احتجاجات الريف وفشل المقاربة الأمنية

1٬501
طباعة
لطفي أبوالقاسم

احتجاجات الريف وفشل المقاربة الأمنية

ـ تمر بلادنا اليوم بظروف سياسية واقتصادي واجتماعية جد معقدة وصعبة ، تتسم بتأزم الأوضاع

على جميع المستويات والأصعدة ، بداية من أزمة سياسية واضحة تظهر من خلال ما سمي بالبلوكـــاج

الحكومي، وتعطيل عمل المؤسسات، وكذا طريقة تشكيل الحكومة… إضافة إلى أوضاع اقتصادية جــد

صعبة تظهر من حجم الديون التي خلفتها الحكومة السابقة ، و التداول في مسألة تعويم العملة… وأزمة

اجتماعية خانقة تظهر هي الأخرى من خلال الأوضاع الاجتماعية التي تعيشها شرائح واسعـــــــة مــن

المجتمع ( الفقر ـ البطالة ـ الأمية ـ تدهور الأوضاع الصحية ـ ضعف القدرة الشرائـيـــة ….) . عــلــى

العموم يمكن القول أن بلادنا تعيش أوضاعا مزرية على كافة الأصعدة ، لكن هذه الأزمة ليست ولـيــدة

اليوم، بل هي نتاج تراكمات عقود من الزمن، زادت حدتها طبعا في الآونة الأخيرة ، نظرا لــغـــيـــاب

إجابات حقيقية في المراحل السابقة.

ـ وتتزامن اليوم هذه الأزمة الخانقة مع احتجاجات قوية، في مختلف ربوع الوطن، بلغت ذروتهــا

في منطقة الريف، هذه الاحتجاجات التي ترفع مطالب سياسية واجتماعية عادلة ومشروعة، وتمــــارس

حقها الدستوري بشكل حضاري معلنة سلميتها ، أربكت الدولة ومؤسساتها في طريقة التعامــل معـــهـا،

ويظهر هذا الارتباك من خلال الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها الدولـــة فـــي التـــعـــاطـــي مـــع هـــذه

الاحتجاجات، بداية باتهام منطقة بكاملها بتهمة الانفصال، دون إدراك للأبعاد الخطيرة التي قد تــتــرتـب

على هذا الاتهام، كما يظهر هذا الارتباك من خلال الاعتقالات الواسعة في صفوف نشـــــطــاء الحــراك

وتعذيبهم والمس بكرامتهم، ومنع الاحتجاج السلمي وتعنيف المتظاهرين ، وعدم السماح للصـــــحـــافـــة

بممارسة مهامها، ومصادرة هواتف المواطنين واستعمال القنابل المسيلة للدموع في مواجهة مواطنـيــــن

عزل متشبتين بسلمية احتجاجاتهم ….. وتبقى مسيرة 20 يونيو شاهدة على العنف المفــرط والشــــطــط

الكبير الذي مورس على المحتجين والصحفيين ، والتي انتهت باعتقال العديد من نشــــطـــــاء الحـــراك

واعتقال الصحفي حميد المهداوي رئيس تحرير موقع بديل، وتلفيق اتهامات له لا أساس لها من الصحـة

وإدانته بحكم ظالم لم يراعي أبسط شروط المحاكمة العادلة….

ـ إن ما يجري اليوم ببلادنا يعتبر انتكاسة حقيقة في مجال  الديمقراطية ، ومذبحة كـبيــرة لــكـــل

المكتسبات التي تمت مراكمتها في مجال الحريات وحقوق الانسان ببلادنا.

ـ إن التعاطي مع مطالب المواطنين بهذا الأسلوب، سيزيد حتما من تأجــج الأوضـــاع وســيــدفــع

البلاد إلى اضطرابات هي في غنى عنها، خاصة أمام الأزمة السياسية والاقتصــادية والاجتمــــاعـــيــة

التي تمر منها بلادنا. إننا نسجل هذه الخلاصة بكل مرارة واستياء وخوف على مستقبل وطننــا الغالــي،

ولا يمكن لأي مواطن غيور على وطنه، إلا أن يقف عند الحقائق كما هي، للبحث عن السبل والمـخارج

الحقيقية التي تمككننا من الوصول إلى الحلول المناسبة الكفيلة بإخراج بلادنا من هذه الأزمــة وإصــلاح

الأعطاب والأخطاء التي مارستها الدولة، في التعاطي مع الاحتجاجات الأخيرة بما يضمن الاســتقـــرار

والأمن الحقيقي ببلادنا، حتى لا تكون بلادنا عرضة لأطماع خارجية تتحين الفرص لتنفيذ مخططاتــــها

التخريبية.

ـ لهذا يجب على الدولة أن تفهم أن الاحتجاجات التي تشهدها بلادنا هي احتجـاجـــات طبيـــعـــيــة،

ناتجة عن تردي الأوضاع الاجتماعية، مست شرائح واسعة من فئات المجتمع، وأن التعامل مـعــــهــــا

بمنطق المقاربة الأمنية هو تعامل لا يخدم مصلحة الوطن ولا يجيب عن مشاكــل المواطنــيــــنـــن بـــل

على عكس من ذلك، إنه يدفع البلاد إلى الفوضى وعدم الاستقرار، خاصـة وأن لــــوبـــيــات الفــــســـاد

قد سيطرت على ثروات البلاد كلها، وتركت المواطنين عرضة للفقر والبطالة والأمية والجهـل.. كــمــا

عصفت بمصالح البلاد.

ـ وعلى الدولة أن تفهم أيضا أن هذه الاحتجاجات سلمية في طبيعتها، والتعامل معها بشــكـل عنيف

لا يخدم مصلحة الوطن والمواطنين، إن التعاطي مع هذه الاحتجاجات بمنطق المقــــاربـــة الأمــنــيـــة

يـضعها  في مأزق أمام العالم، ويعصف بما راكمته من تقدم في مجال حقوق الانسان علــى الصعيديــن

الداخلي والـدولـي،وسيعود بها الوضع إلى نقطة الصفر. و سيترتب عن ذلك أزمات حـــــادة وأوضــــاع

سيـاسـية واجتماعية صعبة ومعقدة، ستقود بلادنا إلى النفق المظلم.

ـ إن حدة الأزمة التي تعرفها بلادنا، تتطلب حلولا استعجالية وآنية تصب في توفير الأمن السياســي

والإقتصادي والإجتماعي للدولة والمجتمع، كما تتطلب استبعاد المقاربة الامنية التــي وإن اســـــتــمــرت

ستزيد الأوضاع تأزما.

ـ وعلى هذا الأساس حان الوقت أن تتحمل الدولة مسؤولياتها كاملة في محاربة الفساد والمـفســـديــن

الذين يعبثون بمصالح البلاد والعباد، وعليها أن تفتح أوراشا تنموية حقيقية تجـــيــب عــن انــتـــظــارات

المواطنين، فبدون إجابات عن الأوضاع الاجتماعية المتردية، وبدون تنمية حقيقية شاملة ومستــدامـــة لا

يمكن الحديث عن الاستقـرار والأمـــن في بلادنا.

ـ كما يجب أن يتحمل الكل مسؤولياته أحزاب، نقابات، جمعيات المجتمع المدني، التي بدورها نخرهـا

الفساد. وأصبحت تهيمن عليها فئات لا تخدم إلا مصالحها مستعملة أسلوب الإقصاء والتهميش ضد مـــن

يخرج عن طوعها، عليها أن تقطع مع هذا الواقع الذي يجعلها مجرد أدوات طيعة في يـــد المــفســديــن

والـــمستــبــديـــن.

ـ إن المعادلة اليوم هي أخطر من السابق، فالمجتمع يبحث حاليا عن أمنه واستقراره، اللذان لم تستطع

الدولة تحققهما له. وتركته في مواجهة لوبيات الفساد التي تبحث عن شرعنـــــة فســــادهــا، وفــي هـــذه

المعادلة تضيع مصالح الدولة والمجتمع معا.

ـ إن المجتمع المغربي اليوم يشق طريقه في اتجاه إصلاح أوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية

بعد أن خذلته نخبه، التي تحصنت بمؤسسات الدولة غير عابئة بما يعيشه من أوضاع مزرية على كافــــة

الأصعدة. فهو اليوم يحتج عن وعي بواقعه، ويعرف أن أمواله نهبت، وحريته سلبت، وحقوقه في التعبير

صودرت.

ـ إن احتجاجات اليوم، هي إنذار بعاصفة مستقبلية، سيصعب حلها إن تم التعامل معهــا بالمقاربـــة

التي نشاهدها الآن. بعيدا عن المزايدات السياسية والاتهامات المتبادلة، إننا اليوم في أمـــس الحاجـــــة

إلى رؤية عقلانية، نستطيع من خلالها تجاوز هذه الأوضاع ونحقق من خلالها الامــن والاستـــقـــــرار

الذي يبحث عنه المجتمع ويحمي مصالح الدولة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.