الجامعي يكتب :إلى صديقي المقرئ اخريشفا.. باب ما جاء في مساءلة ومخاطبة الملك

20

صديقي
كانوا كثرا أولئك الذين تساءلوا وسألوا، البعض منهم مستنكرا، لماذا أتوجه في جل كتاباتي إلى الملك شخصيا في قضايا مختلفة، ومن باب المسؤلية والنزاهة الفكرية، واحتراما للقارئ، وجب علي، لا تبرير موقفي هذا، وإنما تفسيره وتوضيحه وتعليله للجمهور سياسيا وقانونيا ودينيا.
وفي الواقع فإن توجهي إلى الملك شخصيا هو نتاج لتحليلي لنظام الحكم في بلدنا، تحليل يؤدي في النهاية إلى أن نظام الحكم في بلدنا نظام ملكية تنفيذية يسود فيها الملك ويحكم، وإليه ترجع الكلمة الفصل في الشؤون التي تهم المواطنين. ملك لا يخضع لفصل السلط، إذ له قسط وافر من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويتجلى ذلك بوضوح تام في الدستور.
فالملك يتخذ جميع القرارات الإستراتجية في كل المجالات، قرارات تلزم مستقبلي، ومستقبل أبنائي وأحفادي،
أضف إلي ذالك أن الدستور المغربي يحث على أن المسؤلية ينبغي أن تكون مقرونة بالمحاسبة، كما أن نفس الدستور لم يتضمن في متنه أي نص يشير إلى أن الملك لا يمكن أن يكون موضع مساءلة، والقاعدة القانوية تقول: ” إن ما لا يمنع بنص صريح فهو مباح”، وبناء عليه، فإن من حقي، ومن حق أي مواطن، أن يسائل، ويحاور، ويجادل الملك. فليس في ذلك ما يخالف القانون والدستور.
غير أن البعض يتجاوز القانون ويغض الطرف عنه، مُدَّعيا أنه لا يجوز مساءلة الملك لأنه ظل الله في أرضه، وخليفته، ويستمد من الله حكمه وسلطته، ولذلك وجبت طاعته، ويستندون في ذلك على الآية القرآنية الكريمة التي ورد فيها: ” يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم”، سورة النساء الآية 59.
ينسى الذين يقولون مثل هذا الكلام أن طاعة أولي الأمر، والملك ينتمي إلى هذه الفئة، ليست طاعة مطلقة عمياء، فلا طاعة للمخلوق في معصية الخالق، أي أنه إن لم يكن أولو الأمر يحكمون بالعدل والقسط، ولا يخضعون لما أمر به الله، تصبح هذه الطاعة لاغية، وغير ملزمة، لأنها طاعة تندرج في معصية الخالق.
وبخصوص الحديث المتعلق بأن الملك ظل الله في الأرض الذي رواه أبو هريرة، فإنه حديث يقول عنه الفقهاء وأهل العلم، إنه حديث ضعيف ومشكوك في سنده، كما أن الله لا ظل له ولا خليفة له في الأرض فمحمد بن عبد الله (صلعم) لم يكن إلا رسولا قد خلت من قبله الرسل، ولم ينعت في القرءان بأنه ظل الله أو خليفته في الأرض.
فلما مات الرسول (صلعم ) نادى أحد المؤمنين أبا بكر: يا خليفة الله، فنهره أبو بكر قائلا: “لست خليفة الله، وإنما خليفة محمد بن عبد الله”، إن الذين يزعمون أن الملك خليفة الله في أرضه، إنما يريدون للملك قدسية تجعله في منأى عن المساءلة والمحسابة والمجادلة، ويجعلون منه الحاكم بأمره.
وفي نفس السياق، يسألني البعض كذلك لماذا لا تخاطب بنكيران في مقالاتك، أليس هو رئيس الحكومة وله مسؤليات تنفيذية وتشريعية يضمنها له الدستور، وجوابي هو التالي: كيف يمكن لي مخاطبة بنكيران وانتظار أشياء منه، وهو الذي يقول باستمرار، “أنا كنفذ القرارات التي يتخذها سيدنا، فهو الذي يقرر، وأنا مجرد منفذ.”
بقوله هذا يعترف بنكيران بأنه ليس إلا موظفا ساميا، وأنه وقياديو حزبه وصلوا الي الحكومة و لم يصلوا إلى الحكم، ولذلك يصبح من الأجذر بالنسبة للمواطن التوجه إلى صاحب ومالك القرار الفعلي الذي هو ملك البلاد، فبنكيران لا يملك أي سلطة فعلية تؤهله لخدمة المواطن، كما يقول المثل الفرنسي:” Il vaut mieux s’adresser à dieu qu’à ses saints “من الأفضل التوجه إلى الله بدل التوجه إلى أوليائه.”
صديقي
إن ما يربط الملك بالمواطنين والمواطنات هي البيعة، التي هي في الأساس كانت تدل تاريخيا على عقد تجاري و رابط تبادلي بين طرفين يتم بشكل متراض ومتوافق عليه بينهما، وأخذت البيعة معنى دينيا، كما حدث في بيعة الرضوان حيث بايع جمهورة من المؤمنين الرسول (صلعم) تحت الشجرة، ولقد تمت هذه البيعة بالمصافحة، وليست بالسجود، والركوع، والانحناء، فبيعة الرضوان والمصافحة التي تمت بواسطتها حفظت كرامة المتعاقدين وبينت أن لكل جهة حقوقا وعليها واجبات.
غير أن المثير في البيعة في المغرب هو أنها تتجدد مرة في كل سنة، فلماذا هاد التتجدد ؟ لماذا لا تكون مرة واحدة عند الجلوس على العرش؟ فهل الملك ليس واثقا أن البيعة ستظل قائمة دون تجديدها؟؟؟
إن شرعية الملك ليست مستمدة من الله، وإنما من الشعب الذي يبايعه، فالبيعة هي التي توفر للملك الشرعية الشعبية التي يحكم بها، بالإضافة إلى النص الدستوري الذي يصوت عليه الشعب.
صديقي
بين الملك والشعب توجد عقدة أخرى ألا وهي العقد المادية و التي تتجسد في الراتب الذي يحصل عليه والتي تأتى من أموال الشعب ومن خزينته من خلال الضرائب التي تقدم للدولة، فيصبح الملك نتيجة لذلك خادما عند الشعب وخادما له، وهذا ما يقر به الملك في كل خطبه.
صديقي
لكون الملك أميرا للمؤمنين وجب الرجوع إلى ما يوفره الإسلام من حقوق في مخاطبة أمير المؤمنين، فالله تبارك وتعالى أجاز النقاش والسجال و المقارنة على أعلى المستويات، فلقد قال جل جلاله:

“وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ” ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.
وقال الله تبارك وتعالى: مخاطبا ابليس “ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين”. ويصعد إبليس من (الجدل) إلى (التمرد والعناد): “” قال أنظرنى إلى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين،ٌ قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم.. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين”” (الأعراف 14 ــ17), ثم يصعد إبليس من العناد إلى التحدى: « قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين”” (ص 82 , (83

ألم يطلب الله عز و جل من رسوله أن يحاور و يجادل الكفار إذ قال تعالى:ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ” وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ “ۚ .
قال تعالي: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي “بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حميم.

الم تجادل خولة ابنت تعلبة رسول الله حيث قال تعالي “قدسمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير”.
ألم يطلب أبو بكر من المسلمين أن يجادلوه:””أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني

ألم يقل عمر ابن الخطاب: فلا خير فيكم إذا لم تقولوا ما ترونه حقا، ولا خير فينا إن لم نسمعها.
صديقي
لقد عاينا مواطنين ومواطنات يخاطبون الملك في قضايا حساسة وشائكة بلغة تحتوي الكثير من الجرأة، ويصارحونه أمام الملأ بالحقائق المرة، وكان الملك يتقبل ما يقولونه بصدر رحب، ولم تتم متابعة أي مواطن لأنه خاطب الملك بجرأة، في حين لم يسبق للجمهور أن شاهد ولو زعيما سياسيا واحدا يتكلم مع الملك بنفس الجرأة والصراحة، وهذه واحدة من مآسي هذا البلد السيئ الحظ بطبقته السياسية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

15 تعليقات

  1. محمد يقول

    تعليق وتحليل واقعي ومنطقي .لكن اين نحن من عمر؟الطبقة السياسية تكالبت على الشعب بعدما اغدق المخزن عليها بشتى انواع الريع وباعت ضميرها.اطال الله عمرك الاخ الجامعي مع دوام الصحة واكثر من امثالك

  2. Mostafa يقول

    Bravo factoriel n ! avec n tend vers l’infini
    Atala laha omark cher frère

  3. مبارك فتيح يقول

    حفظك الله السيد الجامعي الصحافي المقتدر الجريئ

  4. lahcen faiq يقول

    Bravo Mr Eljami3i. Merci beaucoup

  5. Kurt Bernstein يقول

    أنا لَسْتُ مُتَّفِقًا بِأنْ يَكون الله أعْلى مِن الْمَلِكْ ، وَ ذالِكَ لِما يَلي :

    01) الدَّوْلَة مُسْلِمَة ، وَ أَشْياء وَ قَوانين وَ تَوْجيهات مَصْدَرُها القُرْآن رُمِيَت عَرْض الحائط بِفَضْلِ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ النَّصْرُ وَ الدَّوام

    02) مابَيْنَ 30 و 40 ٪ مْنَ الصّائمين ( إحْصائيات رَسْمِيَة ) يَرَوْنَ عَلى الأقَل فِلْم في واضِحَة النَّهار مِنالنَّوع البورْنوغْرافي ، وَإذا أكَلَ مَريض فَيُرْشِقونَه بالحِجارة

    03) الْمَلِكُ وَمَن يَدورون حَوْلَه يَمْتَلِكون عَلى الأقَل 95 ٪ مِن ثَرَوات البِلاد ، فَإن كان الْمَلِك أقَل مِن الله لَما قالَ لَنا أين هِي الثَّرْوَة

    04) الْمَلِك جِد واع بِأنَّه لَيْسَ هُناك يَوْمُ عِقاب وَلا يَوْمُ حِسابْ ، وَإلّا لَمْ يَكُن هُنا ظُلْمْ وَلا إسْتِبْداد

    فَهاذِه النُّقَط تُبَرْهِنُ عَلى أن الله أضْعَف مِن المَلِك

  6. saad يقول

    الدستور هي وثيقة اوفكرة فلسفية الهدف منها قوانين في تسيير الناس بينهم وحفظ حقوق الناس والدولة كهيئة لكن في دولتنا وضع لحصانة الملك مادام الملك فوق القانون لحفظ امتيازاته مماا يتنافا مع مبدا وفكرة الدستور

  7. محمد أيوب يقول

    قلت حقا ونطقت صوابا:
    رأيي الشخصي من رأي الأستاذ الجامعي..فلسنا بدولة مؤسسات حتى تتم مساءلة بنكيران وجوقته وباقي كبار الموظفين السامين..فجميعهم يتمتعون بامتيازات المنصب والكرسي من غير أن تكون لأحدهم سلطة اتخاذ القرار خارج دائرة القصر وما يريده الملك..لذلك تبقى برامج الدكاكين/الأحزاب مجرد حبر على ورق..وأتحدى-كمواطن-بنكيران ومن سبقوةه ومن سيأتي بعده أن يقوم بجرد لما تم تطبيقه من”برامجهم”التي سطروها في جل المسرحيات الانتخابية..وأضيف:حبذا لو قامت الدولة بالغاء “الانتخابات”ووفرت ميزانيتها لتحسين ظروف عيش الناس..مشكلة بنكيران وجوقته ومن سبقوه ومن سيأتي بعدهم أنهم لا يتمتعون بالشجاعة الكافية لقول:”لا”وتقديم استقالتهم.. فالاامتيازات تمنعهم من ذلك..هاهم سكان الجبال يعانون من قساوة العيش:فمن يتدخل؟المفروض أن التدخل من مهام الحكومة باعتبارها جهازا تنفيذيا..لكن الواقع غير ذلك..فالملك هو الذي يعطي تعليماته من أجل التدخل.. لماذا؟هل لأن الحكومة لا علم لها بواقع الناس؟لا…ليس المر كذلك وانما هو رأي خبراء الاعلام والتواصل والصورة الذين يحرصون على ابراز وجه الملك في كل ما هو ايجابي واظهار الحكومة بمثابة العاجز والخامل والفاشل..وهي كذلك فعلا وواقعا بسبب غياب دولة الحق والقانون والمؤسسات..الخلاصة:هنيئا لمقاطعي الانتخابات للاعتبارات التي ذكرها السيد الجامعي في مقاله والتي تعزز موقفهم وقد كنت شخصيا واحدا من المقاطعين…الديموقراطية هي الحل:لكن أين هي ببلدنا؟

  8. Hamdoune يقول

    vous êtes entrain de jouer ave la stabilité
    De mon cher pays le Maroc .

  9. خ/* محمد يقول

    إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. ﻫﻜﺬﺍ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺷﺄﻥ المسؤول، ﺍﻟﻤﺴﻠﻢ المغربي الحق، ﻟﻴﺲ منكفئا ﻋﻠﻰ ﺫﺍﺗﻪ و أصدقائه، ﻻ‌ ﻳﻨﻈﺮ إلا‌ ﻓﻲ ﻣﺮﺁﺗﻪ، ﺑﻞ ﻳﺴﻊ ﻗﻠﺒﻪ ﺍﻟﻨﺎﺱ جميعا*

  10. أبو نوح يقول

    تبارك الله عليك، ماعندي مايتسالك أسي الجامعي

  11. نتتبع يقول

    كثر الله منامثالك ورفع عنا هذه الطبقة السياسية المتعفنة الى غير رجعة.كلمة حق افضل من نفاق سياسي مهما كان صاحبه.

  12. Mohammed AZAHAR يقول

    يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) ﴾( سورة النساء )

    Si vous aviez repris le verset correctement,vous n’auriez besoin de justifier quoi que ce soit pour personne……le verset est très EXPLICITE

  13. لوسيور يقول

    سيكون النقاش محتدما وحادا عندما تلغى مجانية التعليم…عندها سيسمع العالم صوت الشعب المغربي…
    انها سياسة ممنهجة اعتباطية رمساءلة ولا محاسبة فيها…لكن الشعب قد بلغ درجة من الوعي وهو ينتظر الفرصة السانحة لتحقيق العدالة بنفسه

  14. كاره الظلاميين يقول

    ما نآخذه عليك أستاذ الجامعي المحترم أنت وكثير من مثقفينا الأعزاء هو الإستجداء والإستعطاف لشخص الملك في أمور تعد من الحقوق الأساسية التي من واجب الدولة توفيرها وتحقيقها وعلى رئيس الدولة السهر على حمايتها، أما مسألة المسائلة فهي مطلب كل مناضل ديمقراطي يؤمن بالتعدد والديمقراطية والفصل في السلطات وسمو الدستور…
    الملاحظ في هذه السنوات الأخيرة أن بوصلة المطالب والدفاع عنها أصبحت متجهة نحو الملك بدل القوى الحية للمجتمع وجماهيره الشعبية، وهذا يضر بالدور التوعوي الذي يجب على المناضل المثقف أن يلعبه.
    شكرا لك أستاذ ولكل المناضلين الشرفاء في وطني العزيز

  15. Adil يقول

    الله ينصر دينك أ السي الجامعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.