الجامعة فضاء لتلقين الدروس و ليس ل”تحليق الرؤوس”

31

و أنا لم أتجاوز الحادية عشرة من عمري، قال لي يوما حلاق قرية غفساي (عمي السلاسي) في إحدى زيارتي له بمناسبة إحدى الأعياد الدينية:
حين نحلق الرأس يجب أن نستحم مباشرة بعد ذلك قبل أن نرتدي بذلة العيد.
و قبل أن أغادره، سألته:
كم من رأس تحلق في السنة؟
تردد قليلا قبل أن يجيب: لو كانت أيام الله كلها عيد لكنت من أغنياء القرية..
تركت حلاق القرية منشغلا بزبنائه المنهمكين في مناقشة أحوال و شؤون القرية الاجتماعية و الاقتصادية، وخرجت من قاعة الحلاقة ووجهي متجه إلى منزلنا لأعمل بنصيحته استعدادا لاستقبال العيد..
استحضرت حلاق قريتي النبيل و الشريف، و أنا أتابع اليوم ما حصل في إحدى كليات جامعاتنا المغربية من مظاهر الانحطاط و الإذلال و صلت إلى حد الاعتداء على مواطنة “بنت الشعب” و حلق رأسها ليس لاستقبال العيد، بل لدوس على كرامتها كإنسانة تستحق الحياة و الحماية و العيش الكريم.
استحضرت حلاق قريتي “عمي السلاسي”، لأتذكر كذلك واقعة لازالت موشومة في ذاكرتي يوم طاردني أحد أفراد القوات المسلحة ليحلق رأسي بأمر من القائد الممتاز ” مصطفى أيت سيدي مومة” الذي كان حاكم قريتي في زمن الجمر و الرصاص.
كما استحضرت ما قرأته عن العقاب الذي تعرض له أبناء جبالة و اغمارة في نهاية القرن التاسع عشر، بأمر من القواد و البشوات و أعيان المناطق الشمالية، حين أمروا بحلق رؤوس “المتمردين” بعد اعتقالهم. و نتذكر جميعا ما تعرضت له الحركات الاحتجاجية، في السبعينات و مطلع الثمانينات من القرن الماضي، من قمع و اعتقال بتهمة “إطالة الشعر” و الانتماء إلى حركات شبابية عالمية “الهيبيزم”، رافضة للبرالية و الاستغلال الطبقي، أو ما كان يتعرض له المعتقلين السياسيين في السجون من تعذيب و قمع مزدوج، كان يتوج بحلق رؤوسهم و الزج بهم في زنازين العزلة الانفرادية “الكاشو”..
و اليوم،و احصرتاه! تتحول الجامعة المغربية التي رضعنا فيها حليب الحرية و التربية على التعايش و الحق في الاختلاف و الديمقراطية الناشئة، إلى حلبة للاعتداء المادي و المعنوي على الأفراد و الجماعات. و ما واقعة “شيماء” سوى وجه من و جوه انتهاك جسد الآخرين و العبث بأعضائه، و هو ما يجب شجبه و إدانته من دون أي تحفظ.
فبعد ما كانت مهنة الحلاقة التي تعتبر من أقدم المهن – كما تشير إلى ذلك العديد من الدراسات و الأبحاث التي لامست مكانة الحلاق في مصر الفرعونية، حيث كانت حلاقة الفرعون جزءا أساسيا من طقوس التنصيب -، و أمام ما يشهد به التاريخ القديم و الوسيط و الحديث من نبل و شرف هذه المهنة التي أصبحت لاحقا علما له علاقة بالطب و الفنون، إلى أن انفصلت عن مهنة الطب بقرار من البرلمان الانجليزي في منتصف القرن الثامن عشر، ثم في فرنسا بقرار الملك لويس الرابع عشر..؛ و بعد ما كان للحلاق – كذلك- وظائف موازية مثل قلع الأضراس أو ختان الأطفال و علاج بعض الأمراض الجلدية، يحول “الحلاق الجديد” الجامعة من فضاء لتلقين الدروس إلى وظيفة بشعة لانتهاك حقوق الإنسان و إشاعة قانون الغاب.
هكذا تم السطو على مهنة الحلاق الرائعة، و تم استعمالها في تحقير و إذلال و تشويه مواطنة من الشعب، تستحق الأمن و الأمان مهما كانت درجة الاختلاف معها.
إن ما يقع في الجامعة اليوم، نبهنا إليه في أكثر من مناسبة، و يجب أن ننتظر الأسوأ، في غياب مقاربة شاملة تبدأ أولا وقبل كل شيء، بتوفير شروط تلقين الدروس العلمية و الفكرية و التربوية داخل الجامعة، و إعطاء الأولوية لمستلزمات العيش الكريم لكل الطالبات و الطلبة، و إعمال آليات التكوين و تطوير القدرات و المهارات، و خلق مرافق الترفيه و التثقيف و الرياضة. أما من لا زال يحلم بأمجاد الجامعة كفضاء للتنشئة السياسية، فلن يعيد إنتاج سوى ما يفعله الحلاق المتطاول على المهنة برؤوس اليتامى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليق 1

  1. محمد السني يقول

    عندما قرأت هذا المقال اعجبني كثيرا× خصوصا مصطلح بنت الشعب ولد الشعب الذي حاول الكاتب ان يتقمصه، وهو لم يعد ولد الشعب الذي كان في الجامعة، وانتمى الى تجربة سياسية خاضت حربا دامية مع القوى الظلامية حسب القاموس الذي استعمله ولا يزال يستعمله، كما مارست المحاكمات الجماهيرية. لا اعلم هل سينشر الموقع تعليقي ام لا المهم ان يقرأه ولو الموقع:
    1- المحاكمات الجماهيرية عرف جامعي قديم، كان وظل وسيظل، كون تحصين الجامعة من الاختراق القمعي لحماية حرية ممارسة السياسة، والحرية السياسة، مما تبقى حماية الساحة الجامعية من اختراقات تجار المخدرات وشبكات الدعارة وحتى الاقتحامات البوليسية التي تواجه بالعنف الطلابي، وكنت طالبا في وجدة فعندما حاولت قوات التدخل السريع، تصدى لها الكل بالحجارة يساريين، حركة ثقافية امازيغية، اسلاميين، وطلبة عاديين.
    2- مما سلف يمكنني القول ان خصوصية كل موقع وسيادة اي تصور في هذا الموقع الجامعي او ذاك، يمارس المحاكمات الجماهيرية، او الاعتداءات المادية الجانبية، واتذكر ان القوى الظلامية لا تأمن بالمحاكمات الجماهيرية، بل تفاديا للمتابعة تميل الى الاستهداف المباشر، او الاعتداء على الاشخاص بعيدا عن اعين الناس، وهذا ما لحظناه في الاحياء الجامعية، اختطاف طالب قاعدي من ساحة الحي الجامعي وادخاله الى احدى الغرف، واحتجازه، لأزيد من يومين مع الاعتداء عليه. وهو ما تقوم به الحركة الثقافية الامازيغية. ولنا الكثير من الادلة على ما قلناه وخير دليل طرق تصفية الطالبين القاعديين بكل من مكناس وفاس، واختطاف ولااعتداء على طلبة قاعديين بوجدة والتحقيق معهم بأليات بدائية
    القاعديين كونه الفصيل الذي يسود نضاليا وفكريا في العديد من المواقع، يحاول ان ينظبط لأعراف اوطم، وبالتالي مفروض عليه ان يتحمل مسؤولية محاكمات جماهيرية تقع في المواقع التي يسود فيها، ومنها محاكمات قد تخرج من الجماهير الطلابية وهذا ما وقع بالنسبة للشابة شيماء.

    عندما قرأت مثل باقي الناس، ظهر لي ان الحكم الذي اصدره الطلبة في حق الشابة، رجعي بكل المقاييس، الا انني حتى اقيس بمقياس العدل حاولت البحث والتقصي من طلبة اعرفهم بعيدا عن الصراع الفصائلي،فوجدت ان الطلبة طلبوا من الفتاة العاملة مغادرة الكلية، وهذا جانب حيث ان مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، غالبا عندما يجدوا احد الاشخاص اما يتناول المخدرات او يتاجر فيها او طالب يمارس ممارسة تسيء للحرم الجامعي يطلبون منه الانسحاب.
    الاسباب:
    1- راقبوا تحركاتها المشبوهة على مستوى الجامعة والحي الجامعي
    2- تصوير اوجه الرفاق والرفيقات وتوجيهها لأحد الاشخاص الذي قيل ان لها علاقة غرامية معه، وهو ينتمي للحركة الثقافية الامازيغية.
    3- وجود صور لطالبات في هاتفها بلباس شبه عاري، عندما سئلت قالت انها صور عادية، الا انها صور لعدد كبير من الطالبات مما شك الطلبة في كونها تنشط في شبكة للدعارة.
    ما كان ردها على طلب المغادرة:
    1- التعنت
    2- الهجوم مع اختها والعديد من الشمكارة على الطلبة بالحرم الجامعي، احراق وجه طالبة ، اعتداء بالة حادة ( زيزوار) على احد الطلبة من داخل مكتبة الكلية وليس كما قيل انهم ادخلوها من امام باب الكلية.
    الحكم:
    الحلقية عرفت حضورا كبيرا للطلبة، لم تكن المحاكمة مقتصرة على الرفاق، بل توجيه المحاكمة كان في اتجاه تعنيفها وقطع يدها، وهذا ان عبر عن ثقافة الطلبة الاسلامية، التي تؤمن بقطع الايدي، سيتدخل احد الرفاق لتوجيه المحاكمة الى كونها بنت الشعب ولا يمكن ان نصدر في حقها مثل هذه الاحكام، فقال يمكن قص شعرها، والقص ليس التصلاع، فما كان من الطلبة الا ان يذهبوا الى ماذهبوا اليه بحلق شعرها لأنه اصلا قصير ، وحلق حاجبيها، ذون الصفع او ما شابه من اكاذيب، وثم تنفيذ الحكم.
    ( خلاصة لقد جمعت الكثير وسأعمل على نشره في شكل مقال )
    السي المريزق راك ماشي ولد الشعب، كفى من استثمار وظيفتك بكلية الاداب بمكناس من اجل الاستقطاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.