ديبلوماسية موازية .. أم تقاطع للمصالح

77

صرح الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط أمام المجلس العام لنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب التابعة للحزب يوم السبت 24 دجنبر 2016، في سياق حديثه عن تاريخ المغرب والحركة الوطنية إبان مرحلة الاستقلال، أن هناك مجموعة من الأراضي تعتبر مغربية، منها سبتة ومليلية و كولومب بشار والقنادسة وتندوف مضيفا هذه المرة الأراضي الموريتانية معتبرا إياها أراضي مغربية.
وحري بالذكر أن الأمين العام معروف بخرجاته الاعلامية وتصريحاته الغريبة، حيث لا يتوانى في كل مناسبة بالإشارة إلى بعض مطالب الحزب التاريخية كالحديث مثلا عن الحدود المغربية التي “تمتد من سبتة إلى نهر السنيغال” ، مطالبا بمراجعة المؤرخين واستقراء التاريخ حول هذه المسألة، حيث أنه بهذا الفهم سنتساءل عن الحدود الشمالية مع الجارة الإسبانية حول الأندلس والدول على الحدود الشرقية وصولا إلى السودان.
والمتتبع لتصريحات بعض الأمناء العامين ومن بينهم حميد شباط وعبد الإله بنكيران مثلا يجدها لا تخلوا من عبثية وشعبوية كما لا تراعي السياق العام ومكانة ومناصب الهيئة والمؤسسة التي ينتمون إليها ونشير مثلا إلى تصريح عبد الإله بن كيران حول التدخل الروسي في سوريا وما أثاره من ردود سلبية من طرف روسيا ما فرض ضرورة تدخل وزارة الشؤون الخارجية التعاون لتهدئة الأمور وتصحيح المسار.
إن مثل هذه التصريحات والتصرفات التي تصدر عن قيادات حزبية تطرح تساؤلات حول مهمة الأحزاب السياسية كما نص عليها دستور 2011 وكذا قانون الأحزاب وعن آليات الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب السياسية الحزبية ودور الشباب، فهذه المهمات تقتضي من الأحزاب تكوين نخبة سياسية وأكاديمية وقانونية وديبلوماسية تكون قادرة على فهم المعطيات والأحداث الداخلية وكذا بلورة مواقف تنسجم مع التموقع الدولي والإقليمي للدولة واستراتيجياتها في رسم سياساتها الخارجية وتكون داعمة لها في إطار استمرارية والتزامات المملكة تجاه القضايا الدولية، من جهة وتمتين الجبهة الداخلية حول مختلف ثوابت الأمة من جهة ثانية.
إن الأمين العام لحزب سياسي ليس مجرد شخص عادي أو منخرط أو متعاطف حزبي يصرح بتصريحات عابرة وعابثة تعبر عن رأيه الشخصي وما إلى ذلك، بل يعتبر هو الممثل القانوني والسياسي للحزب في جميع تفاعلات الحياة السياسية الحزبية وبالتالي فتصريحاته لا يمكن أن تكون عبثية أو عفوية بل تكون وراءها مواقف سياسية تعبر عن المواقف والبرامج السياسية للحزب، وكذا الدفاع عن مصالح الفئة الاجتماعية التي يمثلها داخل المؤسسات التمثيلية.
هذا بالإضافة إلى الدور الهام الذي تلعبه الأحزاب السياسية في ممارسة الديلوماسية الموازية من خلال استغلالها لعلاقاتها مع باقي الأحزاب الأجنبية خصوصا تلك التي تتقاسم معها مواقف ذات طابع أممي، وفي تقريب وجهات النظر مع أطراف خارجية في إطار غير رسمي يكون هدفها دعم قضايا المملكة في الخارج والتصدي لكل المخططات التي تستهدف أمن واستقرار ووحدة المغرب، إلا أن بعض الممارسات والتصريحات التي تدلي بها قيادات حزبية تعمل على عرقلة العمل الديبلوماسي المملكة بل وتجعله في موقف حرج، كحالتي موريتانيا وروسيا نموذجا.
إن المتتبع لتاريخ العلاقات الدولية خصوصا للأحداث والتوترات التي نشأت بين الدول والمنظمات الدولية يجدها تبتدئ بتصريحات ومواقف كان لها تأثير سلبي على طبيعة العلاقات بين الدول وهو ما أدى في بعضها إلى تطورات سلبية بدأت بتصريحات لفظية وانتهت بنشوب نزاعات مسلحة لا سيما في مناطق وبؤر التوتر، ما يجعل ضبط المصطلحات والجمل للقيادات تلعب دورا كبيرا في تقليص وتبديد هذه التوترات التي قد تؤدي إلى تهديد السلم والأمن على المستويين الإقليمي والدولي مستقبلا.
إن استغلال الديبلوماسية الموازية في إحراج الدولة ومؤسساتها مع شركائها وجيرانها واستعمالها كورقة ضغط من أجل تحصين مكاسب سياسية داخلية وكراسي حكومية لا يعبر عن نضج ووعي سياسيين لهيئات سياسية وتاريخية كحزب الاستقلال وقياداته التي انجرفت نحو المناصب الوزارية واعتبرتها مكسبا سياسيا على حساب قضايا ومصالح عليا للوطن، ما يجعلها تضرب عرض الحائط تاريخها وتضحيات شهداء الحركة الوطنية والشعب المغربي.

* دكتور في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.