إن قضية صلاح الدين الخاي تسائل ضمير جميع أجهزة العدالة من شرطة قضائية ونيابة عامة وقضاء التحقيق وقضاء الحكم، وتكشف عن أزمة عميقة عنوانها غياب العدل والانصاف، والتسرع في إثبات التهمة على شخص بريء، وإدانته من أجلها بالسجن المؤبد بدعوى اعترافه بجناية القتل العمد ضد صديقه، في محضر الاستماع إليه أمام الشرطة القضائية، وبمناسبة تمثيل الجريمة رغم انكاره أمام قاضي التحقيق وغرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بآسفي، وتأكيده تعرضه للتعذيب بمخفر الشرطة القضائية، لأن الاعترافات بحسبه انتزعت منه، لكن المريب في الأمر أنه لا النيابة العامة ولا قضاء التحقيق ولا هيأة الحكم حققت في الدفع بالتعرض للتعذيب، بحيث رفضت الطلب دون تعليل، مما طرح أكثر من تساؤل عن سر تجاهل أو رفض التحقيق في الطلب الذي كان سيغير وجه النظر في القضية .

ولم يقتصر إهمال حقوق الدفاع بالنسبة للمتهم على هذا الخرق، بل رفض أيضا ملتمس الكشف عن المكالمات بين مشتبه فيهم مفترضين والضحية الهالك ونفس الامر بالنسبة لملتمس إحضار القرص الصلب للكشف عن التسجيلات الرقمية للأشخاص الوالجين لمنزل الضحية الهالك طيلة الأربع وعشرين ساعة تبتدأ من يوم قبل الحادث إلى اليوم الذي يلي وقوع الحادث.

وإذا كانت غرفة الجنايات الاستئنافية قد صححت الأوضاع بالحرص على صيانة حقوق الدفاع بالاستجابة لبعض ملتمسات دفاع صلاح الدين الخاي فإن أكبر مفاجأة سجلتها اطوار المحاكمة في الطور الاستئنافي والتي أكدت فرضية الخطأ القضائي هو ظهور نتائج الخبرة التي رفعها المختبر العلمي للشرطة القضائية بالبيضاء للمحكمة، والتي أكدت أن البصمات بمسرح الحادث لا تمت بصلة لصلاح الدين الخاي، وإنما تتعلق بستة أشخاص غير معروفين.

وإذا كانت نتائج الخبرة قد سجلت ارتياحا كبيرا وسط أسرة صلاح والحقوقيين وهيئة الدفاع فإن ما أزعج الجميع هو اخفاء نتائج الخبرة لأكثر من سنة ونيف حسب التاريخ الوارد بالخبرة مما يؤكد فرضية محاولة الاخفاء أو التلاعب بها لاسيما وأن متهمين مفترضين تشير اليهم الاصابع مرتبطين بالأجهزة الأمنية أو ممن لهم ارتباط مصالح بها .

ان هذا التطور النوعي في سير المحاكمة التي عرفت حضور ملاحظين حقوقيين عن المجلس الوطني لحقوق الانسان وجمعية الدفاع عن حقوق الانسان قابلته النيابة العامة بجحود او نكوص كبير رافقه تعنت في مواصلة البحث عن الحقيقة، اذ أعاقت عن سبق اصرار وترصد كشف الحقيقة، بحيث تلكأت في تنفيذ قرار المحكمة بالكشف عن المكالمات، وكلفت الشرطة القضائية بالسهر على التنفيذ بتنسيق مع شركات الاتصال، لتكون المفاجأة أن الشرطة وضعت جداول بسجل المكالمات، دون أن تدلي بمصدره، لأنها أخفت مراسلات شركة الاتصال عن النيابة العامة والمحكمة، وهو ما جعل دفاع صلاح الدين ينتفض على السلطة القضائية معتبرا أن الخبرة لا تستحق أن تكون حتى غلافات للكاوكاو والعطرية، لأنها خالية من مصدرها ومحتواها واصحابها.

وقد كانت المحكمة حكيمة ومتبصرة في التعامل مع ملاحظات هيئة الدفاع التي طالبت باستبعاد لنيابة العامة من تنفيذ الامر بكشف المكالمات الهاتفية، لكي لا تعبت بمضمونها، وأمرت بتكليف مباشر لشركات الاتصال بإنجاز الخبرة عن طريق كتابة ضبط المحكمة.

وهو ما لم يكلل بالتنفيذ، مما استدعى مرة ثالثة تكليف مفوض قضائي بالسهر على الإشراف على التنفيذ، ولازالت شركات الاتصال إلى حدود اليوم تتلكئ في انجاز المأمورية.

إن هذا المسلسل البئيس في تعثر انجاز كشف المكالمات يعتبر قمة العبث والهذيان، فكيف أن مقررا قضائيا صادرا عن هيئة بحجم غرفة الجنايات الاستئنافية لا ينفذ ولا يحترم لا من طرف النيابة العامة ولا من طرف الشرطة القضائية ولا من طرف شركات الاتصال، لا شك أن في الامر استصغار خطير لأحكام ومقررات القضاء ومساس بهيبتها وقدسيتها، فكيف سيحمي القاضي حقوق وحريات الناس وهو عاجز عن تنفيذ قراراته؟ وكيف لمن يصدر أحكام ابشان حرية الناس والاعدام أن يتم اعدام قراراته بدون خجل ولا حياء؟ أين سيادة القانون وأين الشرعية وأين انفاذ القانون ؟

ان تفويض القضاء لمهام تعتبر من صميم النيابة العامة والشرطة القضائية لكتابة ضبط المحكمة او مؤسسة المفوضين القضائيين يعكس ازمة الثقة ويهدر دور النيابة العامة في تمثيل المجتمع والدفاع عن المظلومين .

ان هذا الجانب المظلم في التحقيق النهائي الذي تشرف عليه المحكمة قد تخفيه نقطة الضوء الوحيدة في الملف بعد تقرير البصمات ،هو سعة افق المحكمة واستماعها لجميع الاطراف المعنية وسهرها على تحقيق المحاكمة العادلة بالرغم من تحفظي على عدم احترام الاجل المعقول للمحاكمة.

انني حزين جدا بسماع مرافعات الدفاع كقاض سابق تمرغ سمعة النيابة العامة في الملف لأنها وقفت عاجزة عن الدفاع عن الحقيقة، وتحاول ليّ يد المحكمة عن اتخاد اجراءات البحث أو التحقيق، وتقدم مرافعات متحيزة للمطالبين بالحق المدني والمتهمين المفترضين بالملف، لأنها ضاقت سعة صدرها في مساعدة العدالة وتحاول طي الملف واغلاقه بسرعة ولو على حساب العدالة والحقيقة.

وهذا يفرض على مؤسسة النيابة العامة مستقبلا حفظا لسيادة القانون ولماء وجهها أن تقف على مسافة واحدة بين جميع الاطراف والدفاع عن الحق والقانون.

ويبقى أهم انتقاد للمحكمة هو اصررها على رفض السراح المؤقت رغم تقرير الخبرة المبرئ لساحة صلاح الدين الخاي، وتسجيلها عدم تعاون باقي اجهزة العدالة في كشف الحقيقة، لان الاعتقال الاحتياطي يبقى تدبيرا استثنائيا، لأنه يتنافى وقرينة البراءة.

اننا نخاطب ضمير العدالة على اعتبار اقتناعنا ببراءة صلاح الدين الخاي، لانه ضحية خطأ قضائي مستمر والمطلوب رفعه باعتباره يرقى لاعتقال تحكمي مشوب بالشطط في استعمال السلطة لغياب اي دليل او قرينة يدينه، فالاصل هو الحرية، ولئن يخطئ القاضي في العفو خير من يخطئ في الادانة .

ان ثقتنا في عدالة المحكمة في الطور الاستئنافي مسلم بها، لانها وقفت على حجم الخروقات التي مست مبدأ المحاكمة العادلة، وسعت الى تجاوزها بحنكة وكفاءة عالية، والكل ينتظر منها ان تكون منصفة وحيادية وعادلة، لان المتهمين المفترضين الفاعلين الحقيقيين خارج القضبان، ويسعون لإفساد العدالة، كما عبثوا بها من قبل، باعتبار صفاتهم ومراكز نفوذهم .

فليس لصلاح الدين إلا ضميره وثقته في براءته وصبره على كل الظلم الذي عاناه ولا يزال، لأنه ليس هناك اكثر من فقدان الحرية تعسفا وجورا .

ان أسرة صلاح الدين مكلومة لأنها ترى فلذة كبدها في السجن دون وجه حق وبعد أن ناشدت ملك البلاد رفع الشطط عنها، ها هي اليوم بمعية كل ضمائر الوطن والجمعيات الحقوقية تناشد السلطة القضائية بإنصاف ابنها وفك أسره ومنحه حريته، لأن الحرية اغنى ما نملك وأعز ما نفقد .

اتمنى ان تصل صيحتنا لمن يجب، لأنها صيحة مظلوم بريء، لم يساوم القتلة الحقيقيين المتحصنين بقوة المال والجاه والسلطة، لقاء أموال زائلة وفانية كما كانوا يحلمون، إني اتهم.

ان صلاح الدين الخاي صاحب ضمير وكرامة، صبر على المحنة والالم، وينتظر بشوق املا قريبا بالإفراج، فمتى موعدنا؟

محمد الهيني مراقب حقوقي للمحاكمة عن جمعية الدفاع عن حقوق الانسان