التحريض الإرهابي والإرهاب التحريضي.

25

قبل سنتين، عندما خرج علينا المدعو ” أبو النعيم” ليكفر الفاعل الحقوقي والناشط الأمازيغي ” أحمد عصيد”، قال رئيس الحكومة ” عبد الإلاه بنكيران”: ” إذا أراد الناس أن لا يسمعوا كلاما قاسيا، عليهم أن يحترموا عقيدة الأمة.”… وخلال الأيام الأخيرة سمعنا كلاما مماثلا صدر هذه المرة عن وزير العدل والحريات الذي قال في إطار النقاش المفتوح حول مسودة القانون الجنائي كلاما مفاده أن ” من يريد معرفة حقيقة المغاربة، فليفطر علنا في رمضان”…
في الحالتين معا، يتعلق الأمر بمسؤولين حكوميين، يفترض فيهما أن يكونا حريصين على فرض القانون والعمل به، بعيدا عن المواقف العاطفية التي لا تخلو من التحريض والتهديد. ذلك أن مثل هذه التصريحات تحمل في طياتها ابتزازا صريحا لدعاة الحرية الذين يحلمون بمغرب حر وديموقراطي ينضبط لقيم المواطنة والمدنية. وهي تلمح إلى تجييش الرأي العام من أجل فرض الأمر الواقع. وعندما يتم الإحتكام إلى الشارع في القضايا المرتبطة بالقيم الإجتماعية على أساس صراع الأغلبية والأقلية، تكون النتيجة الحتمية هي ما شهدناه خلال الأيام الأخيرة من سلوكات خطيرة ( وإن بدا أنها معزولة) تهدد حريات الأفراد، وتحاول أن تصنع مجتمعا على مقاس واحد تحت مسمى: صيانة وحماية أخلاق المجتمع، وذلك في تحد واضح للقانون.
ما حدث في إنزكان (قضية التنورة)، وفي فاس (الإعتداء على مواطن بتهمة المثلية)، وفي إحدى جماعات خريبكة أيضا (محاصرة شابين بتهمة الإفطار العلني في رمضان)… يؤكد أن جينات الإرهاب والعنف لها مساحة واسعة في النسيج الإجتماعي المغربي. وهي تتغذى على خطاب التطرف والغلو وتستغل واقع الجهل والأمية وقداسة الإيمان الروحي عند شريحة واسعة من المغاربة. وذلك هو مكمن الخطر، لأن بذرة الإرهاب يغرسها خطاب التكفير والتخوين والتهديد الذي ينبغي اجتثاثه وتقويضه قبل أن يتحول إلى عنف عملي ومنظم. وبذلك تكون كل أشكال التحريض باسم الدين بمثابة دعوة صريحة لهدر الدماء، لأن التحريض والإرهاب صنوان لا يفترقان، وهما وجهان لعملة واحدة. لذلك فإن تراخي الجهات المعنية في التعامل بحزم مع الحالات المذكورة وغيرها، لن يؤدي إلا إلى ظهور بؤر جديدة لخرجات هيئات ” النهي عن المنكر” على غرار ما عرفته إنزكان وفاس وخريبكة….
إن نجاح المقاربة الأمنية في إسقاط عدد هائل من الشبكات والخلايا الإرهابية منذ أحداث 16 ماي 2003، يؤكد أن أكبر خطر يتهدد المجتمع المغربي اليوم هو سرطان العنف الديني الذي ينخر عددا كبيرا من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولكن تكريس الإستثناء المغربي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مزيد من اليقظة والحزم في التعاطي مع الإرهاب سواء كان فكرا أو خطابا أو ممارسة. فخلايا الإرهاب النائمة ليست هي تلك التي تضبط قبل تنفيذ مخططاتها الإجرامية فحسب، بل هي ثاوية أيضا في خطاب التكفير المتسيب الذي يتنامى باستمرار، ويبدو منفلتا من الضبط والمراقبة على الرغم من كل المجهودات التي بذلتها الدولة في تنظيم الشأن الديني، حيث مازالت بعض المنابر تستخدم كوسيلة لبث سموم التكفير والتحريض دون أن يكون لها رادع قانوني.

إن الخطر الحقيقي الذي ينبغي التصدي له هو هذا السعي الذي يبديه هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على إيمان الناس إلى مصادرة الحريات عن طريق التهديد والوعيد. وهنا يستعمل الدين وسيلة للتخويف والترهيب. وأكثر ما يهدد الحريات هو التوظيف السياسي للدين، لأن من شأن ردود الفعل الانفعالية التي تحاول باستمرار أن تبدو بمظهر الدفاع عن القيم الدينية وصيانتها، وتطلق نيرانها على كل رأي أو موقف مخالف، من شأنها إذن أن تغيب العقل والقانون وتفسح المجال لتنامي فكر التكفير الذي يتحين الفرص ليطل بوجهه في كل مناسبة. وفي ثقافة مقيدة بالطابوهات يصبح كل موقف أو سلوك يؤمن بالحداثة والحرية أو يتأسس على المرجعيات الكونية لحقوق الإنسان سقوطا في التغريب والعمالة… ومن تم فهو معرض للرفض والنفي باسم الدين طبعا.
من المؤكد أن سؤال الحرية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الثقافي العام المؤسس للعلاقات الاجتماعية. والدعوة إلى احترام الحريات لا يعني إسقاط الحواجز وإلغاء الخطوط الحمراء. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن حرية مطلقة بدون ضوابط منظمة لها. لذلك فإن أي نقاش عقلاني حول الحريات لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا في سياق قانوني واضح يتأطر ضمن جدلية الحقوق والواجبات بالشكل الذي تفرضه المواثيق الدولية من جهة والمقتضيات الهوياتية الخاصة بالمجتمع من جهة ثانية دون وصاية أو إكراه. ومن هنا تأتي أهمية وقيمة النقاش الذي تعرفه بلادنا حول مسودة القانون الجنائي.
في المغرب يحضر الشأن الديني كمجال للتدبير السياسي شأنه في ذلك شأن كل المجالات الأخرى، إلا أن نفوذ الخطاب الديني يتعدى مستوى المؤسسات المعنية ليتدخل في مختلف تفاصيل الحياة بوصفه معبرا عن انتماء هوياتي يحكم القيم الاجتماعية وينظمها. لكن، عندما يتجاوز الدين دوره التربوي والأخلاقي يمكن أن يتحول إلى أداة للتحكم والاستبداد تصادر الحق في التعبير والحرية في الاختيار، وتعزف في كل مرة على وتر الإيمان الروحي للتجييش والاستقطاب. والحال أن الدين يجب أن يكون دافعا للتخليق والتعايش وليس وسيلة للترهيب والإكراه. فالحرية ينبغي أن تظل مبدأ لا يقبل المساس به إذا أردنا أن نؤسس لديموقراطية حقيقية.أما إذا سمحنا لأعداء الحرية بمزيد من النفوذ والغلبة، فإننا نفسح المجال يوما بعد يوم لتغلغل الطالبانية بيننا. وحينها سنكون قد صادرنا حرياتنا بصمتنا وخوفنا. ولا خير في مجتمع يخشى من الحرية.
محمد مغوتي. 12 يوليوز 2015.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

6 تعليقات

  1. said echahbouni يقول

    يا استاذ الفاضل لقد تناولت موضوع جد مهم لكن من المعروف ان الدستور المغربي يحمل
    وجهان وجه ديني و وجه علماني

    لكي يعيشوا المغاربة متساوين لأن هناك من هو علماني ومن هو مسلم

    اما العلمانين واللبرالين و المسلمين لا فرق بينهما ابدا المتاسلمين هم اللذين يجعلوا الفرق

  2. bentatou يقول

    وزراء المغرب يحاولون استقام كراسيهم فوق التيتانك.

    كثير من الأمزيغيين متشبتو ن بالإسلام لكن يعلمون أن عرَّبَ كثير الأحيان نتيجته هي خرَّبَ.

    الله إجيب شي ساعة حسن من هَدِ.

  3. محمد المساوي يقول

    كل ما ناقشته أخي لا غبار عليه ولكن لا يمكن أن نغلف كلام السيد الوزير بغلاف التحريض فكلامه لا يتعدى ما ينص عليه القانون وأعراف المجتمع والدين ، وأحيلك على مثال في عهد الحسن الثاني عندما قامت الدنيا حول حقوق المرأة في مجال المساواة ولما احتكم الجميع إلى الدين ( أمير المومنين) سكت الجميع ولم نسمع عن الأمر بعدها ، ولم يقل أحد حينها أن كلام الملك آنذاك يعد من قبيل التحريض على الإرهاب ( الفكري) ، ولمزيد من التوضيح لا أحد يمكنه أن يحل محل الدولة في تنظيم أمور المواطنين ( النهي عن المنكر مثلا) وكل من نصب نفسه مكانها فالقانون واضح في هذا المجال ( كما حدث مع المعتدين على المثلي ) ، أخي علينا ألا نعطي الأمور أكثر من حجمها ، فالمغرب لا زال بعيدا عن كل ما يتعلق بالإرهاب كيفما كان نوعه( فكري – اجتماعي -سياسي ).

  4. Khalid Hannassi يقول

    لو تمعنا فيما يقوله بنكيران و الرميد و غيرهما كثير و هي اقوال غير دقيقة و متناقضة و مفارقة و لا تصمد امام تحليل بسيط و بدائي- في اية كلمة يتفوه بها بنكيران كلها خطأ و متناقضة كليا – لم لانه يقحم “الدين” او بالاحرى ثقافة دينية كلها “بداوة” و “تبسيط” و اختزال” و لا عقلانية الخ- ما بعض ما جاء في المقال يفهم من كلام بنكيران و رهطه ان الناس على كلمة واحدة و مجشية و “مسقية ينفس المغرفة” كما يقال- و الواقع هو العكس تماما- لا في تاريخ الاسلام و لا في واقع المجتمعات الاسلامية الخ- و كلها مجتمعات فاسدة و منافقة و مبنية على فن الكذب و التبريرالخ- في عقلهم الصغير: هيا “افطروا و تنكاحوا” لكن بعيد عن الاعين- و هذه قمة النفاق- و نفي و انكار للواقع و للتعدد العادي الخ- معنى هذا انه فقط يلزم اخفاء العيوب و التعدد و نظهر صورة وردية و مثالية (كلها كذب) ليقول الناس “اه ما عندنا مشاكل، انظروا: لا اضراب و لا افطار و لا فساد و لا سرقة و لا كذب الخ’ في حين ان واقع الحال هو العكس تماما- فهل حلينا المشاكل و الاختلاف ام فقط غطينا عليها- اليس جبنا و هروبا و نفاقا- ايهما افضل: الوضوح و الشفافية ام التقية و التخي و اضمار الحقيقة الخ؟ هل هكذا نبني مجتمعا و دولة و حضارة؟ الاسس كلها واهية مبنية على الخداع و الغش و البهتان الخ

  5. Khalid Hannassi يقول

    ان ما قاله الوزير الرميد يعد خطرا و تشجيعا على الارهاب و الفوضى و الوزير
    نظرا لمحدودية ثقافته و بالتالي تفكيره بل ذكاءه يمكننا الرد عليه على
    الشكل التالي : “ماذا لو تم منح او الاعتراف بحرية المعتقد و التدين و
    انذاك سوف تتفاجئ ايها الوزير بردات فعل الناس و سترى بعينك ما لن تستطيع
    تخييله الا و هو 60 الى 70 في المئة من الناس لا تصوم بل تفطر و كم عدد
    الناس الذين يفطرون في الخفاء؟ شخصيا اعرف اللالاف لكن مختبؤون لا غير- ثم
    كم هي نسبة من يصومون ايمانا و اعتقادا؟ ثم علاش الناس لا تتسامح في افطار
    رمضان و تتسامح في عدم الصلاة رغم انها عماد الدين؟ لان فقط الناس “ماشي
    صايمين” بل فقط “جيعانين”- و علاش انا تصوم و الاخر ياكل بلا عقدة- الناس
    نهمة بطنية لا علاقة لها بالايمان بل بالاكل لا غير- و الا لم لم يستفزون
    في الصلاة؟ ثم حتة في قضية الصلاة؟ هل نريد ان يصلي الناس جميعا من 4 سنين و
    ما فوق؟ طيب- اين اللوجستيك و الامن و النقل و المساجد الخ؟ ثم اين العمل؟
    من يعمل؟

  6. Khalid Hannassi يقول

    ان ما قاله الوزير الرميد يعد خطرا و تشجيعا على الارهاب و الفوضى و الوزير نظرا لمحدودية ثقافته و بالتالي تفكيره بل ذكاءه يمكننا الرد عليه على الشكل التالي : “ماذا لو تم منح او الاعتراف بحرية المعتقد و التدين و انذاك سوف تتفاجئ ايها الوزير بردات فعل الناس و سترى بعينك ما لن تستطيع تخييله الا و هو 60 الى 70 في المئة من الناس لا تصوم بل تفطر و كم عدد الناس الذين يفطرون في الخفاء؟ شخصيا اعرف اللالاف لكن مختبؤون لا غير- ثم كم هي نسبة من يصومون ايمانا و اعتقادا؟ ثم علاش الناس لا تتسامح في افطار رمضان و تتسامح في عدم الصلاة رغم انها عماد الدين؟ لان فقط الناس “ماشي صايمين” بل فقط “جيعانين”- و علاش انا تصوم و الاخر ياكل بلا عقدة- الناس نهمة بطنية لا علاقة لها بالايمان بل بالاكل لا غير- و الا لم لم يستفزون في الصلاة؟ ثم حتة في قضية الصلاة؟ هل نريد ان يصلي الناس جميعا من 4 سنين و ما فوق؟ طيب- اين اللوجستيك و الامن و النقل و المساجد الخ؟ ثم اين العمل؟ من يعمل؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.