“العكر فوق الخنونة”… ولو زاره العالم بأسره!

109
طباعة
مؤكد أن السكرتير الخاص للملك محمد منير الماجيدي، يقضي اليوم أسعد لحظاته، بعد أن حطمت الدورة الرابعة عشر لمهرجان ” موازين.. ايقاعات العالم”، رقما قياسيا جديدا، من حيث الحضور الجماهيري، الذي فاق 2.65 مليون متفرج، بحسب ما نشرته وكالة “المغرب العربي للانباء”، رغم أن البعض قد يرى هذا الرقم مظللا وغير حقيقي، لكون الزائر اليوم لمنصة السويسي، مثلا، هو نفسه الزائر ليوم غد لمنصة أخرى؛ حيث يمكن لزائر واحد أن يتجول بين خمس منصات، فهل يُحصى خمس مرات؟

وإذا كان من حق السيد الماجيدي أن يسعد ويفرح بهذا الرقم، بعد كل ما تعرض له من انتقادات شديدة و عنيفة، طيلة أسبوع تقريبا، خاصة على المواقع الإلكترونية والصفحات الإجتماعية، عَقِب ظهور مغنية أمريكية، على شاشة التلفزيون الرسمي المغربي، وهي شبه عارية، مساء الجمعة 29 ماي المنصرم، فإنه من حقنا أيضا أن نقف عند هذا الرقم؛ لنوضح أنه لا يعكس بالضرورة صحة وجهة نظر السيد الماجيدي في دفاعه عن مشروعية المهرجان؛

إذ يمكن لأي شخص، مثلا، أن يكتري آلاف البيوت المغربية، ويضع داخلها قنينات خمر وفتيات ويدعو الشباب إليها، ليرى عدد الزائرين لهذه البيوت، فهل يُعتد بعددهم، للقول إن ما قام به ذلك الشخص جيد ومعقول، مما يستوجب شرعنته؟

ثم كم عدد البوذيين في العالم، طبعا بالملايين، وهي أكبر ديانة في العالم، فهل معنى هذا أن هؤلاء البوذيين على حق وأن ديانتهم هي الديانة الحقيقية، وما عداها من ديانات كذب في كذب؟ ثم كم شخص يعبد البقر في الهند، فهل إذا كانت أعدادهم كبيرة، يعني أن البقرة إله؟

ونتساءل: كم يزور “بويا عمر” يوميا من المغاربة، وطيلة سنوات طويلة، فهل معنى هذا أن ذلك الفضاء سليم ووجهة صحيحة، تنسجم والمنطق والعقل والعلم؟

فرضا، أننا أقمنا مسابقة شعبية بين عبد الله العروي وسعد المجرد ودعينا المغاربة للتصويت على من يرونه الأصلح للبلاد، فهل نتوهم أن يفوز العروي بالمسابقة، وإذا فاز سعد المجرد، فهل معناه أنه الأصلح للبلاد والمستحق للنتيجة؟

في دولة كالمغرب، حيث نسبة الأمية تفوق 30 في المائة، والحرمان يسيطر على معظم نفوس الشعب، يستحيل الإعتداد بالأرقام للحكم على نجاح أمر أو فشله. يُعتد بسلوك الفرد ورأيه حين يكون متعلما، حرا، واعيا بنفسه ومحيطه، أما حين يكون مستلبا، أميا، محروما وفاقدا لوعيه وحريته، كما يجري مع معظم المواطنين المغاربة، فيستحيل الرهان على الأرقام لتقييم نجاح أو فشل تظاهرة.

في المغرب، قد تجد شبابا يشربون الخمر ويلعبون القمار ويترددون على بيوت الدعارة وربما يشهدون زورا في المحاكم ولا يؤدون الصلاة، لكنهم يصومون شهر رمضان ويدافعون بألسنتهم بقوة عن الإسلام، ولا يسمحون لأحد بالتطاول عليه.

وفي المغرب، أيضا، وكما يقول سعيد حجو في روايته “وهلم جرا” “قد تجد البرتقال في مطبخ مواطن ومع ذلك يسرقه من بستان جاره…. يترك قلبه يسير في اتجاه حب امرأة، فيما رجلاه تسير إلى بيت امرأة أخرى”.

وإذا كانت لدينا إحصائيات عن عدد الزائرين للمهرجان هل لدينا معطيات عن طبيعة ونوعية هؤلاء الزائرين أين يتموقعون داخل الحياة المغربية، سياسيا وثقافيا، واجتماعيا؟ هل لدينا إحصائيات عن عدد الأسر المسلمة وغير المسلمة، التي لعنت المهرجان، وهي بالملايين طبعا، خاصة إذا استحضرنا سعة العالم الإسلامي بأسره؟

ثم هل يُخفي هذا الرقم إساءة المهرجان لأهم وثيقة رسمية في البلاد وهي الدستور، والتي تنص في فصلها الثالث على أن “الإسلام هو دين الدولة” كيف يستقيم هذا الاسلام والعري يغزو البيوت المغربية، والعلم عند الله، بالنسبة لما جرى في جنبات وداخل سهرات المهرجان ؟

الفن أسمى تعبير عن إرادة البشر، وهو موحد للأمم وضامن لقيمها وثروتها ومالها العام، وحده الأحمق من يقف ضد الفن، إن كان كذلك، لكن مهرجان موازين، لا علاقة له بالفن، إنه تعبير فقط عن تسلط جهة، تؤكد عبره للشعب ونخبه، أن لا أحد يملي عليها ما تفعل، كما هو محطة لتمرير رسالة سياسية وليست فنية مفادها أن المغاربة، الذين يعشقون الفن ويحضرون لمهرجان موازين أكثر من عدد المغاربة الذين صوتوا للإسلاميين في انتخابات 2011 وأوصلوهم إلى الحكومة، والدليل تسخير امكانات الدولة وإعلامها العمومي لنقل سهرات هذا المهرجان.

” موازين”، الذي يعقد تحت الرعاية السامية لملك البلاد يطرح إشكالية حول طبيعة الدولة التي نريد. كما أنه يختزل ويلخص الحالة الإنفصامية في سلوك النافذين داخل مربع الحكم، فعندما يريدون مواجهة الحداثيين يلعبون أوراق أبو النعيم والشيخ النهاري وإمارة المؤمنين واسلامية الدولة، وعندما يريدون استهداف المحافظين يلعبون على نقيض ذلك وغالبا ما يلجأون للفن وللحريات الفردية وحقوق المثليين وغيرهم، وكل ذلك بغاية إظهار انقسام المجتمع لشرعنة بقاء السلطة في يد واحدة.
الدولة عليها أن تحسم في خياراتها عوض اللعب على الحبلين. عليها أن تختار بين الدولة المدنية والدولة الدينية، عوض الجمع بين مجالين متعارضين تحت غطاء الأصالة والمعاصرة.

بكلمة، “موازين” بات اليوم جريمة بكل المقاييس في حق الدستور والمال العام والوطن والمواطنين، وفي حق المرضى والأطفال لتفويته عليهم بناء المستشفيات والمدارس، وحين نرى المغاربة المرضى ينقلون بواسطة “برويطة” إلى المستشفى، ونرى أمرأة وطفليها يقتلون بعد سقوطهم من قنطرة تقليدية، فلا يسعنا إلا أن نؤكد بأن “موازين” مجرد عكر فوق الخنونة وإن زاره العالم بأسره.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

6 تعليقات

  1. ouday يقول

    Excellente analyse , Mr Mehdaoui a raison!
    Des milions de spectateurs au Maroc ne veut rien dire, c est plutot intriguant : 32/ o de chomeurs desoeuvres qui cherchent a tuer le temps- c est comme a la semaine du chevale il y en qui y vont de loin a pied le ventre vide !
    Pensez a des milions de marocains appauvris qui survivent dans des maisons en pise’ , et roseaux , qui risquent a tout moment de s effondre , pensez aux malades des regions enclavees qui sont evacues a dos de mulet vers un dispensaire desert. Jenifer a recu une pactole qui fairait vivre des milions de miserables -Assez d egoisme et d injustice ,Assez de brandir la religion des qu un sujet est traite’- la religion est une affaire Personelle – de qoui je me mele!

  2. Rachid يقول

    تحياتي اخي المهداوي

    لقد تفاجأت بهذا المقال وكأني أقرأ مقالا في جريدة التجديد او للنهاري او… حيث تعذر علي ان اضعه في خانة الحداثة ناهيك عن التقدمية!! يعني كلام يتحدث بمنطق الخصوصية المغربية والقيم المغربية والهوية الثقافية وثوابت الامة والدين الاسلامي و كانه هو محدد اساسي لمفهوم فلسفي عميق أُخرج من الفلسفة الي المعرفة من خلال العلوم السياسية و السوسيولوجيا ألا وهو مفهوم الهوية و الإنتماء،الذي لاعلاقة له بالمحددات الأنثروبولوجية ,أي بمعنى يمكن ان تكون لدي هوية ثقافية معينة من دين او عرق او فلكلور مخالف للاخرين معي داخل نفس بنية مجتمعية افهل هذا يجعل مني او من الأخرين خارج هذا المجتمع؟ بهذا المنطق اين هو الفرق بينك وبين الدي يدعو الى دولة المؤمنين ليحجر ويضطهد الكافرين من وجهة نظره او الأري بإقصاءه لغير الجنس الاري!!! كلاهما نقاش رجعي ضلامي فاشي ونازي,و لا يمكن لحداثي أن يزل كهكذا زلة،لان قيم المجتمع بالمفهوم الحداثي تتأسس على قيم المواطنة التي لايجب ان تتعارض مع منظومة القيم الكونية ولا شيء اخر…اي نعم معك الحق في تناول الموضوع من جهة هذر المال العام وهذا أمر انت محق به و لكن ليس بمدخل ان ذلك يتعارض مع قيم المغاربة،وهنا يطرح السؤال :هل المجتمع المغربي بمعايير الحضارة والتحضر في زماننا 2015 يعد مرجعية قِيَمِيَة حتى نعتمده اطارا لتحديد ماهو اخلاقي؟؟؟ المجتمع المغربي تجمع بشري متخلف سياسيا اقتصاديا اجتماعيا ثقافيا و ذلك نتيجة لمنظومة قيمه الرجعية المتخلفة التي من الضروري بماكان القيام بقطيعة إبيستبمولوجية معها وليس الاختباء وراء عباءتها لتمرير موقف نقدي ،وهذا موقف رجعي وأنت صديقي من أول ضحايا هذا النموذج من الفكير الإقصائي الرجعي المتخلف الدي يختبئ وراء ما يسميه الخصوصية الثوابت اسلام الشرعية التاريخية و كل هذه المفاهيم الرجعية من اجل الإجهاز على المواطنة ومجتمع المواطنين لصالح محتمع الرعايا والقطيع او العبيد…شكرا بديل

  3. محمد أيوب يقول

    الحقيقة:
    ما جاء في المقال يعبر عن الحقيقة المرة لواقع بلدنا…هناك انفصام تام بين ما هو موجود في الوثيقة التي يسمونها دستورا وبين الممارسات في الواقع…أقصد ممارسات أصحاب القرار طبعا القابضون على زمام السلطة..ويقيني أنهم لا يوجدون لا في اتلحكومة ولا في البرلمان ولا في أية مؤسسة”منتخبة”…ان اماكن تواجدهم معروفة لكل متتبع نزيه…منذ حوالي ساعة تتبعت جزءا من برنامج تحت عنوان:”les presidents el l’argent”بثته القناة الفرنسية الرائعة:”PLANET”على قمر ASTRA…وأنصح كل ذي عقل راجح أن يشاهده ليرى كيف تصرف رؤساء فرنسا مع المال العام ابتداء من العملاق دوكول وزوجته وانتهاء بهولاند الرئيس الحالي…يحكي الفيلم الوثائقي تصرفا لزوجة دوكول ذكرني بتصرف باشره الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز…لقد دعت زوجة دوكول المستشار الألماني أديناور الى مأدبة وعندما ذهبت لتأدية الثمن قال لها صاحب المطعم بأن الفاتورة على حساب الايليزيه…فما كان منها الا أن تساءلت بغرابة:كيف ذلك؟انها دعوة شخصية وليست دعوة رسمية…ففتحت حافظة نقودها وأدت ثمن المأدبة…طبعا لا مجال للمقارنة بين مسؤولينا نحن ومسؤولي أوروبا فيما يتعلق بتدبير المال العام…عندنا يتم تنظيم حفلات الزفاف والعقيقة وربما حتى الجنائز من المال العام ولا توجد أية محاسبة بل يقال لهم:عفا الله عمنا سلف…أيها الكاتب الكريم:لقد مر على ما يسمى باستقلالنا نحو60سنة ومع ذلك لم نتمكن من القضاء على الأمية التي لا زال معدلها يفوق 50بالمئة وليس 30بالمئة كما أوردت بمقالك…وبالمقارنة فقد كانت وضعيتنا تشبه وضعية دول كثيرة لكن تلك الدول فاتتنا على مختلف المؤشرات التنموية…ما هو السبب ياترى؟بالنسبة لي فالجواب واضح وضوح الشمس في كبد السماء:انه المخزن ولا أحد غيره أو سواه…انه يتحمل وزر وضعيتنا البئيسة…وطبعا يقف الى جانبه الانتهازيون والانبطاحيون والوصوليون الموجودون في كل الدكاكين/الأحزاب والنقابات والجمعيات…معذرة عن الاطالة..

  4. mohammed يقول

    اتمنى ان نصرف ملايين موازين فى بناء ودعم المستشفيات

  5. Que-Sais-Je يقول

    أشكرك سيدي على هذا التحليل الأكاديمي القيم و المبسط : الله يرحم من قراك.
    و أشكرا كذلك هذه الجريدة إلكترونية المغربية الصاعدة “بديل” و التي لم أكن أعرفها من قبل : الله يحفظكم ويزيد في مسعاكم…

  6. عبد الحق. يقول

    وضعت أخي حميد أصبعك على داء يهمله بعض الباحثين في الشأن الاجتماعي للبلد عن جهل أو عن سوء النية , الاستيلاب والجهل والامية والانتفاع مع الفساد بجميع أنواعه يحول بقوة دون النهوض بوطننا الحبيب . فالمسوؤلية كما قلتم تتحملهاأيضا-علاوة على أصحاب القرار- شرائح اجتماعية تشكل نسبة مهمة في مغرب العجائب…..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.