تعليق على خطاب العرش (خطاب المحاسبة وتجويد النخب السياسية)

1٬347

امنتـو الحامـد*

         تمهيد:

         إن الخطاب الملكي الأخير بمناسبة الذكرى 18 لتربع الملك على العرش كان خطابا يؤسس لخط جديد في الخطب الملكية، ذلك أنه تميز بلغة جديدة مختلفة تماما عن تلك التي عهدناها من قبل في خطب الملك، صحيح أننا شهدنا بوادر ذلك مع الخطاب الذي بات يعرف بخطاب “أين الثروة؟” لكن خطاب العرش هذا كان فارقا عن كل الخطب التي سبقته، فالملك اعتمد هذه المرة لغة قوية، لغة واصفة، لغة متوعدة، لغة من بات ملما بما يحصل في المغرب؛ بل لغة من بات يضع كل الأمور وكل المسؤولين الإداريين وكل السياسيين تحت المجهر. ولعل الملك حسب رأينا قد اعتمد هذه اللغة ليرسل المعنى الآتي: لقد أصبحت أعلم كل صغيرة وكل كبيرة عنكم ولي رأيي الشخصي بخصوص ذلك؛ بل ولي رد فعل على ذلك، فلقد ولى زمن الاختباء خلفي وجعلي في مواجهة مع المواطنين.

          وهنا نتساءل لماذا تخللت الخطاب تعابير تفيد أن الملك يترافع على نفسه ويبرأ ساحته أمام المواطنين؟ هل هذا يعني أنه – ومن خلال اطلاعه – أن المواطنين يحملونه المسؤولية عن كل الأوضاع في المغرب؟ أم أن ذلك لا يعني سوى أنه يريد أن يصحح الرؤية في ذهنية المعنيين بخطابه؟ أي أن يصحح المعادلة (المواطن في مواجهة المسؤول الإداري والمسؤول السياسي) إضافة إلى التعبير عن اصطفافه إلى جانب مصلحة المواطن.

          مع هذا الخطاب، لا شك لدينا أن الملك جد مطلع على مجريات الأمور في المشهد المغربي، لكن العبارة التالية تستوقفنا عندها قليلا: ” صحيح أن الإمكانيات التي يتوفر عليها المغرب محدودة، وصحيح أيضا أن العديد من المناطق تحتاج إلى المزيد من الخدمات الاجتماعية الأساسية…”، فالمغرب لا يعيق تطوره محدودية الإمكانيات فإمكانياته جد متعددة لكنها غير متوفرة وغير متاحة، إذ تسيطر عليها اللوبيات التي ترفض إقرار الحق في الثروة وترفض استفادة الجميع من هذه الإمكانيات فتجعلها بذلك امتيارات لها وحدها تحكم قبضتها عليها، فما يعيق المغرب حقا هو نهب المال العام والاستحواذ على موارده والافتقار إلى آليات ترشيد استغلال هذه الموارد والإمكانيات.

عن الموظفين والنخب الإدارية:

          إن حديث الملك عن الموظفين في محله، فعدم التزامهم باحترام أوقات عملهم أمر واضح للعيان وخاصة في يوم الجمعة، هذا اليوم الذي يعتبر آخر يوم من بين أيام العمل، بمعنى أن المواطن إذا فاته قضاء أغراضه الإدارية يوم الجمعة سيضطر إلى الانتظار إلى غاية يوم الإثنين، والحال أنه قد يكون مقيدا بآجال معينة أو بضرورات قصوى واستعجالية، فيوم الجمعة هذا يتعامل معه الموظف تعاملا خاصا يكاد ينسيه أنه يوم عمل وليس يوم عطلة أسبوعية، فنجده يعطي الوقت الكافي والفائض كذلك لتأدية صلاة الجمعة على اعتبار أنها عبادة متناسيا أن العمل عبادة أيضا، موليا الاهتمام لمصلحته الروحية المتمثلة في ثواب صلاة الجمعة جماعة (مصلحة فردية) مع أنه لن يزول الثواب بشكل نهائي عنه إن صلاها فردا (حسب المعطى الديني) على مصلحة المواطن (مصلحة عامة) التي سيترتب عنها تبعات فارقة وربما مصيرية إن لم تقضى. لكن ما يجب الوقوف عليه فعلا في حديث الملك عن الموظفين هو اعترافه بضعف رواتب الموظفين ” ويفضلون الاكتفاء براتب شهري مضمون على قلته…”. فهل هذا الاعتراف قد يعني أن الملك قد يعطي أوامره لإعادة النظر في الاقتطاعات التي طالت رواتب الموظفين وبالتالي إعادة النظر في خطة إصلاح التقاعد؟ أم أن كلامه هذا كان بهدف تحفيز الموظفين على العمل بجد وباجتهاد من أجل الارتقاء برواتبهم وبمراكزهم داخل الإدارة؟

          أما بالنسبة لتأكيده على أن ” ما يعيق تقدم المغرب هو ضعف الإدارة العمومية من حيث الحكامة أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات التي تقدمها للمواطنين”، فنؤكد من وجهة نظرنا هذا الطرح، لكن نضيف إليه بعضا من التحليل وهو أن مشكل الإدارة العمومية إضافة إلى المشاكل التي أحصاها الملك هو أنها لا تعمل بقاعدة (الرجل/المرأة المناسب/(ة) في المكان المناسب)، ولنتصور كيف ستكون القرارات الإدارية وكذا الاستراتيجيات المتبعة في دراسة الملفات والتقرير في المشكلات…، وهو فعلا ما نشهده من تخبط في إصدار الدوريات والمذكرات الإدارية وكذا التقسيمات الإدارية والقطاعية.

          وارتباطا بذات السياق، تحدث الملك عن المراكز الجهوية للاستثمار فاعتبرها عائقا أمام عملية الاستثمار، ولعلها إشارة إلى تحميله للمركز الجهوي للاستثمار بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة لجزء من المسؤولية على ما آلت إليه الأوضاع في الحسيمة على أساس أنها المنطقة التي تعتبر حاليا بؤرة التوتر. فهل سيطالب الملك بإعادة النظر في هيكلة هذه المراكز أم سيدشن حملة إعفاءات بها ومتابعات كذلك؟

        وقد عاد الملك في فقرات أخرى من خطابه لانتقاد أداء الإدارة، فاعتبر أن المسؤولين الإداريين وكذلك الموظفين لا يؤدون مهامهم، كما تعمق في الظاهرة عندما صور خروج المسؤول الإداري ووقوفه في الضوء الأحمر وقدرته على النظر إلى المواطنين الذين يعرفون مسبقا أنه لا ضمير له، صوره على أنه أمر في غاية الوقاحة مادام يستطيع فعل ذلك بدون خجل ولا حياء وكأن الملك يود القول أنه: ” لا حياة لمن تنادي” بمعنى أن هذه النوعية لا يمكن أبدا منحها الفرصة لا لإصلاح الذات ولا لإصلاح الوضع وبالتالي فلا مفر من الإعفاء من المهام والمحاسبة كذلك.

         إن طريقة توصيف الملك لهذا الوضع ولنفسية هذا النوع من المسؤولين الإداريين، يشير إلى أن الملك في خطابه هذا قد اعتمد أسلوب الوضوح والدقة (شرح ملح)، وهو بذلك يبين أنه على دراية وعلى اطلاع بحقيقة الأمر، الشيء الذي يدعوه إلى التأسيس لربط فعلي بين المسؤولية والمحاسبة بغض النظر عن المواقع والمراكز.

عن الأحزاب والنخب السياسية:

        لأول مرة يخرج الملك في خطاب ملكي بانتقاد شديد اللهجة للأحزاب السياسية، إذ اعتبر أنها لا تؤدي مهامها نهائيا، واعتبر أنها انسحبت من المهام الأساسية الموكولة إليها ( الوساطة وتمثيل المواطنين وتأطيرهم)، وبذلك صورها تصويرا مشوها؛ بحيث أنه وصفها بأنها مجرد أجهزة تتسابق عند تحقيق المكتسبات (الإنتخابات والمناصب) ولكنها في المسؤوليات تختفي نهائيا.

         ذلك أن الأحزاب السياسية التي توجد في الأجهزة التمثيلية (الحكومة) قد أضعفت الإدارة، وفعلا إن دورها قد تراجع وتركت القصر الملكي في الواجهة مع المواطنين. والواضح من كل هذا أن الملك قد يقدم على حل الحكومة والبرلمان كذلك وكل الهيآت المنتخبة مادام قد فقد ثقته في الأحزاب، وعلى العمل على تفعيل مبدأ المحاسبة في حق كل المسؤولين المتورطين، وذلك بمتابعتهم قانونيا. ويبقى السؤال المطروح هنا هل سيكون هذا مدخلا لتعديل في القانون الجنائي المغربي عبر إضافة جريمة خيانة الوطن إلى المجموعة الجنائية حتى نتحوز على نص قانوني يواجَه به “كل مسؤول عمل على توقيف أو تعطيل مشروع تنموي أو اجتماعي لحسابات سياسية أو شخصية”، كما أنه من الممكن أن ينخرط الملك في تعيين مناضلين مستقلين (غير منتمين للأحزاب) أو على الأقل غير متبنين مقاربة المصالح والمكاسب الشخصية التي يعتنقها أحزابهم تعيينهم في مناصب المسؤولية والقرار.

         أما بخصوص من اعتبرهم مسؤولين قد فشلوا في مهامهم ومع ذلك يعتقدون أنهم يستحقون منصبا أكبر من ذاك الذي فشلوا في تدبيره، فلعله يقصد أولئك الوزراء الذين تم إعفاؤهم في النسخة الأولى من حكومة السيد عبد الإله بنكيران ويلهثون الآن وراء نيل مناصب أخرى ومنهم فعلا من حقق لنفسه هذا الطموح مثل السيد أوزين. ولعل كلام الملك في هذا الباب يعني أنه غير راض على منح مناصب من هذا الحجم لمن سبق وتم إعفاؤهم من طرفه، وبالتالي قد يعمل الملك على تصحيح الوضع واتخاذ إجراء الإعفاء مرة ثانية في حقه.

موقف الملك من اقتصاد الريع:

         لقد حظي اقتصاد الريع بنصيبه من الخطاب الملكي، في إشارة إلى القطع مع الريع وإلى إفحام أغوال الريع الذين يستغلون سلطتهم ونفوذهم للاستفادة من امتيازات الريع، وهو ما يقود إلى ضرب مبدأ تكافؤ الفرص وإلى نهب المال العام، ولنا أمثلة في ذلك بخصوص الحصول على رخص الصيد في أعالي البحار ورخص استغلال مقالع الرمال والمناجم ورخص النقل وغيرها وكذا الاستفادة من الأراضي بأثمنة تفضيلية أو عن طريق تفويتات غير قانونية كما حصل في قضية ما يعرف بخدام الدولة. فهل يؤسس الملك من خلال خطابه للقطع نهائيا مع سرطان الريع الذي تتسع خلاياه بشكل منقطع النظير حتى بات منظومة قائمة الذات في المغرب؟ وهل سيتم القطع معه فقط أم سيتم تجريد كل من استفادوا من الريع من الرخص والامتيازات الممنوحة لهم خلافا للقانون ولمبدأ تكافؤ الفرص ولمبدأ المساواة؟

عن معيقات المشاريع التنموية:

         لقد خصص الملك جزء من خطابه لجرد معيقات اختياراته التنموية في إشارة إلى المشاريع التنموية التي دشنها ولم يتم إنجازها؛ بل وإن تعطيل إنجازها قد تسبب في احتقان اجتماعي في المنطقة، مركزا على عدم تغير العقليات وعدم القدرة على التنفيذ والإبداع وعدم اضطلاع المسؤولين السياسيين والإداريين بمهامهم كما يجب، وهو بذلك يؤشر على تنازله عن كل هؤلاء المتصفين بالأوصاف أعلاه، مفتتحا بذلك تعاقدا جديدا مع الكفاءات ذات العقليات المتطورة والمتقدمة والمواكبة والمطلعة وكذا الكفاءات ذات القدرة على الإبداع وعلى الأجرأة، ثم على السياسيين والإداريين المتحلين بروح المسؤولية والمدركين لجسامة مهامهم وأدوارهم في مسلسل البرنامج التنموي الذي يمضي فيه الملك. ولا شك أن إشادته في خطابه بإقلاع بعض الجهات واستقباله في حفل الولاء لرئيس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة إشارة إلى نماذج من المسؤولين الذين سيعتمد عليهم مستقبلا في مخططه التنموي.

من أجل تنفيذ الخطاب الملكي:

         ولهذا ولأجله، وبعد هذا الخطاب وتبعا لاعتماد الملك للغة واضحة ومباشرة تخللها أسلوب الوعيد، ننتظر من الملك أن يسهر شخصيا على تنفيذ الخطاب، فلا أحد بوسعه فعل ذلك، ذلك أن المعنيين بتنفيذ الخطاب هو نفسهم متورطون، ولنا في خطاب أين الثروة؟ مثال على ما نعرضه الآن، فقد ظل سؤال الثروة معلقا إلى الآن كما ظل الوضع على ما كان عليه. ويبقى على الملك أن يغير المسؤولين بشكل واسع ويعمل على خلق نخبة إدارية جديدة لتسهر على تنفيذ هذا الخطاب المؤسس للمحاسبة.                                                                     *   باحثة في القانون وعلم الإجتماع، فاعلة حقوقية وسياسية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.