إن المتأمل للمقال الذي نشره الصحفي سليمان الريسوني رئيس تحرير موقع الاول تحت عنوان " إلياس في متاهته " و الذي نشر في موقع " اليوم 24 " بتاريخ 23 ــ 12 ــ 2016 ، سيسجل حتما مايلي :
• التحامل الغير المبرر على اطارات مدنية و حقوقية :" مؤسسة الشهيد ايت الجيد بنعيسى للحياة و مناهضة العنف و الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف و الارهاب " .
• الاستهداف الرخيص لرجل وطني و لمناضل صادق هو القاضي المعزول الدكتور محمد الهيني.
لاغرو أن المتتبع للمشهد الاعلامي المغربي سوف يجد أن السمة الغالبة عليه هي أن أهم المنابر الاعلامية المؤثرة قد استباحث نبل الرسالة الصحفية و قدسيتها و طهارتها ، و أساؤوا لها بأقلامهم التي تحاك على مقاس أولياء نعمتهم ، من دون اعتبار للضمير المهني ، إنها بكل بساطة صحافة مبتذلة ، متسلقة مثل شجرة اللبلاب أو النباتات الطفيلية ،إنها صحافة تسعى لتحويل الصحافة من حقل ثقافي توعوي معرفي إلى مكسب تجاري و كسب مادي سريع .
فقد ساهمت "صاحبة الجلالة" أو "السلطة الرابعة" أو "مهنة المتاعب "عبر التاريخ في التأثير على مختلف التفاعلات المعرفية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وكان لها دورا حاسما في العديد من التحولات التي عرفها العالم و في العديد من التطورات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها المجتمعات الحديثة ، فالمحك الحقيقي لأية صحافة جادة هو أن تحرص على تبادل المعرفة و الرأي دون ترهيب ،و أن تعمل على احترام المعايير المهنية المتعارف عليها ، من قبيل الالتزام بالنقد الموضوعي و الامتناع عن شخصنة القضايا العامة أو التدني إلى المواقع المتهالكة لترويج الشائعات و ممارسة الاغتيال المعنوي .
لا يكتمل النقاش في هذه المقدمة إلا بالتصريح جهرا ان صاحب المقال قد اختار منذ البدايات الاولى للموقع الاصطفاف العلني و الصريح خلف حزب العدالة و التنمية ، في تبادل بليد للأدوار بينه من جهة و بين صاحب العشرون كذبة من جهة ثانية ، و تبادل النشر ايضا في علاقة زواج متعة غير متكافئة بينهما ، فعند وضع الخط التحريري للموقع أو" مقالات " رئيس تحريره على مشرحة البحث و التحليل، سيتبدى جليا أن دوره قد حدد في مهاجمة خصوم الحزب و خاصة حزب الاصالة و المعاصرة .
و بالعودة إلى المقال ، أجدني مضطرا للتفاعل مع جملة من النقاط التي أعتبر نفسي معنيا بها اعتبارا لإنتمائي للإطاريين الذين حددهما بالاسم و المشار إليهما اعلاه ، و بحكم ارتباطي الانساني و النضالي المباشر بالقاضي الشريف و العفيف الدكتور محمد الهيني :
• نجد أن صاحب المقال الذي تربى و ترعرع " في تربة اليسار " ، ينطلق من الرؤية الشرعية لأولياء نعمته التي تستبطن منهجا يعتمد في تصنيف الفاعلين ( السياسيين، الحقوقيين ....) و الانظمة و المجتمعات على قاعدة مؤمن / كافر ، مستعملا جهازا مفاهيميا لا يرق لما قدمه اليسارومعه القوى الديمقراطية و التقدمية في مواجهتهم للمشروع الظلامي ، من قبيل توظيفه على سبيل المثال : "مفهوم الثأر" ، و هنا وجب التوضيح أن إثارة فرضية ثأر ما في صراع الحداثيين والديقراطيين ضد الفاشية عموما وعصابات الاسلام السياسي يعبر فقط عن شبحية الفكر الظلامي وبؤس منظرييه وعرابيه ،على اعتبار أن عقيدة الثأر والقصاص هي أساس البيئة القبلية الوهابية لهكذا تنظيمات ، أما ما يؤطر صراع التقدميين و الحداثيين ضد تلك العصابات فانه يستند الى زخم معرفي وأخلاقي حديث ومتقدم ومرتبط أساسا بالصراع من اجل تحرير الدين من الاستغلال السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي الذي تمعن في تغييبه باستغلال أقنعتها الدينية ، وحرمان لصوص الاسلام السياسي من فرص الافلات من تبعات جرائمهم ضد الانسانية من مدابح جنوب السودان مرورا بتلك التي يقترفها اخوانهم في الله بحركة بوكو حرام وصولا الى ما ألفوا القيام به من إزهاق أرواح الابرياء والزعم بعدها أن ذلك كان بأمر من الله ، هو موقف مبيني على احترام شهداء الحرية و الكرامة و القيم الانسانية : حسن حمدان و فرج فودة و ايت الجيد محمد بنعيسى و عمر بنجلون و المعطي بوملي و شكري بلعيد ....إلخ، و الاكيد أن اللائحة لن تتوقف لأن هذه العصابات لا تتقن إلا لغة الموت و الاغتيال ، و نستحضر في هذا الصدد ما قاله الشهيد حسن حمدان / مهدي عامل " لا نظلمهم عندما نقول عنهم ظلاميون ، بل هم أكثر من ذلك فكر أحمق ناتج تحليل مقلوب لواقع مقلوب " ،
• سيلاحظ القارئ للمقال التحامل الغير المبرر و الغير المفهوم على إطاريين حقوقيين هما مؤسسة الشهيد ايت الجيد بنعيسى للحياة و مناهضة العنف و الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف و الارهاب :
 فبخصوص مؤسسة الشهيد بنعيسى للحياة و مناهضة العنف التي أسسها رفاق و أصداقاء و عائلة الشهيد و التي وضعت على عاتقها التعريف بقضيته و النضال والترافع في القضايا الجوهرية التي تؤسس لمغرب المستقبل ، تحترم فيه حقوق الانسان و تعزز فيه قيم المواطنة و الديمقراطية و التعايش ، نتساءل ما صاحب المقال ـــ و هو الذي ترعرع في الجمعية المغربية لحقوق الانسان ـــ هل تختلف مع هذه الاهداف ؟و ما هي خلفيات تهجمك المستمر على هذا الاطار ؟ ، و نتمنى في هذا المقام أن تكون له جرأة الاجابة على هذه التساؤلات ، أما بخصوص حديث صاحب المقال عن" قتل الشهيد ايت الجيد بنعيسى مرتين " فنقول له أننا متفقين معك في هذا الجواب ، لكننا نختلف في النتيجة التي وصلت اليها ، على اعتبار أن اغتيال الشهيد ايت الجيد بنعيسى للمرة الثانية رهين بمدى وصول العدالة إلى الحقيقة كل الحقيقة في جريمة اغتياله و معاقبة كل المتوطين في هذا الحادث الاليم ، و هو ما نسعى الوصول إليه ، و اذا كان صاحب المقال مصرا على نظرية الثأر فلابد انه مصر على رواية قصة ما عن أصل الثأر وضحاياه وانا ادعوه لان يقول لنا وللرأي العام مايعرفه حول جريمة اغتيال الجبناء للشهيد بنعيسى ، فقط سيكون عليه الحضور يوم الاثنين 26 دجنبر 2016 لمحكمة الاسئناف بفاس في اخر جلسات محاكمة بعض المتهمين في هذه الجريمة ــ بالمناسبة بعضهم قياديين في حزب العدالة و التنمية ـــ ويحكي لنا روايته أو شهادته . و ارتباطا بالموضوع لابد من التاكيد بأن التاريخ سيذكر طويلا استماتة تجربة سياسية طلابية ـ و الحديث هنا عن الطلبة القاعديين ــــ في الدفاع عن الهوية التقدمية والكفاحية للحركة الطلابية المغربية وهم باستماثتهم تلك اوقفوا مشروعا ظلاميا ــ سخر له ما سخر من امكانات مالية و بشريةــــ زاحفا على الدولة والمجتمع وأجبروه على الوقوف مكانه ، فالتاريخ يحدثنا عن معسكرات تدريب نهر ملوية ومخيم تارغة سنتي 1990 و 1991 ، وحضور الاخوة في الله من دول اخرى للمناصرة من أجل تحرير الجامعة من قبضة " الملحدين " و "الكفرة " ، فكانت غزوة 25 اكتوبر 1991 الشاهدة على همجية و بربرية هذه الجماعات ، فلولا صمود هؤلاء الطلبة القاعديين لكان سطوة الاسلام السياسي على مفاصل الدولة اكثر سهولة مما وقع في الجارة الجزائر .
 اما بالنسبة للجبهة الوطنية لمناهضة التطرف و الارهاب فيبدو أن طاعته العمياء لأولياء نعمته قد جعلته يتغاضى البحث عن مؤسسي هذا الاطار و اهدافه ، فهذا الاطار ساهم في تاسيسه ثلة من الارادات الحرة و القامات الكبار في حقل النضال الحقوقي من قبيل النقيب عبد السلام البقيوي و الاستاذ خالد الجامعي و الاستاذ مصطفى المانوزي و الاستاذ الحبيب حاجي و الاستاذ مولاي احمد الدريدي و القاضي الشريف محمد الهيني ....إلخ ، و الذي وضع له كاهداف إشاعة و ترسيخ قيم حقوق الانسان و التعايش و محاصرة التطرف و العنف و الكراهية ، و العمل بذلك على خلق ثقافة بديلة تستثمر غنى الثراث الانساني و تستند أساسا على المواثيق الدولية لحقوق الانسان ، و هنا نتساءل مع صاحب المقال مجددا هل تتناقض مع هذه الاهداف أم هي تكلفات الحرب بالوكالة التي تخوضها نيابة عن من يدعون سرا وعلنا أن الخبر يأتيهم من السماء ؟ .
 أما حديثك بسوء عن القاضي الشريف و العفيف الدكتور محمد الهيني رمز استقلال السلطة القضائية و الكفاءة و الإستقامة و النزاهة ، و مفخرة القضاء المغربي ، القاضي المعزول بسبب إبداء رأيه المخالف لرأي وزارة العدل في مشروع القانون التنظيمي للسلطة القضائية صاحب الأحكام القضائية الجريئة و التي من أشهرها الحكم لفائدة المعطلين في حقهم في الشغل و الحكم بمساواة المرأة مع الرجل في الإستفادة من الأراضي السلالية ،و نعتك لهذا المناضل الصادق بالمثقف المحبط ، نجيبكم أن احباط المثفقين ما هي الا حالة طبيعية في ظل هول وجسامة التردي الاجتماعي والسياسي و النكسة الحقوقية التي انتجتها سياسات حكومة عبد الاله بنكيران ، و إجهاضه لكل الامال و التطلعات في بناء وطن يضمن الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية التي رافقت دينامية حركة 20 فبراير ، فالمثقف ضمير الامة والمجتمع وفي نفس الوقت هو هدف طبيعي لقوى الغدر والظلام ، فلاعجب ان يتم يتم استهداف رجل نبيل من طينة الدكتور الهيني في أول مراحل ماتسميه حركات الهمج الظلامي بالتمكين ، ولست بالمزايد اذا توقعت وجود لوائح لمثقفين ونشطاء المطلوب تسفيرهم للدار الاخرى واستهدافهم في مصادر ارزاقهم قبل ذلك ، كما أجيبك أيضا أنني ما رأيت في هذا الرجل إلا الايمان الكبير بعدالة قضيته و إصرارا قل نظيره في كشف مؤامرة عزله و الانتصار للقانون ، و هنا اتساءل معكم و انا المتتبع و المضطلع على هذا الملف ، هل يستحق هذا الرجل الذي ضحى بمنصبه ـــ و ما يرافقه من امتيازات ـ و قوت أبناءه و أسرته من أجل مبادئه و قناعاته في ضرورة استقلال السلطة القضائية كل هذا التجني و التحامل الرخيص ؟ أم ذنبه الوحيد أن اراءه و مواقفه عرت و كشفت اسطورة الطهرانية التي طالما تغنى بها كهنة معبدك ،و بما ان التاريخ كشاف سيحدثنا ايضا عن عظيم انجازكم في التستر على من يسرق خبز الجياع باسم الله .

و ختاما أوكد لك اننا قوم نحب نساءنا ولا نفضح خلواتهم على ضفاف الشواطئ ، ونحب الحياة ماستطعنا اليها سبيلا ولا نحتاج في ذلك لشهادة احد ، واقول لك ايضا انك اضعت فرصة ثمينة في أن تصمت ، فصمت الفلسفة رخيصة لكنها تبقى احسن وارقى من احتراف البهتان .