أقرت مختلف التجارب الدستورية المغربية اعتبار نظام الحزب الواحد غير مشروع، و في هذا الاتجاه اعتمد المغرب نظام الانتخاب النسبي على اساس اكبر بقية انساجما مع هذا الاتجاه و مع طبيعة المجتمع المغربي المتنوع الذي لا يستحمل أن يحتكر الحكم حزب واحد فقط، فالتعددية الحزبية هي ضرورة أساسية لتطبيق الخيار الديمقراطي بشكل أسلم، و مبدأ عام ملزم للجميع يتيح إمكانية التداول على السلطة بين الأحزاب عن طريق انتخابات عامة ونزيهة.
وضمن هذا المنحى لا يمكن قبول استغلال أي فصيل سياسي لطبيعة التعددية للوصول إلى الحكم والقضاء على جوهره التعددي تحت أي شعار ديني أو بادعاء دور تاريخي قيادي.
ان واقع فوز العدالة و التنمية و ما بات يعرف بالبلوكاج الحكومي، ينبهنا لهذا الخطر بحيث بات الحوار يدور في حلقات مفرغة جراء عجز رئيس الحكومة المعين عن تأطير حوار عقلاني رغم حسن النية التي يدعيها، و تسطيره لخطوط حمراء في المفاوضات برفض الطروحات البديلة و النقد من خارج "جدرانه" وحتى من داخله. لأن أغلب الأفكار والقرارات تأتي من قمة الهرم الحزبي.

التمسك بأخنوش غير مفهوم بالمنط الديمقراطي، بحيث كان يستطيع أن يقدم تشكيلة حكومته في اليوم الذي أكمل فيه المشاورات وحصل على موافقة الاستقلال والاتحاد والتقدم، بدل انتظار اخنوش . طبيعة المنطق الحكومي الذي يريد بنكيران ان يسير به الحكومة هو منطق ابوي يتناقض مع المنطق المؤسساتي، كلنا شهدنا كيف تنصل من إشرافه السياسي على الانتخابات، و كيف لم يثق في التعليمات الصارمة للملك لضمان انتخابات نزيهة و شفافة، اما تهره من التحكيم الملكي فبرره بدعوى عدم إحراج الملك، و تبنى تأويل لم يأتي به الدستور و الفقه الدستوري، بمبرر كون الملك حكم فقط بين المؤسسات الدستورية؛ و هذا التاويل ا يريد من خلاله أن ينزع من الملك سلطته التقديرية.
فالعقلية الابوية لبنكيران فيها خطر على التوجه الجماعي نحو المأسسة لكون منطقه لا يستوعب الاختلاف معه ، فاحتلاله المرتبة الاولى في انتخابات 7 أكتوبر و التعيين الملكي له، ، ولد لديه احساس بسلطة على الجميع دون حقوق متبادلة رغم وجود فارق.
فهو لا يريد أن يفهم بكون رئاسة الحكومة باعتبارها مؤسسة تجعل من رئيسها المعين محكومة في مشاوراته بأجندة اقتصادية وسياسية بصيغة تعاقدية مع الفرقاء أو الحلفاء المفترضين وفق برامج عمل وخطط علمية و عملية واضحة، على أساس تصور واضح يبلور في إطار برنامج حكومي على ضوءه ينال ثقة البرلمان، هذا البرنامج لا يكون رهينا بشخص بل ببرامج وخطط عمل، يكون على اساسه التحالف و على اساسه اختيار طاقم العمل و اعضاء الحكومة و المرجع لأي عضو حكومي وفق الدور المنوط به في تنزيل الأجندة الحكومية ، غير أن المنطق الأبوي لرئيس الحكومة جعل من مؤسسة الحكومة ، حضورا بإرادة شخص ، وسيادة وأولوية لمصالح حزبه على مصالح الشركاء العاملين فيها.
و هنا تبدو حقيقة تشبثه بالتجمع الوطني للأحرار الذي يلخصه في شخص اخنوش، في كون حزب العدالة و التنمية لا يتوفر على مشروع اقتصادي و أطر ذات كفاءة قادرة على تدبير المشاريع الكبرى، والاستجابة لطرح اخنوش في اخراج حزب الاستقلال يمس بالمنطق الابوي لرئيس الحكومة الذي يريد نهجه في تدبير الحكومة و الذي يفترض تواجد تناقض بين الأحزاب المشكلة للحكومة بشكل يمكنه من التحكيم وفق توازنات الطرفين المتصارعين؛ و هو الامر الذي يفسر نهج بنكيران لخطة تفاوضية تعمل على التفاوض بين كل الأطراف بشكل منفرد و شفوي و على أساس المقاعد عوض البرنامج، مستخدما لتحقيق هذه الغاية أساليب مختلفة في التفاوض؛ بداية بتوسيع قاعدة المشاورات؛ لضمان التنافس بين الأحزاب للحصول على أحسن العروض التي تمكنه من تحقيق مكاسب حزبية ذاتية. و في المرحلة الثانية اتجه إلى سلك خرجات إعلامية تارة ذات منحى هجومي خاصة على التحالف بين الأحرار و الاتحاد الدستوري بوصفهم بالأحزاب المعطوبة، و تارة أخرى بالمنحى الدفاعي عبر الضغط الإعلامي و إفشاء سرية المفاوضات في محاولة لجر الشركاء السياسيين عن طريق التدرّج خطوة بخطوة للاستحواذ عليهم، كما حاول الاستفادة من تناقض وضعية حزب الاستقلال الذي يريد الدخول للحكومة بأي ثمن عقب إحساسه بالخذلان من حلفاء الأمس، و استثمر حكاية شباط الذي يتحدث عن مؤامرة ؛ هدا التصادم استثمره جيدا من خلال عرقلته لتشكيل أجهزة مجلس النواب، بربط غير مفهوم دستوريا بين تشكيل أغلبيته الحكومية وربطها بانتخاب هياكل مجلس النواب مما شكل انحباسا مؤسساتي.
تمسكه بحزب الاستقلال هو مناورة ظاهرها البروز بمثابة الرجل المتمسك بالكلمة و بإرث الحركة الوطنية ،و باطنها محاولة خلق التوازن داخل الحكومة تمكنه من لعب دور الأب من خلال جعل شباط يأخذ حربا بالوكالة ضد الخصوم السياسيين من أجل أن يكون هو المحدد الوحيد للتوازن داخل الحكومة، من خلال تحريك كل شريك سياسي ضد الآخر في إطار عام محدّد مسبقا.
و لهذا هو لم يستجب لدعوى لشكر في الإعلان عن تشكيل الحكومة بمعزل عن الأحرار و في نفس الوقت رفض طلب أخنوش لتشكيل الحكومة بمعزل عن الاستقلال.

و كشف بنكيران عن سرية المفاوضات و طلب من اخنوش التخلي عن حزب الاستقلال ضمن هذا المنحى، بحيث بدأ شباط في توجيه مدفعيته نحو أخنوش في المقابل اتجه بنكيران لإظهار انه يلطف ويهدئ ويقترح الحلول الوسطى مع اظهار بعض المقاومة والتمنع. بغية جر اخنوش لتقديم بعض التنازلات في إطار لعبة الطيب والفظ لكن هذا التكتيتك بات مفضوحا و من الصعب أن يخدع مفاوضا محنكا. خاصة و أن هذا الأسلوب مكشوف
لكي يتمكّن من تحقيق غرضين مهمّين أولهما اختراق الجبهة الداخلية للأحزاب و الثانية، الضغط على الخصوم بغية خلخلة الموقع التفاوضي.