الهوية الجماعية لمغرب الغد

34

لن أضيع ما تبقى من عمري في البحث عن خيط السنارة التي جرفته أمواج البحر، ولن أساعد نفسي في تغييب الأفق من ذاكرتي الموشومة بأحداث وواقع علمتني كيف أحب الغد، و كيف أقاوم العنف بكل أنواعه وأشكاله. كما لن أسقط أبدا في فخ التمييز لأغراض طائفية أو شقاقية، أريد أن يصنفني أصدقائي وأعدائي كمغربي، وليس تصنيفا آخر.
الأنبياء كانوا تقدميون وحداثيون في زمنهم، والدليل هو أنهم أتوا برسالات جديدة ولم يكونوا تابعين للخلف وللسلف وللسابقين. فلماذا نبخص الأنبياء في زمننا ونحشرهم في متاهاتنا باسم الدين؟ كبرنا وكبرت أحلامنا، لكن ما ينقصنا هو نقل الشعور بروح الهوية الجماعة وقيمها للمدرسة. تلك المدرسة التي لازلنا لم نفتح أبوابها لأبناء المغاربة بعد، لكي نعلمهم معنى الهوية الجماعية، والحق والصدق بدل الكذب والبهتان.
فبعد انهيار المسيحية في أوروبا بسبب التنوير والثورة الفرنسية، كرد فعل على محاكم التفتيش والأصولية المتعصبة والحروب المذهبية والطائفية، فكر “أوغست كونت” في بلورة مفهوم جديد للدين، مفهوم كوني واسع وأشمل للبشرية جمعاء، مفهوم قائم على الحب وتجاوز الأنانيات الشخصية والمصالح العابرة للبشر، وهذا البديل هو ما دعاه “دين البشرية”. ومعلوم أن “كونت” هو صاحب نظرية المراحل الثالث التي تتحكم في كل الحضارات وهي: المرحلة اللاهوتية الدينية، والمرحلة الميتافيزيقية، وأخيرا المرحلة الوضعية أو العلمية الحديثة. وما قد نستفيد من هذا التراث وغيره، هو أن رغم ما عاشته الإّنسانية من صراعات هوياتية، كان لابد للعقل أن يكون متفوقا، وكان لا بد من الحاجة إلى الحوار المفتوح والاختيار الحر.
للأسف، كانت المدرسة سببا في شقائنا، لأنها لم تجعلنا نكبر في إندماج متكامل، وبالتالي لن ألوم المغربي “عالم الإعلام الجديد” عن ما ينشره من سموم كل يوم باسم الدفاع عن “الشرعية التاريخية والدينية” وزد عليها “الشرعية الانتخابية”. لقد علمتني الجراح الاجتماعية والمآسي الإنسانية أن الدين (أي دين) لا يمكن أن تكون له الأولية على العقل. الأولوية يجب أن تكون لبرامج تربوية ولبرامج المساواة والعدالة، الأولوية يجب أن تكون لبرامج اقتصادية وطنية وتنافسية، الأولوية يجب أن تكون لبرامج ثقافية وعلمية وبيئية، الأولوية يجب أن تكون لبرامج تنموية شاملة تهدف إلى تحقيق كل الحاجيات الأساسية للإنسان، الأولوية يجب أن تكون لبرامج تجعل المغاربة سفراء هوياتهم وحضاراتهم وعاداتهم وتقاليدهم في كل بقاع العالم من أجل علاقات الأخوة والصداقة وحسن الجوار، والدفاع المشترك على قيم السلم والديمقراطية وحقوق الإنسان.
فأي إيمان أعمى فوق العقل، لن أقبله. كما لن أقبل أي تصنيف للناس باسم الدين أو باسم أقسام منفصلة محبوسة داخل صناديق الاقتراع أو غيرها. أنا إنسان حر، لدي أصل جغرافي ومهنة، ولدي انتماء سياسي وذوق فني، ولدي اهتماماتي والتزاماتي، ولدي عاداتي واحتياجاتي، ولا أقبل من يرهبني ويخيفني باسم الاستقواء بالنكوصية دفاعا عن “الشرعية التاريخية والدينية”، لأن مغرب الغد هو الذي يهمني، وهو الذي أناضل من أجله، وأنا على يقين تام بأن جيل الغد هو الذي سيحسم الانتقال إلى المرحلة العقلانية، وسيعيش من دون ديناصورات متزمة، ومن دون عقائد مذهبية تقليدية، ومن دون إنبطاح ديني أو إيديولوجي.
إن الحريق الذي التهم أشجار التقدمية وكنوز الديمقراطية، وأسقط أوراق التنوير، جعل الهوية الجماعية غائمة، تأكل ماضيها وتدفن أنبياءها.
ورغم ذلك، ورغم ما يكتبه وينشره المغربي “عالم الإعلام الجديد” من أساطير الرعب والضغط، تبقى التراجيديا اليوم، هي السياسة..كما قال أوغست كونت.
إن تحديد ماهية الحركة الاجتماعية التي دشنها من جديد شهيد الحكرة “محسن فكري”، تحمل في ثناياها صورا جديدة لمغرب الغد، والذي لن يشبه أبدا مغرب الأمس، لأن حركة التغير الاجتماعي لن تكون سوى حركة التاريخ المتسارعة، تفرض رؤى متنوعة وتدعو إلى نظريات جديدة، لن ينفع معها افتتاحيات “ما تطلبه النخبة من بنكيران، أو ديمقراطية دون ديمقراطيين، ألخ”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليق 1

  1. جديد يقول

    المقال جمع بين أمرين، الأول معقد يحتاج إلى بسط في القول و الثاني مفهوم.
    الأول له علاقة بهوية مغاربة الغد، لا يمكن مقاربة هذا الموضوع بعبارات عاطفية فضفاضة، كان على الكاتب الكريم تعريف منظوره للحداثة و ماذا يعني بالعقل و الدين. ليس هدفي الحكم بل أسعى إلى فهم مقصودك.
    هوية مغرب الغد لن تختلف في جوهرها عن هوية اليوم التي هي نسخة شبه أصلية لهوية ما بعد هزيمة معركتي ايسلي و تطوان في أواسط القرن 19. هنا بدأت الصدمة القيمية و الحضارية. منذ ذاك الحين و المغربي يعيش مذبذبا بين انتساب إسلامي مالكي قديم و بين منظومة قيمية غربية جديدة.
    هذه الإزدواجية القيمية (المتناقضة) ستبقى ما بقيت النخبة عندنا طائفتين: الأولى متنكرة للدين زاهدة في هديه و الثانية مقلدة جاهلة معرفيا بعالم اليوم.
    عود على بدء، أما الأمر الثاني (من بين أُخر) الذي عالجه المقال فهو العدالة الإجتماعية، نعم أحسب أن ميزان القوى بين الحاكم و المحكوم سيتغير لكن ذلك لا يعني بالضرورة بروز هوية جديدة ينتسب إليها كل المغاربة كحال الإنجليزي اليوم مع هويته مثلا. السبب كما أسلفت هو الإزدواجية القيمية التي ترجع إلى كون نُخبتنا كسولة و كوننا لا نقرأ، و أن المغربي (كباقي العالم العربي) كَلّ على مولاه بتعبير القرآن، و مولاه هنا هو ذاك الغرب القوي.

    يقال إن إسبانيا تتُرجم من الكتب سنويا ما يُعادل ما تترجمه كل الدول العربية جميعا، و إن أكثر الكتب مبيعا في العالم العربي هي كتب الطبخ و الجن و الفاهم يفهم…
    الطريق مازال طويلا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.