العماري يكتب: على هامش “محنة” ابن حنبل و”محنة” بنكيران

41
طباعة
في خرجة إعلامية مدروسة، حرص السيد عبد الإله بنكيران، المكلف بتشكيل الحكومة على قاعدة نتائج سابع أكتوبر، على وضع ربطة الميكروفون مكان ربطة العنق، ليتخطى كلامه جدران البيت الذي استقبل فيه شبيبة حزبه، ويتوجه، بتسجيل صوتي جيد بأحدث التقنيات، إلى من يهمهم الأمر. وقد غلبت على رسالته المشفرة نبرة القول الديني المطلق الذي يخفي وراءه رسائل سياسية ظرفية لا يحتاج العاقل إلى كثير من الجهد لرفع الحجب على مراميها.

اجتهد السيد عبد الإله في إفحام مريديه بأن الهدف الوحيد الذي قام ويقوم عليه حزبه وحركته هو لله عز وجل، و”كل أملنا وكل هدفنا هو الصبر على ما نعانيه حتى نلقاه عز وجل ونحن لم نبدل ولم نغير، وما بدلوا تبديلا…” يقول السيد رئيس الحكومة المكلف. ولم يتردد في التصريح بـ”أننا جئنا لأننا اخترنا الله ورسوله…”، وأن الإصلاح هو روح ينشرها قومه وستتعمم، وأن “نتائج الانتخابات هي نصر مبين من الله”، وأن قومه هم الأمل الوحيد، ليس فقط عند الحركات الإسلامية في العالم، إنما عند العرب والمسلمين قاطبة.

ما يسترعي انتباه المنصت لتسجيل السيد عبد الاله هو براعته في الخلط بين القول الديني والخطاب السياسي، إلى حد أنه قد يصعب على من لا يتابع سياقات الفعل السياسي الراهن في بلادنا تحديد الزمن الحقيقي لكلامه. وقد يشرد بك الذهن، وأنت تستمع إليه، ليرجع بك إلى تقلبات تاريخية مازالت عالقة بذهن المطلعين على التاريخ السياسي والديني لعصر المأمون العباسي. لاسيما عندما تَطْرُق طبقاتِ أذنك عباراتٌ من قبيل: “الصبر على ما نعانيه حتى نلقاه عز وجل ونحن لم نبدل ولم نغير..”، أو “الامتحان” مثل الذي نجح فيه المرحوم عبد الله بها، أو حتى عبارة من حجم “المحنة”، والتي سرعان ما انتبه إلى ثقل حمولتها التاريخية ليتراجع، في آخر التسجيل، عن الإقرار بغرقه في أتونها “لا لا لست في محنة…”.

ألا تشفع هذه المناورات اللغوية والخطابية التي تنضح بها هذه الأقوال بركوب مغامرة المقارنة بين “محنة” عبد الإله بنكيران أواخر 2016 ومحنة أحمد ابن حنبل أواسط القرن التاسع للميلاد؟

لا يليق السياق باستعراض تفاصيل محنة الإمام أحمد ابن حنبل بسبب ما عرف بـ”خلق القرآن”، وما تعرض له من سجن وتعذيب وتنكيل بسبب رفضه القول “بأن القرآن محدث وليس قديما”؛ لأن هذه القضية المعروفة في تاريخ الإسلام اختلف في شأنها المؤرخون، وأُلفت حولها كتب وأطروحات علمية كثيرة.

بيد أن ما يغري بالمقارنة هو الخلاصة التي انتهى إليها بعض المفكرين، التي تفيد بأن التهويل الإيديولوجي والسياسي من “محنة ابن حنبل”، رغم ثبوت وقوعها في كتب التاريخ المحايدة، كان بفعل إصرار الحنابلة، على مر التاريخ، على توجيه تهمة التنكيل بالإمام أحمد إلى المعتزلة الذين يقولون بـ”خلق القرآن” وينفون قدمه، وكأن قصة “المحنة” دبرتها الفرقة التي كانت تدافع عن”العقل”، ونفذها عنها نيابةً المأمون والمعتصم والواثق.

فرغم أن “المحنة”، كما يقول الفيلسوف محمد عابد الجابري وآخرون، لم تكن مجرد “اختلاف” في فهم النصوص الدينية بخلفية عقدية وفكرية، بل كانت مظهرا من مظاهر “الخلاف” السياسي المرتبط بأمور الدولة؛ فإن أتباع ابن حنبل، من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب إلى الحركات الإسلامية، ظلوا يرددون أن ما تعرض له الفقهاء من أهل الحديث والسنة كان من فعل خصومهم الإيديولوجيين من المعتزلة وأنصار العقل.

ولعل من يعيد الإنصات لمظلومية “محنة” بنكيران لن يجد صعوبة في استنتاج إصراره على إلصاق “محنته” المزعومة بخصومه الإيديولوجيين الذين يحاول، جاهدا، تقديمهم في صورة قوم “لم يختاروا اللهَ ورسولَه” ولم يحالفهم “النصر المبين من الله عز وجل”. وما كان ينقصه في خطبته العصماء هو اختلاق اختلاف مع خصومه الحزبيين حول قضية عقدية تحاكي قضية “قدم القرآن الكريم أو حدوثه”، لينسب “محنته” لأناس يقولون بـ”خلق القرآن” وهو يقول بـ”قدمه”.

يبقى على عاتق المؤرخين والمحللين، بعد انقشاع سحابة الخداع والمكر، أن يكشفوا عن الخلفيات السياسية والبراغماتية والظرفية التي جعلت السيد عبد الإله بنكيران يتخيل نفسه متقمصاُ لوضع أحمد بن حنبل في “محنة” كانت محنة حقيقية، ليراه قوم غير “قومه” أنه في محنة مزعومة جوهرها سياسي محض وقشورها دينية مصطنعة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

12 تعليقات

  1. أبو نوح يقول

    أشك في أن هذا المحرر من قلم العماري لما لمسته فيه قبل من خلال خطاباته أمام أنصاره ومن خلال ما يلقى في اليوتيوب من مقاطع متفرقة ركاكة وضعف في اللغة والتعبير،هذا من جهة
    من جهة أخرى المحنة الحقيقية هي مانعيشه من ذل وفقر وبطالة وبيروقراطية وظلم واستبداد …. فرضهما النظام منذ عقود وساهمت فيه مايسمون
    أنفسهم أحزاب ظلت وستبقى مهللة ومزغردة للوضع فقط من أجل نيل بعض مايجود به النظام من فتات

  2. mowatineanam يقول

    إذا كان ابن كيران هو الإمام حنبل فإن كاتب المقال هو سيبويه!
    على من تضحكون؟

  3. أحمد يقول

    أقدر عاليا مقالة الاستاذ الياس العماري وتحليله الذي وجدته رصينا ومبدعا ودقيقا رغم الاختلاف السياسي معه ، وأريد في هذه العجالة التطرق لموقفين احدهما يخص الاستاذ العماري والاخر يخص رئيس الحكومة المكلف .
    فأما ما تعلق بالسيدالياس العماري وحزبه الاصالة المعاصرة أعتقد أن طريقة التعاطي معه يحيطه الكثير من الاجحاف والتنطع والتلفيق ومن أكبر الجهات الضليعة في شيطنته والافتراس عليه هو التيارات الدينية المتطرفة وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية والجهات المحسوبة عليه ، واعتقد ان التيارات اليسارية لم تنخرط في هذه المواجهة المفتعلة بالشكل الذي انخرطت فيه التي هذه الجهات الانتهازية ذلك ان اليسار يصارع الفساد والاستبداد في تجلياته الكبرى ولا يشخصنه في تنظيمات حزبية مهما كانت لها روابط مع الجهات العليا وهو يعي جيدا ان القصر له نفوذ في العديد من الاحزاب بما فيها اليسارية والاسلامية ايضا وليس في الاصالة والمعاصرة مما يجعله لا ينخرط في مثل هذه المزايدات الضيقة والسخيفة ..
    وأما ما تعلق برئيس الحكومة فأعتقد أن خطاباته وخرجاته الاعلامية تحمل تضخما نرجسيا متفاقما يجعله يعتقد الطهرانية والقداسة والكمال بموجب حصوله على عدد من الاصوات التي احتل بها المرتبة الاولى .. وامام هزالة عدد المشاركين في التصويت والتسجيل في اللوائح الانتخابية سيظهر لكل متتبع حصيف ان هذه النسبة لا تشكل اية افضلية ولا اي اكتساح ولا اية شرعية ديمقراطية تسمح له بالتعجرف ومواصلة خطابات الاستئصال والاستفراد والتحكم ، ولعل مواصلته هذا النمط من الخرجات الوضيعة سيقحمه في دائرة الرغبة في الاستفراد بالحكم والوصي على رقاب الناس ليرفع بطاقات صكوك الغفران لمن شاء وصكوك الإدانة لمن خاصمه وعاداه وقتما شاء وكيفما شاء وبمبررات دينية واهية مصطنعة، الشيء الذي سيقحم البلاد في احتقانات لا تحمد عقباها يمكن ان يتدخل فيها الملك وتتدخل احزاب كثيرة بالعرقلة والمواجهة والاصطدام ونضطر الى الدخول في احتمالات افشال التأسيس الديمقراطي الفتي في هذا البلد بسبب سلوكيات القيادة المتهورة لحزب العدالة والتنمية …

  4. الشافعي يقول

    هي في الحقيقة محنة حلق القرآن وليست محنة أحمد بن حنبل كما يروج الحشوية الذين طالتهم محنة خلق القرآن يقول السيوطي في تاريخ الخلغاء ص 286 وفي سنة ثمان عشرة امتحن الناس يقصد الخليفة المامون العباسي بالقول بخلق القرآن
    الذين امتحنوا في محنة خلق القرآن كانوا جماعة كبيرة من يسمون بعلماء السنة والجماعة منهم كما يروي السيوطي احمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي وابو حسان الزيادي وعلي بن ابي مقاتل والفضل بن غانم وعبيد الله بن عمر القواريري وعلي بن الجعد وغيرهم كثير وكانوا من عصبة المحدثين وكان من اكبرهم شيخ البخاري نعيم بن حماد وعندما نقلوا للمامون الخليفة ماقاله احمد بن حنبل جوابا على اختباره وكان قوله هو كلام الله لاازيد على هذا فقال المامون واما احمد بن حنبل فاعلمه ان امير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وافته بها الحاصل ان الحشويين ساهموا قديما في هزم الامة ولايزالون ولله المشتكى

  5. Ziryab يقول

    أما المحنة التي أنت فيها فجوهرها الشرعية الشعبية و قشورها الديموقراطية الحداثية

  6. Hamid يقول

    لاحول ولا قوة الا بالله حتى امثال العماري يكتبون اَي كتابة هذه وأي اُسلوب ينهجه في كتابته ويعطينا امثلة بين بنكيران واحد رموز الين الاسلامي والله ان العماري لايستحق حتى ان يكون خماسا او رباعا او اقل من ذلك لانه ليس اهل حتى يكتب لانه دون مستوى ثقافي حتى يتكلم فبالاحرى ان يكتب انقلبت الآية وأصبح الجهلاء يتكلمون والمعروف عند الجميع ان العماري علماني وعدو الاسلام وعميل امريكا وإسرائيل والفاهم يفهم

  7. moha يقول

    جميل أن نقرأ لزعيم سياسي كتابات يناقش القضايا المعاصرة . أما الداعية فلا تنتظر منه إلا ألفاظا من قاموس متعالي .

  8. moha يقول

    جميل أن نقرأ لزعيم سياسي كتابات يناقش القضايا المعاصرة . أما الداعية فلا تنتظر إلا ألفاظا من قاموس متعالي .

  9. سلامة موسى يقول

    المحنة هي التي سيعيشها الشعب مع حكومة اخرى يتراسها بنكيران لا تعليم لا سكن لا صحة لا اجور لا عمل لا توظيف لا راحة لا عدالة لا حرية صحافة …فقط حديثهم على اجورهم وارباحهم وتوظيفات ابنائهم وبناتهم ومنح ابنائهم خارج المغرب ومرسيديساتهم وقصورهم وفيلاتهم ورحلاتهم …
    بقراءة سريعة لكتاب الشهيد الدي قتله اخوان مصر المرحوم فرج فودة “الحقيقة الغائبة ” يتضح ان تاريخ العالم العربي الاسلامي كله ماساة مند 1438 سنة وان الخمس سنوات التي عشناها ماهي الا امتداد لهدا التاريخ اي التجهيل والتفقير والبؤس والاكتئاب والامراض النفسية والعصا لمن يعصى ….والقادم ادهى وامر .

  10. Kurt Bernstein يقول

    الله يَرْحَمْ ليكُمْ الْوالِدينْ

    ماتَبْقاوْشْ تْڭولو لَحْوايَجْ الْخايْبَة عْلى الدِّينْ دْيانّا

    الدِّينْ دْيانّا هُوَ لَمْخَيَّرْ

    وْ وَخَّا تْشوفو شِحاجَة ماشي تَّلْهيهْ فالدّينْ دْيانّا مَتْدَكْروهاشْ

    وَيْلى دْكَرْتوها ( شِحاجَة ماشي تَّلْهيهْ فالدّينْ دْيانّا ) رَغَتْرَجْعو وُزَارا

    لِأنَّ سيدْنا بَنْ كِرانْ جْزَمْ بِأَنَّ إِمّا الْواحَدْ يْكونْ وْزيرْ وَ إِمّا يَمْشي للجَّنَّة

    وْكَنْظُنّْ أَنَّهُ مَباقيشْ باغي يَرْجَعْ وَزيرْ لِأنَّ الجَّنَّ أَحْسَنْ

  11. ب.عبدالواحد يقول

    قريبا سيدعي السيد بن كيران أنه هو المهدي المنتظر . بالنسبة لي المكان المناسب لهدا الرجل هو جامع الفناء بمراكش.

  12. عبد الله يقول

    بنكيران لديه محنة مع كثرة الحزاق!!!! و من الأفيد له و للمغاربة أن يترك هذه البلاغات الغبية التي يحفظها عن ظهر قلب من الكتب الصفراء التي يدمن على قراءتها أتباعه في الدجل و نكاح الصباح

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.