار يقول

    ياريت كل المغاربةيفهمون العربية والاسلوب التفافي الذي تكتب به يا إستاد لكن الآخرين الدين تقصد تدريسهم يفهمونه ولكن لا يرون بأنك تكتب لصالح الجميع
    وسآتي يوما سيقولون الكافرون ياليتنا كنّا عصيد وشكرا يا احمد يا شجاع يا بطل

  3. khalid يقول

    الامازيغ محكورين بزاف كنا نعيش بسلام في زمن القبائل و شيوخ القبائل دابا مقدمين و قياد عرب حاضيينا الشكوى لله كيف نبدع كيف نفكر كيف نجتمع كيف نعمل بحرية و دون رقابة وفوقنا سقف من الفضلات

  4. Premier citoyen يقول

    كلام جميل ، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار كائنتنا بالسياسيين. إنهم فقط سماسرة المناصب ، أو بالاحرى كلاب ضالة ليست لذيها أي قواعد. السياسة علم، فمن أي جامعة تخرج من نسميهم بالسياسيين. افضلهم يحضر للدكتوراه و هو غير حاصل على الباكلوريا.

  5. أجاشوح يقول

    أستاذ أحمد لقد كفيت ووفيت ، بالفعل لقد عاش المغاربة منذ القدم أمازيغ ويهود وأفارقة من السودان الأفريقي ثم العرب بجميع أطيافهم وألوانهم ، وقد كانت للمغرب هيبة يعرفها القاصي قبل الداني ، هيبة كلما أوشكت على الضعف إلا وتجددت جذوتها بفعل قوة (ذاك) الشعب القوي بتعدد ألوانه وألسنته وأطيافه . لكن على ما يبدو أنه قد خلف من بعد أولائك خلف يسعون كما ذكرتم لإختزال الوطن وجعله يسع فئة معينة فقط على حد من يسعى لجعل الجنة تسع عددا محدودا من البشر مع أن الله سبحانه وتعالى قد أشار الى عرضها مقياس السماوات والأرض ، فكيف سيكون طولها ? قوم عدوهم اللذوذ هو الآخر المختلف يعيشون على تراب المغرب يأكلون من خيراته ويشربون من مياهه ويتنفسون هواءه لكنهم يفكرون من أماكن أخرى تبعا للبوصلات التي ولدت معهم . لديهم حل واحد لتحقيق أوهامهم وهو أن يستنسخوا عنصرا منهم على طريقة النعجة دولي .

  6. بكري سعيد يقول

    مادامت الوطنية لنا والوطن لهم فلا يرجى خيرا.

  7. nbv يقول

    اخيرنا اتفهنا ياويلتاه

  8. Lamzabi يقول

    أندر عشيرتك اأولا و سينجح الأمر
    بقيتي فيا و لم اجرؤ على التوضيح
    الله يعفو

  9. wadi يقول

    السياسيون في البلد لا يتقربون من الملك بل من قصعته السمينة ولو وجدوا الغفلة لتركوا صاحب القصعة على الحديدة كما يقال
    اذا كان خالك الكون حدد مواقع الملائكة والشياطين والبشر فذلك حسب الصلاحية وهو الموجد للخلق ..فكيف تاتي انت لتجمع الصالح والطالحة في سله واحدة وسلتك لا تتسع لجمع قوت يومك؟؟؟؟؟

  10. Messages precieux يقول

    Azul fellawoun Imazighn ! Assuguass Amayno ! Bonne et heureuse Annee’ 2017 – pour tous les marocains ;dignte’ ,prosperite’ ,respect de la vie de la nature -dans un climat de tolerance et de justice sans exception ,sans distinction !
    Tanemmirt ! eminent professeur Asside ! Merci !- toujours a l avant garde pour militer pour un Maroc prospere Etat de droit et de justice

  11. mourad يقول

    كلام بليغ وعميق، شكرا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.