حراك الريف.. بروميثيوس وهرقل

1٬743
طباعة
أنير زوره

جاء في الأساطير اليونانية أن زيوس كبير الآلهة استشاط غضبا لمّا علم بالجرم الذي اقترفه بروميثيوس حين سرق من جبل الأوليمب قَبَسا من النار وأعطاه للإنسان. استدعى على الفور هيفاستوس وطلب منه أن يصنع سلاسل قوية يقيد بها بروميثيوس مستلقيا على صخرة بجبال القوقاز. وحتى يكون العقاب إلهيا، تقرر أيضا أن يأتيه نسر عملاق يدعى أثون ينقر كبده كل صباح. وليمعن في تعذيبه كان لزاما أن يتجدد الكبد كل مساء.
لم يُؤْلِم بروميثيوس ما كان يفعله النسر بكبده بقدر ما ألَمَه أن يكون عقابه أبديا. ظل مع ذلك قويا متماسكا، فهو لم يقترف هذا الجرم، ولم يخن الأمانة لولا حبه للإنسان ولولا معرفته بمدى حاجته إلى النار؛ عليها يطهو وبها يستدفئ ويستنير. لا بأس إذن أن يعاقب هو عوض أن يُقْسى على الإنسان.
لقد خان بروميثيوس الأمانة بمنطق الألوهية، لكنه لم يفعل إلا خيرا بمنطق الفضيلة. وحين يتعارض الجوهر الإلهي مع جوهر الفضيلة، لا بد أن يكون الحلّ قَدَرا. فكان القدر في قصة بروميثيوس هو هرقل العظيم. جاء بعد ثلاثة عشر جيلا، وتسلق جبال القوقاز، فقتل النسر وفكّ بروميثيوس من أسره.
مضى على الأسطورة اليونانية آلاف السنين، لكن الروح التي سكنت جسد بروميثيوس لا تزال خالدة. وهي تتجدد باستمرار كلما حلّ بالإنسان سوء، وكان في حاجة إلى من يمده بقبس من النار.
لم يكن ثمة، في مغربنا المعاصر، من هو أمس الحاجة إلى هذا القبس أكثر من أهل الريف، الذين ظلمهم التاريخ وظلمتهم الجغرافيا، وزادهم أهل الحلّ والعقد الظلم ظلمات؛ عن مكر هُجّروا، وعن قصد جُهّلوا. فلولا ما تجود به القبيلة من دفء التكافل، ولولا جاذبية المدنية التي تهب عليهم من دول الشمال، لكان أهل الريف ربما أقل مما تمناه الحسن الثاني حين نعتهم بالأوباش.
سينبعث بروميثيوس هذه المرة من أعماق البحر، وسيتمسك بشباك صيد مُحرمة، وسيمر عبر كل الحواجز، حتى يصل إلى أهل الريف في قلب بلدتهم. سيمدهم بشعلة النار في صورة بضاعة سمكية. لكن للأسف عيون زيوس لا تنام. سيُكتشف أمره، وسينال المسكين عقابه.
لن ينتظر بروميثيوس هذه المرة أن تُصنع السلاسل لتقييده على الصخر، ولن ينتظر نسرا ينقر كبده، بل سيقفز بنفسه إلى داخل حاوية شاحنة جاءت خصيصا لتطفئ شعلته، وسينطفئ معها تاركا وراءه صرخة خالدة.
صرخة الشهيد كانت مدوية، سمعها القريب والبعيد، حتى وصلت إلى آذان هرقل، فقام من مكانه يصرخ، يهيج ويحلف بأغلظ الأيمان أنْ لن يبرح مكانه حتى تتحقق العدالة. لكن كيف ستتحقق العدالة وزيوس نفسه من أطفأ شعلة بروميثيوس؟ لا يهم في نظر هرقل إنْ كان الجاني إلها أو بشرا، فالعدالة عنده تسمو على الجميع، ولا بد أن يحاسب وينال الجميع جزاءه!
زيوس في وضع لا يحسد عليه، هو الخصم والحكم. لكن مهما يكون فهو إله، والآلهة لا تنتقم ولا تعاقب نفسها! لو طلب هرقل فدية الشهيد، فديناه. ولو طلب مائدة سمك تنزل عليه هو وأهله من السماء، أنزلناها. لكن أن يطلب العدالة، فهذا شأن إلهي ولا شأن له بالبشر ولا بأنصاف الآلهة. لا بأس إذن أنْ يُترك هرقل يصرخ إلى حين، مادام الصراخ في عالم الآلهة يقتضي إيقاعا يليق بمستوى الآلهة، ولا يقبل في عالمها أي نشاز مهما ضؤل وَقْعه.
تجاهل الجميع هرقل وصراخه لا يرده إلا الصدى، فأحس بدنوّ أجله. انتقل من الصراخ إلى الهتاف، وبدأ يزن خطاه، تارة يخطب وتارة “يطنطن”، لكنه نسي أن لسان الآلهة لا يعرف القواعد التي نعرفها نحن البشر، فاعترض على خطيب الآلهة الذي “رفع” ما كان “مجرورا” حين قال: “لقد ظهرت الفتنةُ في البرِّ والبحرُ”، بالقول: “ولقد ظهرت الفتنة على المنبر”.
حصل أخيرا النشاز الذي انتظره كبير الآلهة، فانقض على هرقل وصعد به إلى السماء، بتهمة قد لا يعود بها إلى الأرض مجددا: زعزعة عرش الاوليمب، عرش السماء.
وهكذا نسي الجميع صرخة محسن فكري (بروميثيوس الريف) وتلاهوْا عن قصد بقاعدة لغوية نطق بها ناصر الزفزافي (هرقل الريف) بشكل سليم في المكان الغير السليم.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.