الـــمـــلــكـ الـــمُـــعـــارض

26

مرة أخرى يلبس ملك المغرب محمد السادس جلباب المعارضة، وينتقد حكمه في خطاب رسمي موجه إلى الشعب. حدث هذا أمس الخميس بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لتوليه حكم المغرب. فماذا قال الملك وهو يعارض حكمه؟

قال الملك إن فئة واسعة من الشعب المغربي تعاني من “ظروف الحياة القاسية، وتشعر بأنها مهمشة”. وهذه الفئة، حسب الخطاب الملكي، موزعة على العديد من المناطق الهامشية والأحياء العشوائية بضواحي المدن و على الالاف من القرى والبوادي على امتداد خارطة المغرب الجغرافية، قدر الخطاب عددها داخل القرى والبوادي فقط بـ 12 مليون نسمة، أي أكثر من ثلث سكان المغرب، تعيش داخل أكثر من 29 ألف قرية، تعاني من الخصاص وتفتقد إلى أبسط وسائل الحياة الأساسية من ماء وكهرباء وطرق ومدارس وخدمات اجتماعية أساسية.

الملك اعترف بأن “إقامة المؤسسات، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها”، في إشارة إلى ما يوصف في المغرب بالإصلاحات السياسية التي أقدم عليها على إثر الحراك الشعبي الذي شهدته البلاد بتأثير من رياح “الربيع العربي”. كما اعتبر أن “النمو الاقتصادي لن يكون له أي معنى، إذا لم يؤثر في تحسين ظروف عيش المواطنين”، في إشارة إلى ما يصفه الإعلام الرسمي المغربي بسياسة “الأوراش الكبرى” التي تستنفذ الكثير من ميزانية الدولة ولا تصل ثمارها إلى فقراء الشعب. انتقاد الملك طال كل مجالات الحياة من تعليم وصحة ودبلوماسية وأوضاع الجالية المغربية في الخارج، ودعا إلى وضع حد “للدوامة الفارغة لإصلاح الإصلاح”، في إشارة واضحة إلى كل خطابات الإصلاحات الرسمية التي يكون هو المبادر بها والمشرف عليها.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يستعير فيها الملك خطاب المعارضة غير الرسمية، بما أن سقف خطاب الملك يفوق بكثير مستوى خطاب المعارضة المؤسساتية الممثلة داخل البرلمان. وقد سبق له في عدة مناسبات سابقة وفي خطب رسمية أن وجه نقدا لاذعا لحكمه، عندما تساءل ذات خطاب: أين ذهبت ثروة المغرب؟ ولماذا لم يستفد منها الفقراء؟ هذا التساؤل الذي طرحه الملك قبل سنة مازال معلقا بدون جواب، وعاد أول أمس ليؤكد بأن لاشيء تغير.

ثمة من يفسر استعارة الملك في خطبه الجديدة لخطاب المعارضة الاحتجاجية في الشارع وشعاراتها التي تتحدث عن “صيانة كرامة المواطن”، وهي العبارة وردة في آخر خطاب ملكي، بمحاولة احتواء الأصوات المحتجة خاصة وأن أغلبها غير مؤطرة سياسيا أو نقابيا. فالمغرب الذي عاش حراكا شعبيا فاجأ النظام نفسه، دفع الملك إلى تبنى أسلوب استباقي في الخطاب يتماهى مع شعارات الحركات الاحتجاجية في الشارع. وقد نجحت هذه الخطة حتى الآن في امتصاص غضب جزء من الشارع وأكثر من ذلك في توجيه سهام النقد والغضب إلى الحكومة التي يكاد لا يرد أي ذكر لمنجزاتها في خطب الملك.

الأمر لا يتعلق بنقد ذاتي للملك الذي ظل يحكم لوحده منذ 16 سنة، وإنما بسعي إلى كسب مزيد من الشعبية على حساب الحكومة والأحزاب والنقابات التي تم تدجينها. يحدث هذا في بلد قتلت فيه السياسة التي لا تزدهر إلى في مناخ يربط ما بين المسؤولية والمحاسبة. وعندما نعرف أن الملك، حسب الدستور المغربي، هو المسؤول الأول عن رسم السياسات العمومية الكبرى لبلاده، وهذا المسؤول، يضعه نفس الدستور فوق كل محاسبة، ندرك حجم المفارقة الصارخة عندما يريد ملك يحكم بمفرده أن يتحول إلى معارض وحيد لملكه!

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

8 تعليقات

  1. سعيد فصيح يقول

    تحليل منطقي يوضح ما كمن بين الأسطر، لكن تنقصنا الجرأة في وضع الإصبع على الجرح.

  2. frustré يقول

    Je vous salue monsieur ali pour votre corage…
    je dirai tout simplement que S.M continue à invistire dans l’ignorance des marocains…un peuple qui continue à voir le prtrait de son bourreau sur la lune.

  3. brahim khouya يقول

    تحليل جميل يصعب على من يقدمون انفسهم محللون على رأس مراكز دراسات أن يقولوه فكل مرة يخطب الملك يجتهد هؤلاء “المحللون” في من يقدم أحسن وصف و يبقى تعبير “خطاب تاريخي” أحسن ما توصلوا اليه فكل خطاب يصبح تاريخيا لكن لا نعرف هل أكثر من ممن سبقه أم أقل، عوض أن يمتلك هؤلاء الشجاعة لتقديم قراءة نقدية لخطب الملك و مساعدته في تحديد مكامن الخلل تجدهم يصفقون و يرددون الكلام كالبغاوات.
    عودة لمقالك أخي علي لماذا لا نقل أن هذا الخطاب ردا على بن كيران حينما قال أن الملك هو من يحكم و ليس رئيس الحكومة؟؟؟؟ نعم قد يكون الأمر نوع من التماهي في ممارسة الشعبوية لكن الى متى فمع التكرار سيصبح هذا الخطاب مستهلكا و معتادا و بدون نتيجة،

  4. استهلاك للوقت يقول

    هل كان من الضروروي اطلاق خطاب كهدا قبيل الانتخابات ؟ الا يعني انحياز لطرف ضد طرف ؟ هل التوقيت برئ ؟ من يقرأ الخطاب يعتقد انه كتب من طرف حزب معارض للحكومة كحزب البام او الاستقلال مثلا ؟ بن كيران قال ان الملك هو الدي يحكم ؟ و الملك بهدا الخطاب كمن يحاول ان يخلي مسؤوليته ؟ الا يعتبر دلك محاولة للهروب للامام و التضليل واستغباء الشعب ؟ نتمنى من الملك ان يتحلى بالشجاعة و يعلنها صراحة بانه هو المسؤول الاول ويبدأ اصلاحات جدية تبدأ بتسهيل تقديم الفاسدين للقضاء ورفع الغطاء عن الاخرين و الا كانت مثل هاته الخطب استهلاكا للوقت فقط

  5. mohammed يقول

    ماذا سيقول عراب الحكومة بن كيران؟هل تنفذ سياسة الملك ؟بمعنى هل هو المسؤول؟عليك ان تعرف انك مسؤول امام الشعب بمنحك دستورا تطبقه.فبتسترك على المفسدين وعدم اخراجك للقوانين الزجربة ومحاسبة ناهبي الصناديق وقتل القوة الشرائية للمواطنين ورفع الدعم بهذه الطريقة هو ما اوصلنا الى ما نحن فيه

  6. الخائف على بلده. يقول

    كعادتك أخي علي من هذا الموقع الشريف تطل علينا بتحليل موضوعي محايد يبتغي استهداف الحقيقة لا غير , فعلا فملك البلاد ينتقد نظامه وحكومته بالكلام فقط , ولا شئ تغير,بل الامر من ذلك يستمر هذا النقد غير المجدي في ظرف حساس يتعرض فيه بلدنا للخطر بسبب تقادم ظاهرة الفساد وما ترتب عنها من أزمة عامة تجر الوطن الى الانهيار لا قدر الله.

  7. Andre Duncan يقول

    Merci Ali pout cette analyse pertinente et courageuse,
    Je suis d’ accord avec vous, je crois personnellement que le discours royal est une farce. Le probleme principal du Maroc est la monarchie elle meme. Recemment, le roi a passe ses vancances (une semaine) en Grece, la facture royale pendant une semaine s’ eleve a 5 millions d’ Euros. http://greece.greekreporter.com/2015/07/30/the-king-of-moroccos-big-fat-greek-vacation/
    Le grand perdant est le peuple Marocain.

  8. محمد أيوب يقول

    تناقض كبير:
    رأيي أن هناك تناقضا بين ما يرد في مختلف خطب الملك وبين الممارسة في ارض الواقع…كل من يتتبع الشأن العام ببلدنا يعلم مكمن الخلل..كما يعلم أين يوجد مصدر القرار…وفي رايي الشخصي فان الحكومة الحالية وأخواتها السابقات وتلك التي ستأتي بعدها ليس لديها سلطة القرار اطلاقا…اليوم حكومة المصباح وقبلها حكومة الميزان والوردة وغدا حكومة الجرار:عراب المخزن الجديد…ومع ذلك لن يتغير شيء لأن الأمر ببساطة يعود الى غياب ديموقراطية حقيقية…فالملك حينما صرح في تقديمه لمشروع دستوره بأنه سيصوت عليه بنعم يكون قد دق مسمارا غليظا في نعش تأسيس الديموقراطية الحقيقية…وحينما يشير الملك الى ضرورة تشبث الشعب بمذهب الامام مالك رحمه الله تعالى فان السؤال يطرح:هل نطبق مذهب امام دار الهجرة في العبادات فقط-على اهمية ذلك-أم يجب تطبيقه في كافة مناحي الحياة بما فيها المعاملات؟ماذا يقول المذطهب في الخمر والربا والرشوة والفساد وأكل أموال الناس بالباطل والتهميش والاقصاء والمحاباة وترك الصلاة باخراجها عن وقتها بمناسبة الاجتماعات والسفور وتعاطي المخدرات وما الى ذلك مما يموج به واقعنا؟ترى ماذا كان سيكون موقف الامام مالك من كل ذلك وأكثر لو أنه عاش بيننا؟أم ترانا نلجأ الى مذهبه في أحكام الحيض والنفاس وبعض العبادات فقط؟نحمد الله على الاستقرار الذي نعيشه،لكن ثمنه غاليا جدا…واذا كان الملك يقوم بمبادرات سامية على مختلف المستويات تروم تحقيق تنمية متوازنة تستهدف مختلف فئات الشعب فان ذلك يبقى محدودا لأن الخصاص كبير جدا جدا ولا يعرفه الا الذين يعانون منه في أقاصي المغرب غير النافع…خلاصة القول:انني لا ألوم الحكومة اطلاقا لأنها كسابقاتها وكتلك التي ستأتي بعدها:مجموعة من الموظفين السامين يتمتعون برواتب سمينة وبتعويضات أسمن تمكنهم من تكديس الثروة مقابل تبرير عمل المخزن وتزكيته وتحمل أخطائه وتمرير قراراته الصعبة…يكفي أننا لم نشاهد أي تطبيق لشعار محاربة الفساد الذي كان من ضمن شعارات الدكاكيكين/الأحزاب السياسية للحكومة الحالية…بل يجب أن نتذكر ما كان يقوله بنكيران وحزبه في حق مزوار حليفهم الجديد في هذه الحكومة…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.