بنكيران.. رئيس حكومة مغربية مكلف أم أمين عام لحزب مكلف؟

79

إن بلاغ الأمانة العامة لحزب “العدالة والتنمية” الصادر يوم الخميس 5 يناير 2017، يطرح سؤالا دستوريا لم يلفت إليه الحزب المذكور، يتعلق بالصفة الدستورية لبنكيران، هل هو رئيس حكومة مكلف أم أمين عام لحزب مكلف؟ وأساس هذا السؤال يتمحور حول صلاحية الأمانة العامة للحزب في إصدار بلاغات وبيانات تتعلق بالمشاورات الحكومية؟

وإذا كانت الفقرة الأولى من الفصل الـ47 من الدستور المغربي تنص صراحة على أنه”يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، “فهل يقبل دستوريا الفصل بين رئيس الحكومة المكلف عن مؤسسة وطنية دستورية لجميع المغاربة ولكل الوطن، وصفته كأمين عام للحزب المتصدر للانتخابات، طالما أن يملك الصفتين معا وصفته الحزبية وتصدره للانتخابات هي مصدر التكليف بتشكيل الحكومة؟

هذا السؤال يجيب عنه نص بلاغ الديوان الملكي الذي ورد فيه” تعلن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، استقبل زوال يومه الاثنين 8 محرم 1438 هـ الموافق ل 10 اكتوبر 2016، بالقصر الملكي العامر بالدار البيضاء السيد عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وعينه جلالته بمقتضى الدستور رئيسا للحكومة وكلفه جلالته بتشكيل الحكومة الجديدة “.

فتبعا للفصل 47 من الدستور ولنص التكليف الملكي بتشكيل الحكومة يكون بنكيران قد تجرد من الصفة الحزبية في مفاوضات تشكيل الحكومة ليصير رئيس حكومة مكلف لجميع المغاربة وللوطن وليس لفئة دون أخرى ،وهذا المنطق يفترض التعالي على الحزبية والانخراط في مهمة وطنية بقيادة تشكيل مؤسسة دستورية تمثل رئاسة السلطة التنفيذية في الدولة وهي احد السلطات الثلاث التي يحكمها مبدأ فصل السلطات .

ومبدا فصل السلطات يعني أن رئيس الحكومة المكلف ومنذ التعيين وقبل نيل ثقة البرلمان يجب عليه أن يحرص على استقلالية صفته كرئيس للحكومة مكلف عن السلطتين التشريعية والقضائية، وهذا يفرض عليه أيضا من باب أولى أن يستقل عن صفته الحزبية في مرحلة تشكيل الحكومة،لأن الدستور يتحدث عن تكليف رئيس حكومة وليس أمانة عامة لحزب معين تتحكم في رئيس الحكومة وتدير دفة مشاوراته وتجمع في بياناتها بين الصفة الحكومية والصفة الحزبية في خلط فاضح بينهما، لدرجة أن رئيس الحكومة المكلف لم يصدر أي بيان بصفته هاته، بحيث أن كل بياناته كانت تحمل الصفة الحزبية، مما جعله رئيس حكومة حزب مكلف وليس رئيس حكومة المغرب ولكل الشعب المغربي بجميع مؤسساته وأحزابه وهيئاته، لأنه ابتداء من التكليف أصبح دستوريا يمثل مؤسسة دستورية رسمية وطنية في طور التشكل، ومرحلة التشكل لا تعني طغيان الحزبية ولا تعني الارتماء في أحضان الجماعة، ولا تفسر مطلقا واقع الحال وتمظهراته اللادستورية التي جعلت الرئيس المكلف تحت سلطة الأمانة العامة للحزب، باعتبارها المسؤولة المباشرة عن سير المفاوضات، فهي التي تحدد نطاق تحرك رئيس الحكومة وتصيغ قراراته.

ولا شك أن هذا المنحى الخطير يضرب في العمق مكانة مؤسسة رئاسة الحكومة في الوثيقة الدستورية والبنيان الهرمي للدولة وفي نظرة الشعب للمؤسسة بأنها موحدة وتمثل الجميع، وهي صورة الدولة وقوتها، فحق لرئيس الحكومة المكلف بأن يتصرف باستقلالية كرئيس مكلف للحكومة المغربية وليس لحزب العدالة والتنمية، لهذا فالأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، وقعت في خطأ دستوري كبير لأنها لم تميز بين صفة امينها العام وصفة رئيس الحكومة المكلف، وراحت تخلط في بياناتها الحزبية بين الصفتين معا، وتعلن قرارات رئيس الحكومة المكلف في نص بلاغ الحزب، ولعمري هذه فضيحة دستورية بكل المقاييس، تستوجب من رئيس الحكومة والحزب إعادة النظر في العلاقة بينهما وفقا للدستور، فالأمر لا يتعلق بأمور الجماعة والحزب لأنه يخص الوطن وتشكيل المؤسسة، كما يفرض على الفاعلين السياسيين التنبيه لمخاطر هذه المنزلقات على المؤسسات الدستورية الوطنية وهيبتها .

ونختم بالإشارة ان الخطأ الدستوري هذا ليس خطأ عابرا، لأنه يكشف حقيقة عن عقيدة الحزب بكونه يحتكم للجماعة ولا يحتكم للدستور وللمؤسسات الوطنية وتمثل الشعب لها بما تعنيه من وحدة وقوة وانصهار الجميع فيها، كما أن هذا الانحراف الدستوري يساءل حقيقة مكانة الدستور لدى هذا الحزب ومدى توفره على الطاقات الحزبية الكفيلة بإخراجه من النفق المظلم الذي لا يؤمن بنظرية فصل السلطات ولا بمصالح الوطن والشعب؟

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

8 تعليقات

  1. simo serti يقول

    انحناءة إجلال و وقار لقاضي الشعب الشريف. .

  2. محمد يقول

    شكرا لأستاذ على انتباهه لهذا الخطأ الدستوري الذي وقع فيه أكبر حزب مخزني في المغرب.لكن في دولة مثل المغرب يتم خرق أصول و اساسات القانون وغلاظ الفصول الدستورية التي تضمن الحقوق الأساسية في الحياةو الحرية والكرامة وسواد القانون وحماية الاقليات فما بالك بالفروع والشكليات .

  3. boum يقول

    Ces fanatiques dépourvus d’esprit cartésien et de pensée scientifique ,rejettent toutes choses susceptible de mettre à nu leur thèse lacunaire reposant sur sensation de supériorité et de possession de la vérité absolue .
    La constitution, les institutions étatique sont des aberration, leur conception ne colle pas avec leur projet , et tous respect est une obligation et nom une conviction jusqu’à nouvel ordre.

  4. عبد الله يقول

    هؤلاء الأغبياء بالكاد يعرفون القراءة فبالأحرى فهم ما هو منسجم مع أو مخالف للدستور!!!! مقالك أستاذ يزيدهم قيمة لا يستحقونها!!!!! كفاهم فقط الحديث عن الزهد و التعفف مثل رهبان القرون الوسطى و هم في الحقيقة يلهثون وراء المصالح و يسيل لعابهم لها دون أدنى خجل أو حياء

  5. fenec يقول

    لم تميز بين صفة امينها العام وصفة رئيس الحكومة المكلف، وراحت تخلط في بياناتها الحزبية بين الصفتين معا، وتعلن قرارات رئيس الحكومة المكلف في نص بلاغ الحزب، ولعمري هذه فضيحة دستورية بكل المقاييس benkirane melange la chose publique et la chose partisane , c’est bien ça l’image des hypocrites et des charlatans de la politique , n’avait t-il pas dit un jour que sa mère était du parti de l’istiqlal et que ‘est pour cette raison il s’attachait à e parti , quelle médiocrité et quelle misère de la politique , le peuple se fout de la couleur politique de ta mère , ce qu’il veut c’est des programmes et des projets pour son développement et pour la sortie des crises sociales et économiques qu’il vit au jour le jour à ssi benkiran

  6. أبو سلمى يقول

    تحية احترام وتقدير للدكتور الهيني
    والله انني اعزك والمهدوي والحبيب والبقيوي والسباعي والجامعي

  7. منفي يقول

    شكرا جزيلا الأستاذ والقاضي النظيف سي محمد الهيني هذا أولا ،ثانيا في مايخص مقالكم المبني على قواعد دستوريا في بلاد الغاب التي يترأسها مجموعة من عصابات مخزنية و دينية على حد سواء ،والجهل ثم الجهل المتفشي في أغلبية المغاربة لا أستثني منهم حتى الذي يقرأ و يكتب ، عندما أشهاد مايجري في البلاد لا أجد تعريف للكلاخ الذي يعيش فيه الشعب المغربي ….!!في نظري يإما تم تلقيحهم بفيروس الذل و الركوع و السجود وهذا أكيد و بدون شك، يإما قبلوا بتحويلهم من بشر إلى حجر و صاروا نعاجا في صورة إنسان .بإختصار أريد أن أقول لديك الشلاهبي ديال بنكيران و رباعتوا أنثم تحسنون ثقافة الحيظ و النكاح ببعظم البعظ وأتركوا السياسة التي أفسدتموها بجنابتكم القدرة .لعنت الله عليكم جميعا.

  8. يوسف يقول

    يبدو ان اول مرة الاستاذ المحترم جانب الصواب في تحليله للموضوع باعتبار ان المبدأ الذي يجب حمايته والدفاع عنه هو الديمقراطية لان بنكيران عين كأمين عام لحزب العدالة والتنمية رئيساً للحكومة و ان صناديق الاقتراع هي التي أعطت له هذه المكانة وبالتالي ان اي تحرك يقوم به الرئيس المعين يجب ان يرجع فيها لاجهزة الحزب وليس لشئ اخر بما فيها مع من يتحالف او البرنامج الحكومي ….الخ.
    لان الاجدر والأحسن الرجوع الى هياكل الحزب أحسن بكثير من اتخاد القرارات من خارج الحزب وبالتحكم كما تعيشه باقي الأحزاب التي تفتقد لحرية اتخاد القرار.
    اما بيان الديوان الملكي فجاء فيه تكليف بن كيران كأمين عام حزب العدالة والتنمية الذي فرضته صناديق الاقتراع وبالتالي يجب احترام إرادة الناخبين باحترام قرارات الحزب ككل وليس امينه العام وهذه هي أقصى تجليات الديمقراطية التي يجب تكريسها مهما اختلفنا مع بن كيران وحزبه وسياساته.
    اما من حيث دلالات بيان الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية فهو بيان سياسي محظ يحاول من خلاله الحزب ضبط إيقاع تشكيل الحكومة بعد اخراج حزب الاستقلال مقابل اخراج الاتحاد الدستوري الذي يحاول الأحرار فرضه وكذا سد الطريق على الاتحاد الاشتراكي في المشاركة في الحكومة كرد الدين عن خدلانه لا بن كيران.
    وبالتالي البيان يحاول رد الاعتبار لبنكيران ولحزبه بإرجاع توازن القوى لصالحه في تشكيل الحكومة وإيقاف تسونامي اخنوش ومن وراءه في الكواليس فهل يفلح بن كيران وحزبه في ذالك ام اننا سنعيش حلقات إضافية في هذا المسلسل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.