القيم ليست وسيلة نقل جماعية

63

يعتقد كثير من الناس أن القيم منظومة واحدة ثابتة ومغلقة بإحكام، وتشمل الجميع بنفس الشكل، ما يستوجب حتما حراستها بكل الوسائل التحكمية، ومن هنا يتخيلون القيم مثل حافلة نقل جماعية أو قطار يستوجب أن يصعد إليه الجميع ليسير بهم في نفس الاتجاه ويصل بهم إلى نفس الهدف.
والحقيقة أن الناس لا يأخذون حتما نفس الحافلة ولا نفس القطار، ولا يسيرون بالضرورة في نفس الاتجاه، كما أنهم لا ينزلون جميعا في نفس المحطة، وقد يرغب كثير منهم في تجنب وسائل النقل العمومية واستعمال سياراتهم الخاصة، أو التنقل مشيا على الأقدام. إن بداهة الحياة الاجتماعية وإبداعيتها تشبه كثيرا هذا المثال.
الذين يعتقدون في نمطية القيم وثباتها هم ضحايا الانطلاق في التفكير في قضايا المجتمع من فكرة “الجماعة”، عوض الانطلاق من واقع الفرد ذي الحقوق الأساسية وواجبات المواطنة. حيث يؤدي التفكير انطلاقا من “الجماعة” إلى السعي إلى التنميط والتأحيد والحراسة والمراقبة، وبالتالي إلى عنف الدولة وعنف المجتمع، وهي أوضاع تنتهي إلى تكريس التخلف والجمود بشكل حتمي، كما تبنى فيها العلاقات بين الدولة والأفراد على أساس ثقافة الخوف والعقاب والانتقام. بينما يؤدي الانطلاق من الفرد إلى الاعتراف بالحق في الاختلاف وبمسؤولية الدولة في رعايته وتدبيره، وبسمو القانون ومساواة جميع الأفراد أمامه دون تمييز، وبالتالي إلى التسامح واحترام الناس بعضهم بعضا، وكذا إلى شحذ ملكات الإبداع والتجديد لدى الأفراد.
وتعكس البلدان المختلفة هذا الواقع بشكل واضح لا غبار عليه، ففي المجتمعات القائمة على فكرة الحرية والمساواة يعيش الناس أنماطا من العيش مختلفة يختارونها بأنفسهم، وقد تتراوح بين أقصى درجات المحافظة وأكبر مستويات الانفتاح، ويبقى ضابط الحياة الاجتماعية هو الاحترام القائم بين الجميع، وكذا حرية التعبير للكل وحرية ممارسة الاختلاف من خلال مظاهر اللباس والأكل والشرب والاحتفال بالأعياد والمناسبات وغيرها. وهذا لا يعني أنّ كل شيء مباح بالطبع، لكن الحدود الفاصلة بين حريات الأفراد والضوابط الاجتماعية تتميز بمرونتها واتساعها الكبير. بينما في المجتمعات القائمة على فكرة النظام القيمي الوحيد، وهي في الغالب المعتمدة سواء على العقيدة (السعودية ـ إيران) أو على الإيديولوجيا (كوريا الشمالية)، لا يعود نمط الحياة إلى اختيار الأفراد، بل إلى الدولة التي تفرض وصايتها على الكلّ، مما يدفع الناس إلى وضع الأقنعة الخاصة بالفضاء العام، بسبب الخوف من السلطة، وهي الأقنعة التي يزيلونها في بيوتهم وحياتهم الخاصة، حيث يمارسون حريتهم “مستترين”.
ومن بين نتائج التفكير في المجتمع انطلاقا من “الجماعة”، واعتبار الفرد مجرد عضو محكوم بالذوبان التام في بوتقة التقاليد، النظر إلى الأفراد كما لو أنهم مجموعة مساجين مراقبين ومدانين ومشبوهين، أي متهمين جميعا إلى أن تثبت براءتهم، وهذا هو سبب مشكل الحريات في البلدان الإسلامية، وهو ما يجعل أن الكثير من هذه البلدان رغم تمتعها بثروات طبيعية وفائض العملة، لا تعرف “جودة الحياة”، لأن هذه الأخيرة مرتبطة أيضا، بجانب عوامل الرفاهية المادية، بمقدار الطمأنينة الاجتماعية التي يحققها شعور الأفراد بالسعادة، التي تكمن بنسبة كبيرة في حرية اختيار نمط الحياة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.