الرسول أضحى سكِّيرا

4٬521
طباعة
عبد الله قشمار

كان لابد أن أعود إلى غرفتي بعد أن قضيت يوما شاقا بالمؤسسة وأنا أحاول بذل الجهد في الفصل، لو لم أعد كنت في غالب الأحيان سأقضي ليلتي بالمستشفى بدل أن أقضيها بين جدران الغرفة التي بسببها أُصِبتُ بمرض الربو. لا أريد أن أعيش مرة أخرى قصة بالمستشفى، فكل شيء فيه يصيب المرء بالمرض، بدءا بحراس الأمن مرورا إلى الممرضات ووصولا إلى الأطباء الذين لا يجرون لك الفحص إلا بعد حصولهم على مقابل. مهنة الإنسانية أضحت عبارة عن هاتف محمول إن لم تشحنه فلن يلبي لك خدمة الاتصال.
نمتُ لساعتين ثم اتجهت إلى المقهى لتحضير الدرس للتلاميذ في اليوم الموالي، اتصلت بي زوجتي لتطمئن عليَّ أخبرتها أني بخير وظلت تداعبني لأزيد من نصف ساعة…
نصف ساعة كانت كافية لتخرجني من عالم البؤس رغم أني اشتقت من شفتيها البؤس بدون همزة، إلا أن قرار تعييني الجائر بمنطقة هامشية لم يكن بمحض الصدفة، فنضالي خلال مرحلة المراهقة كان هو السبب في هذه المحنة رغم حصولي على الرتبة الأولى داخل مركز التكوين…
ما زلتُ أتذكر يوم سلَّمني المدير الإقليمي رسالة التعيين وكيف نظر إليَّ بعينيه الحقيرتين، لقد قال لي “وا سير قرِّي ولاد الشعب وباراكا من ديك القفوزية” لم أستوعب من كلامه شيئا فقد كنتُ حينها سعيدا بتعييني دون دراية بمقر التعيين. محنة الغياب عن زوجتي ومحنة التعيين، بالإضافة إلى التلاميذ، فرغم الجُهد الذي أقوم به إلا أنني أخرج في الأخير كأني أصُّب الماء في الرمل… أنهت الزوجة التي أناديها بالقمر المكالمة وما إن وضعتُ الهاتف لإتمام ملء الجذاذات، حتى اتصلت بي والدتي لتسألني هي الأخرى عن حالي وأحوالي وكيف هي أجواء الفصل، ثم أنهت الاتصال بعد دعاء طويل… مفارقة عجيبة حقا، نصف ساعة مع زوجتي وعشر دقائق فقط مع والدتي، مصيبة هذه سأُحاسب عليها.
أنهيت ملء الجداول وحضَّرتُ الدرس جيدا ثم رفعت يدي للسماء لأجل دعاء الفرج، “يا ربي تفرَّجني فيهم”، دعاء أردده بين الفينة والأخرى على بعض الزملاء الذين يطعنونني كلما وجدوا الفرصة لذلك، لا لشيء سوى لأني لا أنتمي لقبيلتهم.
دائما ما أنهي ذلك التحضير بتدخين سجارتين تجعلان عقلي يتحرك من مكانه، لأتذكر بعض اللحظات التي قضيتها مع سيدتي. قبل أن أتزوجها كنا نلتقي خلف المسجد القريب من دربنا حيث أسكن، كانت تحضر معها درهمين من “الزريعة” بينما أكتفي أنا بإحضار أصابعي وفمي.. لم تكن تريد مني ملاقاتها بالمقاهي أو أخسر منحتي عليها، كل ما كانت تريده أن أحصل على وظيفة وآتي إلى منزلها لطلب يدها من والدها، وقد كان ذلك في الأخير. حتى إننا حينما كنا نتبادل القبل خلف سور المسجد كانت تقول لي في النهاية “اللهم نتباوسو هنا ورا الجامع ومعنا بركة ربي، ولا فشي جردة ومعنا عين بنادم”
كنتُ أجدها دائما بجانبي، تدعو لي بالتوفيق وخلال شهر الامتحانات الأسود، كانت تحضر لي الطعام دون أن أطلب منها ذلك… حتى إنها في بعض المرات كانت تخبر والديها أنها ستبيت عند خالتها بينما كانت تقضي ليلتها معي بالفراش تاركين الكتب التي كنت أراجعها فوقنا. أتذكر أنه بعد تخرُّجي توجهت مباشرة إلى منزلها معيَّة والدتي حتى تصبح علاقتنا شرعية، وبعد أسئلة الاستنطاق التي طرحها عليَّ والدها قال لي “إيوا دبا خاص نشوفو راي البنت”، سمعتنا من المطبخ ورددت بصوت عال “وااا آه الواليد آآآآآه” استغرب والدها من ردة فعلها وتعالت حينها قهقهاتنا منهين ذلك بشرب القهوة… لا أدري لِمَ باللقاءات الجميلة مثل هاته يتم تحضير القهوة، بينما في الجنازة يُحَضِّر الأهل جميع أنواع المشروبات وأشهى الأكلات !
اتفقنا على أن العرس سينظم خلال فصل الصيف، ولما اقترب الموعد، ولأني الابن الوحيد فقد باعت والدتي ذهبها الذي أهداها والدي من أجل الفرح ولقضاء شهر العسل.
بعد أن ركبتُ السيارة لأستفرد بعروسي في تلك الليلة كانت أمي تدعو لي بكثرة، أحسستُ وكأني سأدخل في معركة، لكن حقا ! ليلة الدخلة كانت أكثر من معركة بل هي غزوة، فلم أجتمع بملاكي بفراش واحد لثلاثة أشهر. تقاليد غبية…
فجأة وقف بجانبي النادل يطلب مني دفع ثمن القهوة، لم أنتبه لحالي فقد بقيت لوحدي بالمقهى دون وعي. أحزن لحال ذلك النادل حقا، يصرف راتبه الهزيل على ستة أبناء، بينهم معاق. لكن يظل المشكل بالأساس في الوالد الذي تعلَّق بفرج زوجته فظلت تنجب كل سنة، ولم يستطع شراء حبوب منع الحمل ولا حتى عازل طبي يبعد عنه هاته الكارثة التي يعيشها.
حينما تكثُر مثلا هاته المصائب فعلى الدولة أن تتدخل وتطبق سياسة تحديد النسل، وإلا ما الحاجة من إنجاب أطفال لن يقدموا شيئا للمجتمع سوى نشر الجريمة بين صفوف الناس ! إما أن تطبق السياسة أو توزع على الآباء وسائل منع الحمل مجانا…
عدتُ لغرفتي متأخرا حاملا في يدي الخبز والبيض والشاي لأجل العشاء وفطور الصباح، فتحتُ باب المنزل وإذ بي أتفاجأ بابن صاحبة المنزل يحتسي الخمر، طلب مني الجلوس بجانبه وظل يحكي لي قصة خيانة صديقته له. حاولت التهرب منه عبر ترديد “ايوا كاع العيالات فحال فحال، فيها خير…” لكن كان يرد عليَّ “هي مراتك كاتخونك دبا، غا كاتقول هاكا باش تهرب مني، ياك اخاي هادي هي العشرة؟!” ناولتُه سيجارة وقدمتُ له بعض الخبز ودخلتُ لغرفتي. بعد أن تناولت عشائي أخرجتُ علبة السجائر، اللعنة، آخر سيجارة كانت تلك التي أعطيتها للشاب الغبي، لكن ليس بمشكل، فقد أخذت منه دون وعيه قنينة خمر سأحتسيها مثل عادتي آخر الأسبوع بإحدى الضيعات في ضواحي المدينة.
كان يكتري معي الغرفة أحد زملائي بالمدرسة، كنتُ أناديه بـ”الدينصور”، لكبَر حجم قدمه، حتى إنه في أحد الأيام بعد أن توضأ ودخل الغرفة لأداء الصلاة لم ينتبه لهاتفي فكسره بقدمه اللعينة، وحينما طالبته بالتعويض قال لي “المشكل فيك ما كانش عليك تخلي التيليفون هنا فالأرض..” ما عاد يجاورني بالغرفة فقد حصل على تأشيرة السفر للولايات الأمريكية، لمَّا أخبرني ذلك اليوم بهذا الخبر السعيد بالنسبة له والحزين بالنسبة لي،
أحسست حينها أني أنا “الدينصور، الجحش لي ما عندو زهر”
كلما وضعت رأسي على الوسادة أتذكر تلامذتي، كل يوم يزداد تعلُّقي بهم رغم ما يفعلونه، لا أدري ما السبب إلا أني أحِس بأنهم أبنائي. لربما عدم قدرتي على الإنجاب هو السبب.
حينما علمَتْ زوجتي بذلك لم تحزن أو طلبت الطلاق مني، بل حضنتني بشدة وأخبرتني قائلة “المهم نبقاو مع بعض” حينها اقشعر بدني ولم أفهم لِمَ تُكِنُّ لي هذا الحب رغم عدم اهتمامي بها في العديد من الأحيان وانشغالي بأمور تافهة، بأصدقاء فاشلين لم ينجحوا في حياتهم، بقنينة خمر تستنزف جيوبي فقط..
آه على الخمر وما يفعله بي في نهاية كل أسبوع، يجعلني أطير وأحوم حول العالم دون حراك. ينسيني وجه المدير صاحب الشاربين الطويلين، يمكن لزوجتي أن تنسج بهما “زربية للصالون” كذب الذي قال “كاد المعلم أن يكون رسولا”، فالرسول أضحى سكِّيرا.
أمسكتُ هاتفي واتصلت بحسابي على موقع “الفيسبوك”، اطَّلعت على منشورات الأصدقاء ثم زرت علبة الرسائل لأجد حينها رسالة إحدى تلميذاتي التي تضع اسما غريبا، كانت تعبِّر لي عن مشاعرها تجاهي وعن مدى إعجابها بي… استغربت بشدة من هذا التصرف، لربما لم تلاحظ الخاتم الذي أضعه في يدي، حتى وإن لاحظَتْه، ففي هذا الزمن أضحى المتزوج لا يهتم بشأن خاتمه ولا يضعه، بينما العازب العاطل عن العمل يضع أكثر من خاتم في يده.
لم أرد إجابتها بجواب قد يسبِّب لها أزمة نفسية أو يخلق حقدا نحوي، إلا أنني أجبتها بـ “غدا جيبي الدفتر نصحو لك”.
قبَّلتُ صورة زوجتي ونمت وأنا لا أدري ماذا تحضِّر لي الأقدار في اليوم الموالي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.