العماري يكتب: استفتاء تركيا حول عاصمة الخلافة

211
طباعة
بعد صراع طويل ومرير حول طبيعة الدولة في تركيا، استطاع رجب طيب أردوغان أن يمرر التعديلات الدستورية التي تمنح لرئيس الجمهورية صلاحيات أوسع، وتُحوِل بذلك تركيا إلى دولة ذات نظام رئاسي.

قد يظهر للبعض أن ما يحدث في تركيا اليوم مجرد تنافس سياسي وإيديولوجي بين جبهتين متعارضتين، الأولى تتشبث بالنموذج الأتاتوركي والأخرى تدافع عن النموذج الأربكاني، غير أن قليلا من التمعن يقودنا إلى أن رهانات النموذج الذي يتزعمه أردوغان له جذور في المرجعية الفكرية للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا، والتي تهدف إلى إعادة نموذج الخلافة الإسلامية.

وإذا استحضرنا كون هذا الهدف تتباين فيه المواقف بين التيارات الإسلامية المختلفة، حول سبل تحقيق دولة الخلافة وشكلها وحدودها؛ فإن طموح أردوغان يبقى ليس مجرد تثبيت السلطات في يده كرئيس لتركيا، وإنما شرعنة إطلاق مسلسل إعادة بناء دولة الخلافة الإسلامية التي أحياها في تاريخنا المعاصر الإخوان المسلمون، ومقرها في تركيا.

وكما هو معروف، سواء من خلال التصريحات الرسمية واللقاءات المعلنة، أو من خلال المعلومات التي لم تكشف بعد، فإن أردوغان يعتبر من المنتسبين الأوائل إلى المدرسة الإخوانية في تركيا، ومن الشباب الأوائل الذين زاروا المركز الاسلامي بهامبورغ عام 1962، باعتباره أول خلية للإخوان المسلمين بأوروبا، حيث التقى بصهر البنا، صاحب المركز، والمسؤول عن مالية التنظيم (هذه المعلومات متضمنة في كتاب سيصدر لي قريبا حول تحولات الجماعات الإسلامية: التنظيم العالمي للإخوان المسلمين نموذجا).

وقد برز حجم انخراط أردوغان وانتصاره للإخوان من خلال رعايته لمؤتمراتهم في تركيا، ومن خلال استضافة قياداتهم؛ وهو ارتباط يجد أيضا مرجعيته في العلاقة القوية التي كانت تربطه بقُدوتِه السياسية نجم الدين أربكان، الذي أعلن ولاءه للإخوان منذ تحالفه مع الحركة النورسية التي كانت تُدَرِس رسائل حسن البنا وكتب الإخوان المسلمين.

ولا يخفى على أحد مدى تجذر الرغبة في إعادة دولة الخلافة مع تنظيم الإخوان المسلمين التي أسس مرجعيتها حسن البنا في مصر، والتي يعتبر أردوغان أحد تلامذته الأوفياء. والكل يتذكر الشعار الذي رفعه مؤسس التنظيم عندما اختلف مصطفى باشا النحاس مع القصر، وخرجت جماهير الوفد تهتف “الشعب مع النحاس”، فسَير حسن البنا مظاهرات مضادة تصيح: “الله مع الملك”، وأطلق الإخوان على الملك فاروق لقب الخلافة “أمير المؤمنين”.

إن مرامي طيب رجب أردوغان، من خلال توطيد السلطات بين يديه، ليست فقط مسألة تدبير سياسي لشؤون الدولة أملته ضرورات حماية النظام التركي من الانقلابات العسكرية، وإنما هي مرامي ما وراء-وطنية تستجيب لحلم مؤسس الإخوان حسن البنا، وتسعى إلى إعادة الخلافة الإسلامية التي يكون مركزها تركيا العثمانية.

وحتى إذا كان أردوغان من الأوائل الذين احتضنوا قيادات التنظيم من مصر وفلسطين وغيرها من الدول الإسلامية، فإن هذا التعاطف كان يخفي هدفا إستراتيجيا، وهو أن تتحول تركيا إلى مركز الثقل للنموذج الإسلامي، وعاصمة الخلافة المنشودة؛ فتعاطفه الظاهر مع مرسي وإخوانه، واستضافته لإخوان حماس في غزة وغيرها، هو تعاطف ظاهري فقط، لأنه هو المستفيد الأول من ضعف الإخوان في مصر، مادام أن حلمه هو رجوع مركز الثقل إلى تركيا.. وهو يسعى جاهدا من خلال امتداداته المختلفة إلى نقل قيادة الإرشاد لدى الإخوان من مصر إلى تركيا، كما أنه يسعى، على غرار أمراء قطر، إلى تقديم نفسه كوسيط قوي بين الإخوان المسلمين وأنظمة الغرب؛ وما إعادة توطيد علاقاته بالكيان الصهيوني إلا دليل على أن تعاطفه مع مرسي كان ظاهريا فقط؛ فبحرصه على استرجاع هذه العلاقة وتعميقها اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، فهو يسعى إلى تعزيز قوته الداخلية وتوطيد حضوره الإقليمي.

إن هذا التوجه الإستراتيجي لتركيا أردوغان له انعكاس داخلي ينذر بأمور خطيرة. فتاريخ تركيا الذي جعلها تعتبر من الدول القليلة على الصعيد العالمي التي تتبنى العلمانية دستوريا مكنها من نموذج فعال لحماية التعدد الداخلي، رغم التحالف المستمر بين المؤسسة العسكرية التركية وحلفائها المدنيين وأردوغان الإخواني في عدم الاعتراف بحقوق الأكراد، والسعي إلى تصفية حوالي 28 مليون كردي.

كما أن جغرافية تركيا تضعها في موقع يجعل مشروع إعادة بناء الخلافة في اصطدام مع مشاريع تتنافس داخل رقعة ينتشر فيها أكراد العراق سوريا وإيران، ما يجعل قرارات أردوغان وسعيه إلى أخونة البلاد تهددان تركيا بالسقوط في حرب أهلية. ولا يخفى أن طموحاته الخارجية تُعَرِض تركيا لمواجهة عنيفة مع القوى الإقليمية التي لها الإستراتيجية نفسها، والتي سبق أن أشرت إليها في حوار مع جريدة الاتحاد الاشتراكي أواخر سنة 2012.

إن المنطقة تتواجد فيها أربع قوى لها المشاريع التوسعية نفسها، فهناك إسرائيل القائمة على التوسع والاستيطان وعلى ضمان أمنها ومصالحها من خلال توسعها العسكري في المنطقة، ثم إيران باستعمالها للطائفية الدينية (التشيع) وهاجسها التاريخي بتحقيق حلم الإمبراطورية الفارسية، والحركة الوهابية كوجه ثان للخلافة الإسلامية العثمانية التركية التي تعتبر أن الجزيرة العربية هي العاصمة التاريخية والدينية لدولة الخلافة، وليست تركيا الأتاتوركية، وتركيا نفسها التي تحلم باسترجاع الإمبراطورية الإسلامية العثمانية.

وداخل هذه الساحة الملغومة تصبح نزعة الهيمنة والتحكم والأستاذية -وفق التعبير الإخواني- التي يسعى إليها أردوغان لقيادة العالم الإسلامي وإحياء الخلافة العثمانية سببا كافيا للاصطدام مع المشاريع الإقليمية التي لها الطموح نفسه.

هذا دون أن نغفل حجم الجالية التركية المتشبعة بالثقافة العلمانية التي تعيش على التراب الأوروبي، والتي تعتبر أن طموح أردوغان يسعى إلى تقويض القيم العصرية التي ناضل من أجلها الشعب التركي منذ سنة 1924.

باستفتاء 16 أبريل، يكون أردوغان قد أطلق مغامرة يعلن من خلالها الحرب الدينية والأهلية والحضارية والثقافية داخل تركيا وخارجها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

9 تعليقات

  1. ب.عبدالواحد يقول

    ما يهم شعوب العالم هو العيش الكريم و الحرية ، أردوغان سياسي محنك ، كعمدة اسطانبول حول هده الأخيرة الى جنة و كرئيس لتركيا ، حول بلاده الى قوة اقليمية عسكريا و اقتصاديا . فبصراحة من أراد أن يفيد بلده فاليتعلم منه .

  2. Boucine يقول

    كاتب حقير يسوق لنا فوبيا الاخوان
    انت لست وصي على الشعب التركي اما السيد اردغان من حقه ان يفعل ما يشاء ما دام الشعب صوت له
    القافلة تسير والكلاب تنبح

  3. Lamzabi يقول

    اخيرا أصبح كاتبا أو مكتوب ل

  4. سعيد أس يقول

    أتمنى أن يعيد صاخب المقال قراءة مقاله مرة أخرى حتى يستشف مدى حقارة المكتوب وسخافة أفكاره وحقده الدفين للمرجعية الإسلامية التي ما فتىء يكررها متى أتيحت له الفرصة. ولكن الله متم نوره ولو كره المشركون.

  5. معلق يقول

    كلام هذا الرجل يعتمد على “معلومات لم تنشر بعد” كذا صرح في نصه هذا ، في استبلاه كامل لعقول القراء. قمة العلمية …
    فهل من احد يريد ان يشتري مطبل دولي للثوراة المضادة للربيع العربي بعد ان بارت تجارته في بلده و حمل عنه خنوش المشعل .

  6. عادل يقول

    أردوغان حقق لتركيا نموا في العديد من الميادين بالأرقام رغم المشاكل التي تعرفها المنطقة لازال صامد لقد جعل الشعب التركي مرفوع الرأس و يحق للهم الإفتخار بهذا الرجل
    أما العرب فلا يتقنون غير الكلام….كيف يتجرأ العرب على إنتقاد أردوغان و هم لم يحققو لشعوبهم سوى الذل و المهانة قليل من الحياء
    ألا تستحيون عندما تنطقون إسم أردوغان!!!

  7. مغربي حر يقول

    كتب غسان درباس:

    هذا هو اردوغان .. فمن أنتم ؟؟
    ومن الذي يستحقّ ولائي التام ؟؟
    و هل أردوغان زعيم حزب ام زعيم أمّة أم رمز من رموز الإسلام؟
    ام علينا واجب قوميّ عروبي للعمل على إسقاطه وفضحه لإرتكابه السافر
    للجرائم التالية بحق بلاده وشعبه ودينه؟؟
    دعونا نتأمّل ونرى بعض اقترافاته وحماقاته ..

    1- الناتج القومي لتركيا المسلمة عام 2013 حوالي ترليون ومائة مليار دولار وهو يساوي
    مجموع الناتج المحلي لأقوى اقتصادات ثلاث دول في الشرق الاوسط ايران السعودية
    الإمارات فضلا عن الاردن وسوريا ولبنان.

    2- أردوغان قفز ببلاده قفزة مذهلة.. من المركز الإقتصادي 111 الى 16 بمعدل عشر
    درجات سنوي مما يعني دخوله الى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار ( G-20 )
    في العالم.

    3- العام 2023 يوافق إنشاء الدولة التركية الحديثة وهو التاريخ الذي حدده اردوغان لتصبح
    تركيا القوة الاقتصادية والسياسية الأولى في العالم..وسينجح والأيام بيننا..

    4- مطار اسطنبول الدولي أكبر مطار في اوروبا ويستقبل في اليوم الواحد 1260 طائرة
    فضلا عن مطار صبيحة الذي يستقبل نصف هذا العدد ..

    5- الخطوط الجوية التركية تفوز كأفضل ناقل جوي في العالم لثلاث سنوات على التوالي.

    6- في عشر سنوات زرعت تركيا مليارين و 770 مليون شجرة حراجية ومثمرة !!

    7- تركيا صنعت للمرة الأولى في عهد حكومة مدنية أول دبابة مصفحة وأول ناقلة جوية
    وأول طائرة بدون طيار وأول قمر صناعي عسكري حديث متعدد المهام يا عباقرة تصنيع
    الفلافل والتبولة والشراشف المطرزة والسيوف الخشبية..

    8- اردوغان في عشر سنوات بنى 125 جامعه جديدة
    و 189 مدرسة
    و 510 مستشفيات
    و 169 الف غرفة صفية حديثة ليكون عدد الطلاب فيها لا يتجاوز 21 طالبا او طالبة..
    فحدثوني عن أوغاد عروشكم ؟؟
    9- عندما اشتدت الأزمة الاقتصادية واجتاحت اوروبا وامريكا رفعت الجامعات الامريكية
    والاوروبية الرسوم الجامعية بينما أصدر أردوغان مرسوما بجعل الدراسة في كل الجامعات
    والمدارس التركية مجانية وعلى نفقة الدولة !!

    10- في عشر سنوات كان دخل الفرد في تركيا 3500 دولار سنوي ارتفع عام 2013 الى
    11 الف دولار وهو أعلى من نسبة دخل المواطن الفرنسي في بلده
    ورفع فيمة العملة التركية الى 30 ضعف ..
    11- في تركيا تعمل الدولة جاهدة لتفريغ 300 الف عالم للبحث العلمي للوصول الى عام 2023 !!!

    12 – في أكبر إنجاز سياسي لتركيا..
    اردوغان عمل على إحلال السلام بين شطري قبرص
    ومحادثات تسوية مع حزب العمال
    الكردستاني لوقف نزيف الدم !!

    13- – في تركيا المسلمة ارتفعت الرواتب والأجور بنسبة 300% وارتفعت أجرة
    الموظف المبتدئ من 340 ليرة الى 957 ليرة تركية وانخفضت نسبة البطالة من 38% الى 2% ..

    14- في تركيا المسلمة ميزانية التعليم والصحة فاقت ميزانية الدفاع وأعطي المعلم
    راتب يوازي الطبيب !! تأمّلوا أولوليات أردوغان التي هي من آخر اهتمامات مسوخكم ..!!

    15- في تركيا المسلمة تمّ انشاء 35 الف قاعة مختبرات لتكنولوجيا المعلومات
    وقواعد بيانية حديثة ويتدرب الشباب الأتراك في مراكز لا تخضع لمنظمات تجسسية
    عالمية تشتري ولاء المتدربين من جنود جيوشنا وشبابنا بأول جولة سياحية
    وعشاء فاخر وكأس نبيذ..!!

    16- اردوغان سدّد عجز الميزانية البالغ 47 مليار وكانت آخر دفعة للديون التركية

    300 مليون دولار تم تسديدها في يونيو الماضي للبنك الدولي السيء السمعة
    وقد أقرضته تركيا 5 مليار بالمناسبة اقصد البنك الدولي
    بل ووضع اردوغان 100 مليار في الخزينة العامة في حين كانت دول عريقة في
    اوروبا وامريكا تتخبط تحت وطأة الديون والربا والإفلاس !!

    17- تركيا كانت صادراتها قبل عشر سنوات 23 مليار اصبحت 153 مليار تصل الى
    190 دولة في العالم وتحتل السيارات المركز الاول تليها الالكترونيات حيث ان كل ثلاثة
    أجهزة الكترونية تباع في اوروبا هناك جهاز صناعة تركية..
    18- حكومة اردوغان تبنّت عملية تدوير القمامة لاستخراج الطاقة وتوليد
    الكهرباء ليستفيد منها ثلث سكان تركيا وقد وصلت الكهرباء الى 98%من منازل الأتراك
    في المدن والارياف !!

    19- اردوغان الدكتاتوري جلس مع طفلة لا تتعدى ال 12 من عمرها في مناظرة تلفزيونية
    نقلتها وسائل الاعلام على الهواء وتحدثا عن مستقبل تركيا بنديّة
    واحترم ذكاءها واندفاعها فأعطى الاطفال الاتراك المثل والقدوة في مناقشة ومناظرة
    من يحكمهم في قراءة المستقبل !!

    20- اردوغان صديق اسرائيل حسب زعم العلمانيين العرب وجه صفعة قوية لاسرائيل
    وجعلها تعتذر عن ضربها لسفينة مرمرة التي كانت متوجهة الى غزة واشترط في
    قبول الاعتذار ان ترفع الحصار عن غزة !

    21 – اردوغان ( صديق اسرائيل) يوجه انتقادا لاذعا للحضور من العرب والاجانب الذين
    صفقوا لكلمة بيريز الذي برر فيها الحرب على غزة في المنتدى الاقتصادي
    دافوس 2009 وخرج غاضبا من المنتدى بعد ان قال للحضور( عار عليكم ان تصفقوا لهذا الخطاب بعد أن قتلت اسرائيل الاف اطفال ونساء في غزة)

    *هذا الدكتاتوري هو الذي بكى عن ا

  8. عماد يقول

    ان المغرب جبلون ههه و دابا زدتي عليها المعلومات التي لم تكشف بعد… (الفقرة الرابعة)

  9. حسن يقول

    اذا علمنا أن أردوغان مزداد سنة 1954.
    فبالتالي فالمعلومة التي اعتمدتها في هذا المقال و أيضا في كتابك القادم تقول أن في 1962 زار أردوغان مركز الاخوان في هامبورغ للتنسيق …
    كل هذا و طفل ذو 8 سنوات !!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.