دروس الحراك الشعبي البليغة

1٬046

مالذي يقع بمنطقة الريف ؟
تعيش منطقة الريف على ايقاع حراك شعبي غير مسبوق ، تداعت امامه كل اوهام ومزاعم الاستثناء المغربي المستدام . كما تداعت امامه كل اوهام اطروحة الاصلاح في اطار الاستمرارية التي روج لها اكثر من طرف منذ انطلاق حركة 20 فبراير والى حدود الان.
فالأمر في منطقة الريف ليس بتلك الصورة المرعبة التي يحاول المخزن تصويره بها ولا هو بتلك البساطة و التبسيط التي يحاول البعض تفسيره به بل ان الامر يتعلق تحديدا بنقطة نظام شعبية جماهيرية مجالية منفلتة عن كل قواعد الضبط والتحكم التي تعج بها تقاليد الممارسة السياسة في بلادنا ، انه حراك حامل للمعنى ومحمول على مطالب اجتماعية ، حقوقية واقتصادية لايمكن الا ان تكون محط اجماع من طرف السكان و المنسبين لهذا المجال الذي يختزن جراحات عميقة ساهمت الدولة المركزية بأسلوبها (التنموي ) الفاشل في انتاج غضبه وصرخته الحالية .
فما اللذي يخيف حقا في هذا الحراك حتى تتجند له كل الابواق في محاولة لإظهاره بمظهر الحراك الطائش و الانفصالي ؟
ان دروس الصراع من اجل الديموقراطية و العدالة الاجتماعية علمتنا تاريخيا ان معارك التغيير الحقيقة غالبا ما تواجه بأشد الاساليب ضراوة وخصوصا تلك التي تكون سلمية وتمتلك القدرة على ملامسة وجدان الجماهير واختراق قن المرور الذي يحمي البنيات التقليدية المحافظة المسؤولة على استدامة الاوضاع المختلة وتحويلها الى عناصر حاملة لرسالة ورؤية التغيير .
ان مايخيف الدولة اليوم في هذا الحراك الشعبي بالريف كما يخيف قوى المحافظة و النكوص هو انه حراك حامل للمعنى ومحفز للطاقات من حيث انه استطاع ان يوظف الراسمال الرمزي للمنطقة احسن توظيف واستطاع ان يربط حاضر المنطقة بتاريخها من جهة و ان يربط المنتسبين اليها بقيم الانتماء المشترك من خلال :
اولا : كلمة الشاب ناصر الزفزافي البليغة عشية مقتل الشهيد محسن فكري و التي اعادت الى الاذهان لحظة صراع هذا المجال بمطالبه المختلفة مع اسلوب الدولة الفج و الاقصائي في التعامل معه . فمداخلة هذا الشاب الحركي لم تكن مداخلة عادية بل انها ارتقت الى مستوى مرافعة محكمة البناء لمجال باسره في وجه مرافعة الدولة التي كان يمثلها والي الجهة وممثل النيابة العامة في الساحة الكبرى . وهو ما اعطى مشروعية ناجزة لانطلاق الحراك والالتفاف حوله بالنظر لرسمه خطوط التحرك المقبلة وقدرته على تجاوز بطء التحرك الذي تفرضه بيروقراطية قنوات اتخاذ القرار و التحرك عليه عند باقي الفاعلين كما كان لضعف مداخلة الدولة التي لم تتجاوز سقف التبرير و الوعود والتوجيه الامني الدور الحاسم في حسم ميزان المنازلة لصالح اسلوب الحراك .
ثانيا : استعانة الحراك والقيادات الشابة التي تقف خلفه بالرموز التاريخية وتوظيف خطاب المقاومة توفق في استعادة لحظات تاريخية بعينها واعادة ربط ضحايا الاحداث السيئة الذكر لسنة 1959 بتاريخ المقاومة المشرف واعادة تذكير المنتسبين للمنطقة بعنف الدولة تجاههم هذا العنف الذي كان محمولا على اعلام مغربية وهو السبب في اعتقادي وراء عدم حمل العلم المغربي فهو بالنسبة لسكان المنطقة لم يعد يمثل جميع سكان المغرب بعدما تم تهريبه من طرف المخزن وتوضيفه كرمز جامع في حرب الدولة ضد سكان منطقة الريف ، فعلم الجمهورية الذي يرفرف في كل المسيرات مثل تاريخيا رمزا للمقاومة ضد مقاربة المخزن واستعادته الان لا يعني سوى رفض تلك المقاربة المخزنية المتمركزة حول الذات والمتعالية على الجهات . ولا علاقة للأمر بالوطنية من غيرها.
ثالثا : توظيف الهوية و الثقافة الامازيغية كطاقة محركة في الحراك ساهم في تعزيز الانتماء لهذا الحراك وتبني مطالبه فالعلم الامازيغي كرمز من الرموز الهوياتية و الثقافية و اللغوية ساهم في تعميق الانتماء وعزيز تماسكه خصوصا اذا ما ساتحضرنا ان هوية المنطقة امازيغية .
فمعركة الدولة مع الحراك تدور رحاها حول الرموز لأنها في تقدير الدولة تمثل القوة الضاربة للحراك في ديناميته وتطوره ، لذالك تراها سارعت لاتهام الحراك بالانفصال وسارعت الى التركيز في حملاتها على قيادة الحراك لإظهارها بمظهر القيادة المتهورة التي تلعب بالنار مع استدعاء كل اساليب الدعاية المغرضة والرخيصة التي تحاول الربط بين الحراك و الاجندات الخارجية .
فمالذي يمكن استخلاصه من دروس الحراك ؟
ان اول درس يمكن استخلاصه هو اننا امام حراك جديد استطاع :
– توظيف الرموز و كل عناصر المشترك توظيفا جيدا سمحت له بالانتشار والتمدد السريع وسط الدواوير و المدن .
– تبني خيار السلمية واظهار القدرة على تشغيله بشكل مبدع وخلاق والتركيز على شكل الاتنظام المرن الذي تتطلبه مثل هذه الحراكات ساهم في تجاوز كل معوقات الممارسة النضالية الجماهيرية .
– اعتماد خطاب محلي محمول على مطالب اجتماعية ، حقوقية ، اقتصادية واضحة و ابتداع اليات تنسيق مناسبة ساهمت في انتشاره على مستوى الدواوير و الوحدات الحضرية و الشبه حضرية ذللت كل العقبات امام سرعة تحركه و اداءه.
– جراة الخطاب وشجاعته صنع افقا للحراك وثبت الاحساس بالانتماء واعاد نفض الغبار عن قيمة الصدق في القول و الفعل التي كادت تنقرض في التظاهرات المماثلة .
الا ان هذا لا يعفي من القول ان تبني خطاب يرفض كل التنظيمات واشكال التعبير التي تمتلك تقديرا مختلفا هو امر يجب تداركه لأنه لا يخدم ولن يخدم الحراك في شيء .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.