حصاد الجامعة : فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ

2٬132

الدكتور عبدالكبير بلاوشو – جامعة محمد الخامس الرباط

من مدينة الأنوار وصناعة القرار جادت علينا الأقدار بعقل منظر تفتقت عبقريته إجتهادا وبدون سابق إنذار صاغ لنا حلا لعقدة أوديب بإخراج قل نظيره في الزمن السياسي الراهن وبدون بلوكاج أو إنتظار. سيناريو للإخراج بالصوت والصورة مع التوقيع السريع على تركيبة خرافية في مشهد سوريالي بأهازيج فلكلورية وعلى إيقاعات موازين غير أطلسية تعدت حدود الأسوار لتقف عند صدى حناجر تصدح على ضفاف المتوسط بشعارات مطلبية على الطريقة الريفية وبإصرار.

فجأة وفي سياق البحث عن طبيعة الإنعطافات أعلاه والمسلكيات المنحرفة على الأرض بزغ في السماء وعلى مدار كوكبنا نجم وهلال: فالهلال عثماني والنجم ناصري, أحدهما ريفي الطبع والآخر أطلسي المزاج. في خضم هذه العصارة من الأحداث الخانقة والأوضاع الحارقة تذكرت أيام الصبا وغرابة الأطوار وأنا في مرحلة النضج ومن خارج الأسوار تذكرت مقولة “من زرع حصد” وأدركت معها بقوة الواقع و جاذبية المواقع على أن الفاعل في المزرعة ليس بالضرورة هو القائم على فعل “زرع” وأن المفعول به أملا في حصاده من المستحيل أن يجني ثمار ما حصد. هكذا أصبح الشخص الوحيد في مقولة “من زرع حصد” بقدرة قاهر وقادر ثلاثة أشخاص: فاعل مجهول النسب ومفعول/معلوم بهما عديمي الحسب.

لقد إختلطت الأسماء بالألفاظ وتم إستدعاء منطق الغموض ومفاهيم من قاموس الأوهام كي يصار بالمجتمع والجامعة إلى قول “آمين” على أعتاب الأبواب في زمن الصفات والألقاب. لقد فقدت الدولة مفهومها وصوابها بإرتمائها في أحضان الخاص وتاه المجتمع العام في قالبها حين أخطأ العقل السامي في الإعلان عن رؤية الهلال تارة وعن إطفاء وهج النجم تارة أخرى. إنها أخطاء مصطنعة وأعطاب مستديمة ومربكة للبنيات الإجتماعية ومقلقة للأنساق الإقتصادية ومؤثرة وفاعلة في السياقات الإقليمية. فلا الهلال يجدي نفعا في وضوح الرؤية ليلا, و لا النهار يسعف أهل الحال منشغلي البال بالنجم إذا هوى ولسان حالهم يقول “أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ”. فالسنن الإلاهية على الأرض عودتنا أن للحرث/الزرع وللحصاد فصلان في رحلة شاقة عبر الزمان تدعى رحلة الشتاء والصيف فليذكروا رب هذا البيت.

فلا حصاد بدون زرع, هذا قولنا لمن أوكلت له مهمة الحصاد الجامعي في حقل مليء بالألغام. لقد عشنا خمس سنوات جامعية عجاف عات فيها المزارع بالحرث فسادا و ذر غبار الخوصصة عنادا واستدعى الماء العام سقيا و قام الليل يدعو ربه غيثا ونسي أن له كتابا و عليه حسابا. خمس سنوات عجاف ساد فيها الخيار التراجعي وتناسى خلالها السيد المعالي بالصفة (المزارع بالوظيفة) أن الإمتحان الحقيقي للعلاقة مع الأرض هو في الشدة والحاجة والإبتلاء. لقد أصاب يوسف الصديق مرتين: الأولى في تأويل الرؤيا وهو سجين والثانية في تجسيد روح الآية وهو حر/طليق “السجن أحب إلي مما يدعونني إليه”. فمضمون الرؤيا السنبلة وما تحتويه ومخرجات التأويل منظومة التخزين وما تقتضيه. فسنابل الأمس حبات من القمح وسنابل اليوم ذرات من القمع.

لمن يهمه الأمر نقول بين خبرة الأمس وعبرة اليوم نصيحة ما بعد الغد “فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ”. لأن الدعوة العلنية والإفصاح الإعلامي عن سياسة الغربلة في إطار إستراتيجية الحصاد الجامعي لا تعدو إلا إعلانا عن إشعال فتيل الحراك الذي لا تنفع معه الحقن السياسية ولا المسكنات النقابية. إن طبيعة الجليس في جلسات الإنصات التي عقدتموها السيد المعالي قد لا تسعفكم في التوصيف الدقيق لحالة المنظومة (تربية وطنية/تكوين مهني/تعليم عالي) فالمدعو فاقد لمتطلبات الإدارة الإستراتيجية والداعي غير صادق في الإرادة السياسية. نحن في حاجة إلى حسن الإدارة تحقيقا لحكامة المنظومة و إلى الصدق في الإرادة تحقيقا لنجاعة السياسة.نحتاج أيضا إلى تفكيك شفرة العلاقة الجدلية بين العام والخاص وتحقيق التوازن في منظومة الإستثمار تكريسا للعدل والإنصاف.

الغريب أن الدولة تبحث عن ذاتها داخل القطاع الخاص من خلال مشاريع بأذرع إقتصادية في مجال الصحة والطاقة والتعليم العالي لدرجة أن رعايتها ودعمها لمولودها الخاص أضحى مكشوفا سواء على مستوى الهيكلة والنظم والنصوص القانونية والأوعية العقارية وأيضا من خلال تعبئة الموارد المادية والبشرية والحملات الإعلامية وفق النموذج الشيلي في تدبيره السياسي لمفهوم الخوصصة والذي أفضى في النهاية إلى تدمير كل البنيات والأنساق المرتبطة عضويا بتسليعه لمنظومة التعليم العالي. اليوم نحن أمام سياسة غير إنسانية تعكس إستراتيجية التخلي عن القطاع العمومي وفسخ التعاقد الإجتماعي الذي يربط أخلاقيا المجتمع بالدولة ويحدد طبيعة العلاقة بينهما. أمام هذا الشكل من الإستثمار الذي يستهدف الجامعة العمومية ويستنزف مواردها ويسعى جاهدا لإذلال الصفات والوظائف بداخلها, أضحت الدولة من الخواص (مفهوم الدولة الخاصة أو شخصنة الدولة ) معلنة بذالك عن سقوط كل العناوين والخطابات السوسيوإقتصادية والأخلاقية. أمام هذه الإختيارات ندرك جازمين أننا نعيش حالة فك الإرتباط بشكل نهائي وتدريجي بين الدولة ومسؤولياتها في تقديم الخدمات للمواطنين والمؤطرة قانونيا بالوثيقة الدستورية والتي تهم رباعية الكرامة “تعليم – صحة – سكن – تشغيل”.

في الأخير نقول لمن أوكلت له مهمة هندسة سياسة التعليم العالي أنت مطالب أخلاقيا قبل الإعلان عن إستراتيجية الحصاد الجامعي أن تتكرم بالإفصاح العلني عن مستحقات الضريبة على التكوين والتي تؤديها المقاولات والمؤسسات الإقتصادية لمكتب التكوين المهني لمدة سنوات. لأنه بمنطق الأرقام فإن هذا الغلاف المالي كاف لتغطية الحاجيات المادية واللوجيستية والعقارية لتنزيل الرؤية الإستراتيجية 2015-2030 في إطار المنظومة الثلاثية (تربية وطنية/تكوين مهني/تعليم عالي) ورمضانكم كريم يا أهل الجود والكرم “كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُ الْمُسْرِفِ

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.