الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية… مخاض الخروج من عنق القنينة

1٬682
طباعة
محمد بوعلام عصامي

أهم جمعية حقوقية إنسانية لاكرتونية لاسطحية في شمال إفريقيا والمغرب، تتعرض عادت مرة تواجه أخرى حملة تضييق شديدة، بوسائل قمعية إقصائية خانقة عهدتها وخبرتها من خلال تجربتها الطويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية في المغرب. وكما ذكر نعوم تشومسكي عن وصفه لسمات النهج الجديد بالنسبة للمغرب، في إدارة السياسة والأمور والإمساك بالخيوط ضد مسار الديمقراطية الحقيقية الكاملة والحقوق المدنية الكاملة، حيث علق أن معاداة التطور الديمقراطي وحقوق الإنسان، سيستفيد من عودة أو تصاعد أي حرب باردة جديدة بين الروس والأمريكيين، على غرار المنظومة العربية، التي قد تبقى من آخر المنظومات الديكتاتورية المتسلطة المعادية للديمقراطية وقيم حقوق الإنسان في العالم المعاصر. ولكن في المغرب سيكون هذه المرة بأسلوب جديد وأذكى، من همجية قمع ما يعرف في المراجع بعهد الجمر والرصاص، المباشر في صناعة الموت والترهيب، إلى أسلوب جديد يمكن أن يصطلح عليه “القمع الممنهج والشرس بأسلحة كاتمة للصوت”، بنفس الأهداف، وهي الترقيع والتركيع والإذلال والإقصاء والحرمان والحصار كأسلوب قديم-جديد، بوسائل مختلفة لكنها تبقى مخزنية حقودة وقديمة، هذا المصطلح الذي يعني عند المغاربة بالدولة العميقة، من خلال السعي إلى خلق أجواء الحصار والعتمة، للضرب تحت الحزام بقسوة وشدة، وبأسلحة وأساليب قاهرة وكاتمة في نفس الوقت.

كما يسعنا أن نذكّر كذلك عن تضرر البناء الديمقراطي والحقوقي والتنموي لشعوب جنوب المتوسط، جراء الحرب الباردة سابقا، ومدى استفادة المنظومة العربية الرجعية منها، فبعد تصفية الاستعمار، عادة حليمة بعدها لعادتها القديمة.
ففي المغرب مثلا، حيث ما فتئت أن عادت نفس الأوضاع الرجعية التسلطية وأللاحكامة والسلطة المطلقة، التي أدت إلى الانهيار التام ودخول مرحلة الاستعمار التاريخية، حيث ما فتئت أن عادت في خلق نفس الظروف والأجواء، في تكريس وتثبيت تسلطها على الأوطان والرقاب، حيث تميل هذه المنظومة وبشدة، إلى معاداة قيم حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، رغبة في استبقاء تكريس التسلط ضد سنّة التطور الكوني التحرري الإنساني على الرقاب والحريات والثروة والسلطة وديمقراطية الشعوب، بأنانية إقطاعية لاحداثية لاحضارية تحتفظ بملامح عصور الإقطاعية في القرون الوسطى وما قبلها.
وقد أضرت فترة الحرب الباردة وحدتها، وإن ساعدت معنويا في تصفية الاستعمار في الخطوط الأولى خصوصا بعد تنافس المعسكرين عن كسب الانحياز أمام الآخر، إلا أنها أضرت خصوصا في فترة ما بعد السبعينات من القرن الماضي، بصحة تطور حقوق الإنسان والشعوب في الجنوب المتوسطي خصوصا والعديد من شعوب العالم بشكل عام ، في كفاحها الداخلي ضد الأنانية والقمع الرجعي والتسلط المطلق كما هو الشأن مثلا في انقلابات أمريكا اللاتينية والتغطية على ديكتاتورية فرانكو وغيرها كثير.
ولهذا فإن إمكانية عودة الصراع الحاد (الحرب الباردة) في العالم الراهن، حسب حوار نعوم تشومسكي مع موقع لكم، بخصوص الظروف السياسية الراهنة في المغرب وشمال إفريقيا، فإن مؤشرات أجواء اللاّثقة واللاّتفاهم وما يحمله من إمكانية عودة حدة الصراع البارد بين روسيا والولايات المتحدة، الذي يضر أكثر بحرية الشعوب ولن يستفيد منه غالبا في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلا الإرهاب وقتل الناس واللاقانون ومعهم المنظومة العربية الأعرابية التسلطية الرجعية (الأعرابية مصطلح وما يحمله من دلالات في التخريب جاء في التحليل الحضاري والنفسي والاجتماعي لابن خلدون في المقدمة، وهو الأمر الذي ثبت في حقبة البترول، حيث قامت المجموعات الأعرابية بتخريب المنطقة وتحطيمها ديمقراطيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا وحضاريا في وضع لم يسبق له مثيل في التاريخ إلا في العهد الغزوات التتارية(، إن صراعات الحرب الباردة سابقا ومدى امتدادها زمنيا وبشريا وجغرافيا، أنهك السياسة وحقوق الإنسان، خصوصا في مناطق كشمال إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، وزاد الطين عويصا في إفريقيا جنوب الصحراء، الأمر الذي سيحول كفاح شعوب المنطقة في الجنوب المتوسطي حاليا من صراع إحقاق الحقوق )بتطوير الوضع البشري والإنساني واحترام الحقوق الاجتماعية ومرونة الديمقراطية والرغبة الملحة في بناء الإنسان الحر المتطور والديمقراطي وإصلاح البيت الداخلي والمنظومة ككل، على أسس حديثة وميكانيزمات مرنة تتمثل في دولة المؤسسات وفصل السلط( إلى وضعية صراع الدولة في سلسلة إقليمية ودولية وإيديولوجية في دائرة الصراع بين المعسكرين، حيث تكون الدولة الكل في الكل والمجتمع من أجل الدولة فقط وليس الدولة من أجل المجتمع والإنسان، وهو الوضع الذي كان في النظام العالمي السابق إبان الحرب الباردة في دول الجنوب بشكل عام، مع اشتداد صراعات الدولة إقليميا في سلسلة تمتد دوليا.

هذا دون إغفال الدور الحاسم في مساهمة استمرار الصراع العربي الإسرائيلي وحدته في خلق حالة عدم الاستقرار سياسيا وجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وما يترتب عنه من نتائج، كحالة اللاسلم واللاحرب وما ينتج عنها من تأخر مسار البناء الديمقراطي والحقوقي والإنساني في المنطقة، والتأثير سلبا على القيم المدنية وإرادة ترسيخها وتطورها، للحاق بالركب الحضاري والإنساني للقرن21، مع استمرارا حالة الصراع والكراهية والبروباغندا في أجواء إمكانية اندلاع الحروب منذ منذ ما يزيد عن نصف قرن وتأثيره على بناء أسس ومعالم الدولة المدنية الحديثة، حيث أن هذا الصراع لا محالة يغذي التطرف بشكل مباشر سواء في الجانب العربي أو الإسرائيلي، ويساعد الديكتاتوريات وتيار الرجعيات، التي ترفض الخيار الديمقراطي وحق الاختلاف في التوجهات والآراء والأفكار في منظومة الحكم عند الأنظمة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.
الأنظمة الأعرابية هي المستميتة أكثر والأكثر صعوبة حتى من الحقبة الاستعمارية في معاداة الديمقراطية وتطور حقوق الإنسان والقيم المدنية والحرية والتحرر في منطقة جنوب حوض المتوسط، وهذا ما أبانت عنه تجربة أكثر من نصف قرن من الحكم الأعرابي المباشر لمنطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما يمكن وصفه بالفشل الذريع للمنظومة العربية الرجعية في العصر الحديث في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة وبناء الإنسان والعدالة والأمن الاجتماعي والسياسي والمعيشي، وتحقيق أدنى المستويات في الاكتفاء والحد الأدنى من حالة الرضي والسعادة لدى المواطن البسيط في المنطقة بشكل عام، فشل أمام التحديات على مستوى المجتمع والدولة والتعليم والصحة والاقتصاد والعلوم والحقوق والحريات وحفظ الكرامة الإنسانية وما يدون عن قوارب الموت وسجون التعذيب والموت وأهوال القمع والتعذيب والتشريد والترهيب وفساد الدولة والإدارة خير شاهد وخير دليل.
قد تدفنون وتقتلون الإنسان ولكن معاني الحرية التي بها تحيا الشعوب والإنسانية هي الباقية وهي الخالدة وبها نرقى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.