الصورة والحياة الخاصة..قراءة في “النزعة الفضائحية”

86
طباعة
أصبح شيوع الصورة واختراقها كل الفضاءات بدون تحفظ موضع اهتمام متزايد في المجالس الخاصة بالمغرب، فالتطور التكنولوجي الكبير للسنوات الأخيرة ـ خاصة في صناعة الهواتف الذكية ـ أفضى إلى واقع جعل كل المواطنين بمن فيهم الأطفال مصورين لمشاهد وموثقين لأحداث، وقد أدى هذا إلى صنع واقع جديد يتصف بـ :

ـ انهدام الحواجز بين الحياة الخاصة والعامة، حيث لم يعد الناس قادرين على تحديد معنى الفضاء العام ومعنى الفضاء الخاص في كثير من الأحيان، بسبب تداخلهما في وسائل التواصل الحديثة (الـ”فيسبوك” مثلا).

ـ تزايد الرغبة في تصيّد المشاهد المثيرة، إما بغرض انتقامي أو من أجل الابتزاز أو فقط لاستقطاب الاهتمام. وهكذا تمّ تحويل وظيفة الاختراع التكنولوجي من الانتفاع إلى إلحاق الأذى بالآخرين.

ـ تراجع الحسّ الإنساني بسبب البحث عن الإثارة وعدم التفكير في الضحايا من المواطنين، إلى درجة أن تصوير مشهد انتحار أو عنف وحشي أصبح أمرا مطلوبا لذاته عوض البحث عن إنقاذ الضحية.

وتعكس هذه الظاهرة صورة مجتمع يعاني من تأخر تاريخي، ويعيش على التستر على طابوهاته، حيث تصبح النزعة الفضائحية نوعا من استعراض المستور بوصفه عيوبا ومثالب خاصة بالآخرين . وهي طريقة تعويض نفسية تهدف من خلال تلطيخ سمعة الغير إلى ادعاء الطهرية، كما لو أن كل واحد يقول “أنظروا إلى فضيحة فلان، أما أنا فبعيد عن هذا المصير، إنني طاهر ونظيف”.

إضافة إلى ما ذكرناه تعكس ظاهرة العكوف على تصيد المشاهد المثيرة وترويجها على أنها فضائح الآخرين، تعكس فراغا ثقافيا رهيبا أدى إليه شيوع ذهنية التنميط المضادة للمعرفة والشفافية والفكر الحي والنقدي، فعوض أن يبت المجتمع في عيوبه يجعل منها مناطق مسيّجة خارج متناول النقاش العمومي، ويفضل اعتماد المواقف السكيزوفرينية التي تنتهي بأن تشيع سلوكات النفاق الاجتماعي العائد أصلا إلى عدم الاعتراف بالفرد وبحقوقه وحرياته الأساسية.

ونتيجة ذلك أن الناس لا يفهمون كيف تطورت الكثير من جوانب واقعهم، وكيف أنتجت ظواهر جديدة يعيشها الناس دون أن يفكروا فيها. حيث لا ينتبهون إلى أنّ فيما ما وراء القشرة الخارجية للواقع، تقع تحولات وطفرات لا يشعر بها إلا الباحثون والخبراء المتابعين للظواهر الاجتماعية، بينما لا يشعر بها معظم الناس. ومن الأمور السلبية أن تتحول مشاهد الإثارة المتعلقة بالحياة الخاصة إلى ذريعة غير مصرح بها للهروب من العمل، حيث ينفق الكثير من الموظفين نسبة هامة من وقتهم في ترويج الفيديوهات الفضائحية بشكل شبه يومي، فيتبادلون هذا النوع من المشاهد المصورة طوال اليوم دون انتباه إلى الزمن الذي يقضونه في تلقي وبعث ومشاهدة مثل هذه المنتوجات.

لقد آن الأوان لطرح موضوع الصورة والحياة الخاصة على مشرحة النقاش العمومي والنقد المؤسس، فمن الناحية القانونية يعتبر الدستور أن حماية الحياة الخاصة واجب الدولة، غير أن القانون الجنائي يهدم هذه القاعدة، ويبيح للسلطة نفسها حشر أنفها في الحياة الخاصة للأفراد حتى وهم في منازلهم، ما يعني أن علينا أن نبدأ بالترسانة القانونية أولا لتطهيرها من التناقضات، ثم العمل على التحسيس والتوعية بضرورة احترام الحياة الخاصة للأفراد، والتنصيص المفصل في القانون على تجريم استغلال وسائل التكنولوجيا الحديثة في الإيقاع بالناس أو إيذائهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

4 تعليقات

  1. Ali123 يقول

    ارحمنا من خزعبلاتك وفكرك المثقوب… ومن هاروش وكاروش وخاروش ابن جدة عمة خال إلاهك ساكوش… اللعنة!!!

  2. عبد الله يقول

    هذه النزعة الفضائحية هي التي يدعو اليها الهك ياكوش الذي باسمه زنيت بمليكة مزان وهذه النزعة الفضائحية هي التي نتجت عن علمانيتك التي تدعو اليها ليل نهار …اما الإسلام فقد حسم هذا الأمر من أكثر من أربعة عشر قرنا فحرم التجسس وتتبع عورات الناس وتوعد من يفعل ذلك بالعذاب في الدنيا والآخرة .قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .
    وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا . وعن ابن عمر رضي الله عنه ما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورات المسلمين ، يتتبع الله عورته ، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله .و عن أنس بن مالك عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم ، فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال: هؤلاء الذين: يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم

  3. خمونة محمد يقول

    التكنولوجيا تعني الاستخدام الأمثل للمعرفة العلمية وتطبيقاتها وتطويعها لخدمة الإنسان ورفاهيته* و لكن يبدو أن الناس ينظرون فقط لمنافع التكنولوجيا متجاهلين سلبياتها, تضع التكنولوجيا السلامة الشخصية في خطر حيث أن معظم الناس الذين يستخدمون التكنولوجيا يتشاركون بالعديد من المعلومات الشخصية التي يمكن أن تضعهم و تضع عائلاتهم في خطر و كثير من المراهقين تعرضوا للمضايقات و الإعتداءات اللفظية على الإنترنت.*

  4. ملاحظ يقول

    يمكن القول بدون أدنى شك بأنه ومنذ ظهور الفايسبوك بدأت تظهرى الى الوجود كائنات بشرية، تستغل الفراغ الثقافي والخواء العقلي لتستغل هذا المكسب الإعلامي لغايات دنيئة ومنحطة،تعكس جوانب رئيسية من شخصيات هذا النوع المنحط من الكائنات البشرية، متعمدين على وضع بروفايل واسماء مستعارة ومجهولة، مما يسمح لهم باطلاق العنان بالسب والشتم والنبش في اعراض الناس، وافتعال الأكاذيب ، بل واتخذه بعض الجبناء الذي يستبد بهم الخوف الى تصفية الحسابات والقدم وتشويه الأشخاص لكونهم غير قادرين على المواجهة المباشرةو يمتلكونالقدرة على المناقشة والحوار البناء، فبقدرما أن الوضع الحالي يساعد على انتشار هذه الظاهرة، فانها في المقابل تدمر اسرا وعلاقات اجتماعية ، وتعكر صفر الأفراد ، وهو ما يفرض ايجاد قوانين لتنظيم هذا المكسب الإعلامي وتقنينه، لتربية بعض الألسنة السليطة والمراهقين والمتطفلين،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.