“خدام السلطة” لا خدام الدولة

53
طباعة
من مزايا المرحلة التي نمرّ بها أن أمورا كثيرة كان الناس لا يكترثون لها، فأصبحت مثار انتقاداتهم الشديدة وموضوع تعبيرهم عن السخط العلني وعدم الرضا، بعد أن كانوا يواجهونها بالصمت والتجاهل، رغم ما كانت تتركه في دواخلهم من مرارة، حيث كانوا يعتقدون باستحالة تغييرها. لكن روح الحراك الشعبي لـ سنة 2011، أظهرت إمكان تغيير الكثير من السلوكات السياسية أو الحدّ منها أو التقليص من أضرارها، مما يدلّ على تزايد الوعي المواطن لدى الأفراد وشعورهم بواجب الخوض في النقاش العمومي والتأثير في الرأي العام والطبقة السياسية في اتجاه التمكين لدولة القانون والمواطنة.

وإذا كان موضوع النفايات الإيطالية قد أظهر بالملموس تأثير هذا النقاش في مجريات الأحداث، فإن قضية “خدام الدولة” تعدّ أكثر أهمية لارتباطها بطبيعة النسق السياسي، حيث تظهر تفشي ثقافة الريع والمحسوبية والولاء عوض قيم المسؤولية والمحاسبة وتكافؤ الفرص وعقلانية التدبير.

لم يكن بيان وزيري الداخلية والمالية إلا عذرا أقبح من الزلة، فالقول إن مراسيم قوانين ومساطر قانونية قد احترمت في بيع البقع الأرضية المعنية للذين تم تفويتها لهم، لا يغير شيئا من طبيعة المشكل المطروح، ذلك أنه يمكن وضع قوانين غير عادلة لحماية المفسدين في النظم غير الديمقراطية، فالمشكل تحديدا هو خرق مبدأ تكافؤ الفرص، واعتماد تمييز إيجابي غير معقول ولا أخلاقي ولا قانوني لصالح موظفين سامين وذوي نفوذ، وتفويت أملاك الدولة لهم بغير ثمنها الحقيقي، الذي كان يمكن لأي طرف آخر أن يدفعه ليستفيد من ملكية تلك الأراضي طبقا للقانون. فمشكلة التفويت المذكور ليست في خرق المساطر بل في الثمن الرمزي للبيع، والذي ليس ضروريا بالنسبة لشخصيات لا تعاني من الفقر أو الهشاشة، بل تنتمي إلى الطبقة العليا في المجتمع، ويتضح مقدار الغبن الذي يشعر به الناس عندما يتذكرون الأثمنة التي تفرض على الفئات الهشة لشراء بقع أرضية صغيرة لا تتعدّى حجم زربية في منزل “خدام الدولة”، أو بيوت السكن الاجتماعي التي هي أقرب إلى الزنازن الفردية منها إلى مساكن العائلات المتعددة الأفراد.

أما مصطلح “خدام الدولة” ففيه تمويه ظاهر غير مقبول، إذ الصحيح أنهم “خدام السلطة”، أما الدولة فهي جميع المغاربة المنضوين في الإطار الجغرافي ـ السياسي الذي يضمّ كل المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع، سواء كانت داخل السلطة وتدبير الشأن العام أو خارجهما، وبهذا المعنى يعتبر كل المواطنين “خداما للدولة”، لأنهم يعملون من أجل بلدهم، ويحملون في وعيهم شعورا بالانتماء إلى الوطن الواحد والدولة ذات السيادة، ويستحقون بذلك حُسن الجزاء على عملهم، وهو ما يتمثل في الأجور المناسبة وظروف العيش الكريم، وكذا الخدمات المطلوبة في كل القطاعات وخاصة الصحة والتعليم والسكن.

إن خدام الدولة هم جميع القوى الفاعلة والمنتجة في كل المجالات، أما “خدام السلطة” فهم موظفون سامون تعاملهم السلطة بمنطق “الأعطيات” القديم، الذي عرف في تاريخ الاستبداد الشرقي بأنه تأليف لقلوب ذوي النفوذ من أجل استمالتهم وجعلهم في الخدمة، وبما أن ما يقدم لهم يتم خارج القانون وبمنطق الريع القديم، فإنهم ملزمون بالعمل لصالح السلطة في إطار القانون أو بدونه، أي أنّ “خدام الدولة” يكونون مستعدّين لخرق القانون والانحياز للسلطة ضدّ المجتمع في الوقت المناسب، أي عندما يحين وقت المحاسبة، وهذا ما يفسر أن طالب الحق في دولة الريع لا يجدُه، بل يظل ساعيا وراءه طوال حياته دون أن يظفر بشيء منه، حيث تغلق في وجهه الأبواب والنوافذ، لأن خدام السلطة يقومون بواجبهم في حمايتها والذود عنها ضدّ ضحاياها، وكلما زادت الأعطيات والمنح والهدايا كلما زاد ولاء خدام السلطة وتفانيهم في إظهار التفاني والحماس في عملهم، والنتيجة شيوع الفساد وتفشيه في مفاصل الدولة، وتزايد أعطاب التسيير والتدبير، فتقل شرعية السلطة في أعين الناس وتذهب هيبة الدولة التي لا يمكن تعويضها بالعصا الغليظة، لأن الخوف لا يصنع الولاء الحقيقي.

ولكن من جانب آخر، إذا جاز لنا أن ندين السلطة وخدامها على تواطئهم ضدّ مواطني الدولة وخدامها الحقيقيين، فإنه لا يسعنا إلا أن نكشف القناع عن وجوه المنافقين، أولائك الذين يتظاهرون بأنهم غير فاسدين وأبرياء من امتيازات خدام السلطة، لكنهم يتواطئون على السكوت عن المفسدين وعن أنواع الريع في الدولة، إما طمعا في أن يصلهم نصيب منه، أو خوفا من فقدان موقعهم في الحكومة، وغني عن البيان أن من يسعى إلى التحالف مع السلطة ويظهر استعداده للخدمة، إنما يعمل على انتزاع مزيد من المكتسبات لنفسه، الحلال منها والحرام، وقد ظهر أثر ذلك فعلا سواء في الذين استفادوا من الريع، أو في سلسلة الفضائح في تبذير المال العام في المناطق الأكثر بؤسا وفقرا. وإن غدا لناظره قريب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

18 تعليقات

  1. Hossin يقول

    Tbark la 3la si 3assid hna chat mousstahmar bol ma3ayir lida han Walt kachf lmoufssidin

  2. Lotfi يقول

    كهذا يكون المقال جميلا لا يختلف معه طالما كان بعيدا عن العصبية الاديولوجية التي لا تختلف عن العصبية القبلية في عوارها و عيوبها.

  3. مختار ايموحدين يقول

    تعقيبا على المعلق باسم ابو نور الكلام الاول ان ببدء الانسان بجدية دون تستر تحت اسم مستعاركانه خايف من شيء ما او محرج من ما يكتبه في كلا الحالتين جوابك لا وزن له ،الاستاد عصيد تحليله فين وجوابك فين يا مسكين(في العقل)

  4. rachid111 يقول

    كنت اتمنى ان يكتب الاستاذ عصيد بالامازيغية عوض العربية
    لا ادري لم لا يفعل ذلك؟

  5. مختار ايموحدين يقول

    كم فرحت لما رأت الأخ احمد علق كما العادة على الموضوع بوضوح وصراحة ومنطق كنّا نتمنا ان يكون هدا العقل عند المسؤولين على الدولة و(مستشارين الملك) حتى يضمنون الازدهار والاستقرار لبلدنا ومملكتنا وشعبنا. البارحة علق اوباما على الدمقراطية وسر دوامها نتمنا من الحكام و المستشارين ان يعًودوا له لكي يستفيدوا. شكرًا على وطنيتك اخي احمد (بدون السي ) كما علق احد المعلقين قبلي ،احمد عصيد فيها كل احترام و تقدير لان شخصيته تدافع على الحق والحريّة الفردية والجماعيةاريد ان أكلمك مباشرة اخي رقمي 0018322764420 مختار من امغران وارززات وافتخر سامحني اخي ادا وجدت عربيتي just ok وشكرا مقدما ادا كلمتني او أرسلت لي رقمك لاكلمك مفتخرا ان ما زال الأمل بوجود ناس شرفاء بل ما تحمله هذه الكلمة من معنى الشرف الحقيقي الدي لا يشترى وشكرا مرات اخرى

  6. مراركي يقول

    تعليقك المليء بالفقر الفكري، حتى بالمنظور الفقهي، والمقرف بأخطائه النحوية الفظيعة، والمرصع بالجهل والظلام يكشف طريقة اشتغال دميغك الذي استقر به التطور في القرن السابع، أقول تعليقك لا ينطق إلا على الهوى. تًلاح فزًبل.

  7. مواطن يقول

    كعادته ،قال الاستاد عصيد القو ل الحق بفصاحة وموضوعية واتزان .وليتدبره العقلاء من القوم .اما من الف الهرطقة و القدف في شخصه في كل مناسبة و في غيرها فلا اعتبار له لسوء نيته و انحطاط مستواه ،ان لم يكن الامر فيه خدمة تادى من طرفه للاسياده بمقابل ما ….
    الحق في الاختلاف نعم لكن لا للتحامل وسوء النية ومهاجمة الشخص عوض مناقشة افكاره.

  8. أمين يقول

    أتفق معك أستاد عصيد في كل ما أوردته في المقال فعبارة خدام الدولة اشارة واضحة الى أن هذه الفئة تخدم لصالح السلطة ولو كان ذلك على حساب المجتمع و لو كانوا فعلا يخدمون الدولة لكانت عبارة خدام الشعب لا خدام الدولة
    تانميرت

  9. كاره الظلاميين يقول

    ما فائدة مزايا هذه المرحلة اذا لم تحدث تأثيرا وتغييرا في عقلية ونهج المخزن؟ان الملاحظ هو انه كلما انتقد المواطن هذه السلوكيات الهجينة الا وفاجأنا المخزن بسلوك أكثر امعانا من الأول في لاطيمقراطيته واستبداده ضاربا عرض الحائط بكل احتجاج وانتقاد واستنكار كأنه “كيقلي لنا السم” ويقول لنا “موتوا بغيظكم فأنا ماض في النهج الذي اخترته ومن لن يعجبه الحال فليشرب ماء البحر”
    فما ان تهدأ زوبعة حتى تقوم أخرى ولنا في ملف بنما ثم أزبال الحيطي وتخريب التقاعد مرورا بالكاطكاط والاراضي المهدات لخدام الفساد وغيرهم خير مثيل
    بيان وزيري الداخلية والمالية لم يكن عذرا بل كذبا مكشوفا وتحديا سافرا لكل المغاربة الذين أدانوا هذا الريع المفضوح
    لو كنا في دولة ديمقراطية لطارت رؤوس كثيرة وأخرى نصبت لها المشانق

  10. محد يقول

    لدي تعليق من جانب واحد فقط ويتعلق بمصطلح السلطة والمخزن او الدولة التي تستعمل هذه الايام مع هذه الفضيحة. هي مصطلحات اريد بها في الواقع التخفيف من حدة تجريمها ولم لا نقل جر بعض ضعاف العقول الى الهرولة نحو هذا السلطة وتبني اطروحتها في مكافئة خدامها. اتساءل لماذا تخلى المعلقون على هذه الفضيحةعن مصطلح “خدام العرش او القصر” انها الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها. هؤلاء المستفيدون, ومن زمان, يخدمون ا لعرش واجندته بالتحديد ولذلك يكافؤون. لم يكونوا في يوم من الايام خدام الدولة او الامة او الشعب. فلماذا لا نسمي الاشياء بمسمياتها؟

  11. أبو أيوب يقول

    أنت هو أنت دائما آسي أحمد
    أنيق العبارة..عميق الفكرة..
    روح حداثية لا ريب فيها..
    مغربي وطني حتى النخاع!
    تانميرت..
    شكرا..
    تودا!

  12. الصديق يقول

    إن خدام الدولة الحقيقيون، ليس أولائك الذين انتفخت أحناكهم و بطونهم بمجرد توليهم المناصب، إنما هؤلاء الذين تورمت أيديهم و أرجلهم بأعمال شاقة، و استُغلت أجسامهم و عضلاتهم في الحفر و النقل و الحمل و البناء، حتى خارت قواهم و تشردوا ثم صعدت أرواحهم إلى بارئها تاركة أجسادا لن تجد فيها دودة ما تقتاة به.
    أما من سموهم خدام الدولة، فما هم إلا خدام أنفسهم و أهليهم و مصالحهم و مرؤوسيهم، إنهم ناهبوا الدولة لا خدامها.

  13. أحمد عبد الرحيم يقول

    أنا متفق معاك في كل ما ورد في مقالك هذا
    ولكن السي عصيد ما هي الفائدة التي سيجنونها هؤلاء خام السلطة والعصا مقابل الكدب والتشلهيب والنفاق الدي يقومون به كلما طلب منهم أو يقومون به بتلقائية ( وكل واحد منه له عدة أقنعة ) يستعملها حسب الدور الدي تمنحه إياه السلطة ( يشطح ’ يرقص ’ يبكي ’ يضحك ’ يأيد ’ يسجب و يتلون كالحرباء .

  14. عبد الصمد الحسيني يقول

    أنا متفق معاك في كل ما ورد في مقالك هذا
    ولكن السي عصيد ما هي الفائدة التي سيجنونها هؤلاء خام السلطة والعصا مقابل الكدب والتشلهيب والنفاق الدي يقومون به كلما طلب منهم أو يقومون به بتلقائية ( وكل واحد منه له عدة أقنعة ) يستعملها حسب الدور الدي تمنحه إياه السلطة ( يشطح ’ يرقص ’ يبكي ’ يضحك ’ يأيد ’ يسجب و يتلون كالحرباء .

  15. ابو نور يقول

    كعادت المستشرقين فخطاب الاستاذ عصيد في ظاهره دفاعا عن الحق لكن عباراته مسمومة و مقيته و اليكم نمودجان:
    الاول:الحراك الشعبي لـ سنة 2011 لالالالالالالالا ما شي حراك شعبي انه”الربيع العربي” اي اللغة التي تكتب بها،
    الثاني:(منطق “الأعطيات” القديم، الذي عرف في تاريخ الاستبداد الشرقي )اهدا اتهام لرسول الله اتسقط مصطلح الاستبداد بشخص رسول الله ……..لعلمك اخواني فماستحدته رسول الله تجاوزه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما تقوت شوكة المسلمين
    انتبه استاذي للمصطلحات فنظام المؤلفة قلبهم جاء به الذي لا ينطق عن الهوى ……و ليس “ياكوش”

  16. ابوسلمى يقول

    رسالة اكثر من صادقة وتحليل واقعي لحالنا البئيس مع متحكمين في كل شيئ
    كيف سيكون حالنا لو لا مغاربة احرارا ورجال لم يبيعوا وطنيتهم حيث يقومون بفضح الفساد المستشري في جميع دواليب الحياة

  17. عبد الغني يقول

    بالفعل استاذ عصيد فكل المغاربة خدام للدولة وليس تلك القلة القليلة من ذوي النفوذ هي من تخدم الدولة ، فبدون فقراء ومهمشي ومعطلي هذا البلد لن يكون لهؤلاء خدمة يشكرون ويجازون عليها ، اما استغباء المغاربة واستحمارهم، فزمن اصبح يتلاشى وينقضي لان الوعي بالوطنية وبروح التغيير والتقدم وبناء دولة الحق والقانون ، هذه الافكار اصبحت تحتل حيزا مهما في مخيال المغاربة لان الامور تسير بسرعة لا يمكن التحكم فيها ، وان لم تتجه الدولة في هذا المستوى اي في تطلعات المغاربة لعل الاقل الحد الادنى من هذه المسائل فالامور لن يحمد عقباها ، فبدبلا من تفويت الاراضي لاناس لا يحتاجونها اولا ولا يستحقونها ثانيا ، ان يتم تفويتها الى المحتاجين والفقراء والمعذبين في هذا البد او لا يتم تفويتها الى احد

  18. حميد غوتي يقول

    مقال جميل كما العادة أستاذ أحمد. أعتقد أن ساعة الغضب الشعبي أقرب من أي وقت مضى و المسؤولون الفاسدون في سبات عميق كأن أمن البلاد و استقرارها لا يهمهم بتاتا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.