إن بلاغ الأمانة العامة لحزب "العدالة والتنمية" الصادر يوم الخميس 5 يناير 2017، يطرح سؤالا دستوريا لم يلفت إليه الحزب المذكور، يتعلق بالصفة الدستورية لبنكيران، هل هو رئيس حكومة مكلف أم أمين عام لحزب مكلف؟ وأساس هذا السؤال يتمحور حول صلاحية الأمانة العامة للحزب في إصدار بلاغات وبيانات تتعلق بالمشاورات الحكومية؟

وإذا كانت الفقرة الأولى من الفصل الـ47 من الدستور المغربي تنص صراحة على أنه"يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، "فهل يقبل دستوريا الفصل بين رئيس الحكومة المكلف عن مؤسسة وطنية دستورية لجميع المغاربة ولكل الوطن، وصفته كأمين عام للحزب المتصدر للانتخابات، طالما أن يملك الصفتين معا وصفته الحزبية وتصدره للانتخابات هي مصدر التكليف بتشكيل الحكومة؟

هذا السؤال يجيب عنه نص بلاغ الديوان الملكي الذي ورد فيه" تعلن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، استقبل زوال يومه الاثنين 8 محرم 1438 هـ الموافق ل 10 اكتوبر 2016، بالقصر الملكي العامر بالدار البيضاء السيد عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية وعينه جلالته بمقتضى الدستور رئيسا للحكومة وكلفه جلالته بتشكيل الحكومة الجديدة ".

فتبعا للفصل 47 من الدستور ولنص التكليف الملكي بتشكيل الحكومة يكون بنكيران قد تجرد من الصفة الحزبية في مفاوضات تشكيل الحكومة ليصير رئيس حكومة مكلف لجميع المغاربة وللوطن وليس لفئة دون أخرى ،وهذا المنطق يفترض التعالي على الحزبية والانخراط في مهمة وطنية بقيادة تشكيل مؤسسة دستورية تمثل رئاسة السلطة التنفيذية في الدولة وهي احد السلطات الثلاث التي يحكمها مبدأ فصل السلطات .

ومبدا فصل السلطات يعني أن رئيس الحكومة المكلف ومنذ التعيين وقبل نيل ثقة البرلمان يجب عليه أن يحرص على استقلالية صفته كرئيس للحكومة مكلف عن السلطتين التشريعية والقضائية، وهذا يفرض عليه أيضا من باب أولى أن يستقل عن صفته الحزبية في مرحلة تشكيل الحكومة،لأن الدستور يتحدث عن تكليف رئيس حكومة وليس أمانة عامة لحزب معين تتحكم في رئيس الحكومة وتدير دفة مشاوراته وتجمع في بياناتها بين الصفة الحكومية والصفة الحزبية في خلط فاضح بينهما، لدرجة أن رئيس الحكومة المكلف لم يصدر أي بيان بصفته هاته، بحيث أن كل بياناته كانت تحمل الصفة الحزبية، مما جعله رئيس حكومة حزب مكلف وليس رئيس حكومة المغرب ولكل الشعب المغربي بجميع مؤسساته وأحزابه وهيئاته، لأنه ابتداء من التكليف أصبح دستوريا يمثل مؤسسة دستورية رسمية وطنية في طور التشكل، ومرحلة التشكل لا تعني طغيان الحزبية ولا تعني الارتماء في أحضان الجماعة، ولا تفسر مطلقا واقع الحال وتمظهراته اللادستورية التي جعلت الرئيس المكلف تحت سلطة الأمانة العامة للحزب، باعتبارها المسؤولة المباشرة عن سير المفاوضات، فهي التي تحدد نطاق تحرك رئيس الحكومة وتصيغ قراراته.

ولا شك أن هذا المنحى الخطير يضرب في العمق مكانة مؤسسة رئاسة الحكومة في الوثيقة الدستورية والبنيان الهرمي للدولة وفي نظرة الشعب للمؤسسة بأنها موحدة وتمثل الجميع، وهي صورة الدولة وقوتها، فحق لرئيس الحكومة المكلف بأن يتصرف باستقلالية كرئيس مكلف للحكومة المغربية وليس لحزب العدالة والتنمية، لهذا فالأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، وقعت في خطأ دستوري كبير لأنها لم تميز بين صفة امينها العام وصفة رئيس الحكومة المكلف، وراحت تخلط في بياناتها الحزبية بين الصفتين معا، وتعلن قرارات رئيس الحكومة المكلف في نص بلاغ الحزب، ولعمري هذه فضيحة دستورية بكل المقاييس، تستوجب من رئيس الحكومة والحزب إعادة النظر في العلاقة بينهما وفقا للدستور، فالأمر لا يتعلق بأمور الجماعة والحزب لأنه يخص الوطن وتشكيل المؤسسة، كما يفرض على الفاعلين السياسيين التنبيه لمخاطر هذه المنزلقات على المؤسسات الدستورية الوطنية وهيبتها .

ونختم بالإشارة ان الخطأ الدستوري هذا ليس خطأ عابرا، لأنه يكشف حقيقة عن عقيدة الحزب بكونه يحتكم للجماعة ولا يحتكم للدستور وللمؤسسات الوطنية وتمثل الشعب لها بما تعنيه من وحدة وقوة وانصهار الجميع فيها، كما أن هذا الانحراف الدستوري يساءل حقيقة مكانة الدستور لدى هذا الحزب ومدى توفره على الطاقات الحزبية الكفيلة بإخراجه من النفق المظلم الذي لا يؤمن بنظرية فصل السلطات ولا بمصالح الوطن والشعب؟