حادثة “فتاة الحافلة”: الجسد الأنثوي كمثير للعمى

3٬393
طباعة
جميلة الزيتي

الأحداث الفجائية والصادمة تكشف حقيقة الأشخاص ونفاق المجتمع وجبروته… هذا ما حدث في قضية “الشابة التي تعرضت لمحاولة اغتصاب في الحافلة” بداية أعلن الجميع صدمته. هل الصدمة من فعل الاغتصاب نفسه أم من تهميش واستغلال فئة المختلين عقليا، أم فقط لأن فعل الاغتصاب وثق بفيديو؟ نشر الفيديو قد يكون الأكثر صدمة لأننا اعتدنا التستر عن عيوبنا وممارستنا اللا إنسانية “وإن ابتليتم فاستتروا”.

ومهما يكن، أعلن الجميع تضامنهم اللامشروط مع الشابة واصفين الفعل بالهمجي والوحشي، بل وطالب البعض بتطبيق حكم الاعدام على المراهقين، وهو غير كافٍ في نظرهم. هنا تظهر الازدواجية والتخبط بين الماضي والحاضر، رافضين فعل الاغتصاب وفي نفس الآن مطالبين بالاعدام ضاربين بذلك حق الحياة كأول وأعظم حق للإنسان مهما كان أو فعل، متناسين أيضا انخراط المغرب في منظومة حقوق الانسان، الأمر الذي أوجب إيقاف تطبيق الاعدام تماشيا مع المواثيق الدولية.

يظهر هذا أننا لا نستطيع استبدال كراهية الآخر بمحاولة الفهم أو التعاطف أو محاولة لجم دوافعنا التدميرية التي تضرب في كل الاتجاهات، مما يجعلنا نواجه العنف بعنف أبشع، وإلا فما معنى المطالبة باعدام المراهقين؟ كما أن حالتهم تبين انتماءهم للفئات الدنيا، إضافة لاستقالة الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع من مهمة التربية والتوجيه وتوفير الرعاية السليمة، بل وتضخم الرقابة الاجتماعية على جنسانية الأطفال والمراهقين وبشكل عام على كل ممارسة جنسية خارج مؤسسة الزواج… والمهم أن هؤلاء المراهقين لم يجدوا إلا شابة مختلة عقليا ليعرضونها لبؤسهم الجنسي، (ودائما ما يتحمل المجنون وهو على هامش الطريق ركلاتنا وكلماتنا التحقيرية ونظرات الاشمئزاز على وجوهنا). هذا ليس تبريرا للجريمة ولكن لا يجب أن نغفل هذا المعطى ونحن نتسرع في إصدار الحكم.

يتفاقم الاحراج أكثر عندما تقرر مجموعة من النساء الخروج في وقفة احتجاجية على الجريمة، رافعات شعارات “عفوية”، انفعالية، هجومية، ومسيئة للجنسين معا. شعارات وإن كانت عبرت عن واقع حال التعامل مع النساء في الفضاء العام، إلا أنها ضد الرجال والنساء أيضا. دعوة إلى استبدال الاغتصاب بالحق في الاستمناء! ولكن قد يكون شعارا مقبولا إذا نظرنا من داخل السياق الذي يجرم العلاقات الجنسية بالتراضي خارج الزواج.

إذن ماذا يفعل الرجل لكي لا يغتصب؟ أن يستمني! أما المرأة فلا كلام عنها، جسدها في الأصل ليس ملكا لها ، وممنوع عليها أي فعل جنسي لا يتم داخل مؤسسة الزواج وينتج عنه أطفال. شعار آخر أثار سخرية كبيرة على الفيسبوك، “مرا = رجل ونص” تقوم النساء برفض فعل أو منظومة تصورات صادرة على الذكور ثم يأخذنها معيارا لقياس المروءة، ربما ؟! ألا يمكن للنساء إثبات مكانتهن وفرض أنفسهن إلا في إطار صراع فولكلوري مع الرجال؟ وعلى أي، قد نقبل هذه التصريحات والشعارات مادامت صادرة عن أناس من المجتمع المدني قرروا بشكل طوعي التنديد بالجريمة، ونتفهم أيضا الانفعال ورد الفعل المضاد اتجاه الجريمة خاصة وأن الكثيرين أرجعوا المسؤولية لملابس الضحية ومكان تواجدها (شابة في حافلة مع الذكور)، لكن ما لا يمكن تقبله وفهمه أيضا هو الانقلاب في المواقف في وقت قياسي، والذي دل على هشاشة بنائها، بل وأنها دخلية ولم تتأسس بعد على البعد الحقوقي والانساني، ولا عجب مادامت ثقافتنا الشعبية والدينية تضع المرأة في درجة الثانية بعد الرجل، وأنها مجرد كائن لتفريغ الشهوة والانجاب.

هؤلاء الرجال استنكروا اغتصاب الشابة وطالبوا باعدام المعتدين كرد اعتبار وكرامة للضحية، لكنهم ولمجرد شعارات رفعت في الوقفة أصابهم السعار، يتقاذفون النعوت والأوصاف القدحية، معلقين بأنهم غير مستعدين لإغتصاب تلك التي تحمل اللافتة، ما دامت ليست مغرية أوجذابة. بمعنى أنه سيغتصبها إن أعجبته، مع العلم أن الاغتصاب حدث لطفلات وعجائز وجثث وحيوانات وأشياء …، مما يستبعد حضور شرط الاغراء رغم لا مشروعيته. الجسد المغري ذو تفاصيل محددة، بها ومن خلالها تتحدد مكانة الأنثى داخل المجتمع، هذا ما تكرسه الثقافة الشعبية وكذلك الدين إضافة للثقافة الرأسمالية التي سلعت المرأة وجعلتها كمادة للاغراء والاشهار والاستهلاك، بحيث إعتدنا رؤية امرأة جميلة بقوام ممشوق في كل الاشهارات الاستهلاكية؟
ولكن ماذا لو أصبح الرجل في نظر المجتمع مادة للاغراء وجسد للاستعمال دون الاهتمام بكينونته وإحساسه وتفكيره. (ففي هولندا، مثلا، وبسبب ملل الرأسمالية من استعمال جسد النساء في الاستهلاك تم الانتقال إلى توظيف أجساد الرجال في الاعلانات، حيث ظهرت محلات للملابس تضع على واجهاتها صورة رجل عار تماما في وضع مغرٍ بينما امرأة تظهر بجانبه ترتدي ملابس الرجال وتظهر أكثر قوة.) أم أن توحش الرأسمالية لن يهزم جبروت عاداتنا وتقاليدنا التي لها من الشرعية قرونا كثيرة، ولها أبواق لا تتعب من الصدح مرددة أسطوانة الظلام والرجعية؟ جعلتنا هذه الأحداث -وهي ليست بالجديدة- في حالة فوضى عامة، عنف من طرف الجميع وضد الجميع. كل جهة تقول إنها على صواب والجهات الأخرى ظالمة يجب معاقبتها.
هذا الوضع ذكرني برواية العمى للروائي البرتغالي “جوزيه ساراماجو” التي تتحدث عن وباء غامض “العمى الأبيض” ينتقل من شخص إلى آخر بمجرد أن يراه، حيث تكاثر العميان ولجأت الدولة إلى وضعهم في مستشفى مهجور، تحت حراسة عسكرية صارمة، ومنع أي اتصال بهذا المجتمع الأعمي، وخُصص مكان أمام الباب حيث كانت توضع مواد التغذية، إمعان في الحرص على عدم خروج العميان.. أما في الداخل ففوضى وذعر وأوساخ بشرية متكتلة في كل مكان، وقتال، واغتصاب للنساء في سياق الصراع على الطعام. وسط كل العميان شخص واحد من المبصرين، إنها زوجة طبيب العيون والتي رافقت زوجها إلى المستشفى المهجور، دون أن يعرف الآخرون، كانت وحدها التي تساعدهم في مأساتهم وترى عيوبهم.. انتشر الوباء في كل المدينة، وترك الناس بيوتهم هائمين لا يهمهم إلا الأكل، وزالت كل الحضارة الإنسانية والقيم والفنون والمعارف… وكان يوم استرجع فيه الجميع البصر وانتهى العمى. أي نوع من العمى؟ هل هو العمى الحسي البصري أم العمى الفكري؟ لا ندري بالضبط، لكن زوجة الطبيب قالت في نهاية الرواية “لا أعتقد أننا عمينا بل أعتقد أننا عميان يرون، بشر عميان يستطيعون أن يروا لكنهم لا يرون”.
إذا أسقطنا هذه الفكرة على بلدنا في ظل الوضع الراهن، ونحن عميان بالانتماءات الايديولوجية، والسياسية، والجندرية، والدينية، والأحكام الجاهزة…، من هذا الشخص الذي يمكنه أن يتحمل قرفنا وأنانيتنا ويقودنا لاجتياز جسر العمى؟ أم إننا ولشدة العمى والغباء والحقد سنقتل بعضنا بمن فينا ذلك الشخص المبصر إن وجد؟ أم إننا محكومون بالعمى الأبدي ولا حاجة للأمال والأحلام، فقط علينا أن ننتظر دورنا لننقرض؟

جميلة الزيتي، أستاذة الفلسفة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.