الإســـلامــيـــون والـــولاء للــــدولـــة

94
طباعة
لاحظ الكثير من المغاربة في سلوك قياديي العدالة والتنمية وبعض وجوه التيارات الإسلامية الأخرى نوعا من الحماسة في دعم التيارات الشبيهة لهم في العالم، مع فتور ظاهر في دعم القضايا الوطنية مثل قضية الصحراء. ولتفسير ذلك لا بدّ من معرفة الجذور الفكرية والمرجعية الإيديولوجية لتيارات الإسلام السياسي:

يعاني الإسلاميون بمختلف مللهم ونحلهم من عقدة الدولة الوطنية الحديثة، حيث لا يجدون في مرجعيتهم الفكرية والدينية ما يسندها، فبما أنهم منغمسون في الفقه التراثي الذي يحدّد مرجعيتهم في النظر والعمل، فإن هذا الفقه بني كله على وجوب قيام الخلافة والولاء للدين، وعلى تدبير شؤون “جماعة المسلمين” في “دار الإسلام”، وهي كلها أمور لم تعد موجودة حيث:

1) انهارت الخلافة الدينية وانتهت منذ بداية القرن العشرين، وتأسست دول وطنية مركزية كثيرة وفق قوميات وهويات وطنية لبلدان مختلفة، أصبحت لها حدود جغرافية وأعلام وجنسيات، وبما أن هذه البلدان تضمّ مواطنين من مختلف الأعراق والألوان والألسن والعقائد، فإن فكرة “جماعة المسلمين” لم يعد لها أساس في الواقع، إذ أصبحت الدولة تخدم المجتمع الذي يتكون من مواطنين هم على قدم المساواة أمام القانون، ولم يعد المجتمع “جماعة” منسجمة، بقدر ما أصبح الحق في الاختلاف واحترام الآخر أساس السلم الاجتماعي. ومع هذا التغير تراجعت فكرة أولوية الدين على الإنسان المواطن، فأصبح الولاء للدولة يجعل هذه الأخيرة ملزمة بملائمة المضامين الدينية مع مصلحة الإنسان وتحولات المجتمع وحاجاته المتجددة.

2) لم يعد مصطلح “دار الإسلام” أيضا موجودا حيث لم يعد له من معنى، فقد كان يستعمل للتفرقة بين “دار الإسلام” حيث تقوم الخلافة، وبين “دار الحرب” التي تعني البلدان التي يقيم فيها غير المسلمين من اليهود والنصارى والوثنيين، والذين تجب محاربتهم وقتلهم من طرف المسلمين لدفعهم إلى اعتناق الإسلام أو إلى دفع الجزية كما هو حال أهل الكتاب (وهم صاغرون أي مذلولون ومميزون عن المسلمين بأحكام خاصة تسمى “أحكام أهل الذمة”).

3) أصبحت الدولة الوطنية المركزية تعتمد القوانين الوضعية المتعارف عليها في الكثير من بلدان العالم، ولم تعد الشريعة الدينية هي المرجع في القوانين والسياسات، بل أصبحت في بعض البلدان واحدة من المرجعيات بوصفها مبادئ عامة، وفي بعضها بوصفها أحكاما في مجالات دون أخرى، وفي بعضها الآخر تقلص اعتمادها إلى مجال الأحوال الشخصية لا غير، مع تعديلات متتالية لمدونة الأسرة هنا وهناك لصالح المرأة العصرية التي أصبحت عاملة ومنتجة مثل الرجال تماما. وأما اعتماد الشريعة الدينية بوصفها نظاما عاما وشاملا لمرافق الدولة فلم يعد معمولا به إلا في بلدان معدودة على رؤوس أصابع اليد الواحدة، وهي كلها بلدان تعاني من مشاكل لا حصر لها، أولها الطابع الرقابي البوليسي المتشدّد، وآخرها الجهل والجمود الاجتماعي والفكري.

غير أنّ الدول الإسلامية الأخرى بدورها، التي اعتمدت قوانين عصرية وقطعت نسبيا مع نظام الشريعة، لم تفعل ذلك في إطار الحسم الديمقراطي بل في إطار أنظمة استبدادية منها العسكري والأوتوقراطي والأوليغارشي والفردي، فلم يستطع الوعي الإسلامي هضم ثمرات التحديث بسهولة بسبب عرقلة مسلسل الدمقرطة الداخلية، ما تمخض عنه التيار الإسلامي بوصفه خطابا احتجاجيا عبّر عن ضرورة العودة إلى الدولة الدينية دولة الشريعة وسلطة الفقهاء ووصايتهم على المجتمع. وقد ساهم في تيسير عمل الإسلاميين وإنجاحه وجود نزوع ماضوي متأصل في المجتمعات الإسلامية، يجعلها كلما واجهتها مشكلة عويصة من مشاكل العصر الحديث تلجأ إلى الماضي بشكل نكوصي للبحث فيه عن “حلول جاهزة”، ولأن الدين كان هو الذي يؤطر الدولة والمجتمع قبل الأزمنة الحديثة، فقد أصبح في المخيال العام يبدو كما لو أنه الملاذ والحلّ.

ـ اعتبار الدين حلا جعل فكرة الدولة عند الإسلاميين تظلّ خارج واقع الدولة الوطنية، أي لا تعترف بالحدود الجغرافية، إذ تقوم أساسا على حلم استعادة الخلافة الجامعة، وهذا ما يفسر قرب تيارات الإسلام السياسي من تنظيمات بعيدة عن أوطانها، في إطار النصرة والمؤازرة، وبُعدها عن تنظيمات بلدها الذي تشترك معها في الوطن والدولة والمجتمع والثقافة واللغة، ولكنها تختلف معها في نمط التديّن، حيث تتبنى التيارات الإسلامية تدينا خارجانيا مستوردا من نماذج أجنبية معولمة.

ـ ونظرا لغياب نموذج إسلامي ديمقراطي متقدم، حيث أن كل الأنظمة الدينية المتواجدة مثل إيران والسعودية والسودان، والتي تعتبر دولا متخلفة واستبدادية إلى أبعد حدّ، أو تلك التجارب المسلحة العابرة مثل دولة الطالبان وداعش وجبهة النصرة، والتي أبانت عن فشل ذريع في تدبير شؤون المجتمع وفي تحقيق النموذج النبوي كما يتصورونه، نظرا لذلك فقد حدث ارتباك كبير في الوعي الإسلامي بسبب كون كل التجارب والدول الراقية والمزدهرة إنما تحققت في دول علمانية حسمت منذ زمن غير يسير في الفصل بين الدين والسياسة، واعتمدت مبدأ الحرية والمساواة في إطار المواطنة منطلقا للبناء الاجتماعي والقانوني، واعتمدت العقلانية العلمية أساسا للتربية ولتطوير الصناعات المختلفة، وهذا ما يفسر ميل الإسلاميين إلى مساندة تركيا باعتبارها بلدا إسلاميا استطاع ـ بفضل علمانيته ـ أن يخرج من التخلف الشرقي الذي كان يتخبط فيه أيام الأمبراطورية العثمانية، لكن ارتباك الإسلاميين يبقى قائما حتى في النموذج التركي، فهم يساندون تركيا فقط لأن الحزب الحاكم فيها محسوب على التيار الإخواني العالمي الذي ينتمي إليه أيضا حزب العدالة والتنمية المغربي، لكن مشكلتهم هي أن الحزب الإسلامي التركي إنما استطاع أن ينجح في مهمته بفضل علمانيته واحترامه للتعاقد المؤسس في تركيا منذ مدة بين العلمانيين والإسلاميين وهو احترام مبدا علمانية الدولة بوصفها أساسا جامعا للكل، وإطارا موحدا للأمة التركية بغض النظر عن عقيدة أهلها ومذاهبهم الدينية التي تظل اختيارات شخصية. وقد يلقي إردوغان بتركيا في أتون الفتنة والاضطرابات إذا ما قرر في يوم ما، بسبب طموحه الزائد عن الحدّ، أن يمسّ بالأساس العلماني للدولة، لأن من شأن ذلك أن يوقظ الخلافات المذهبية والعقائدية والعرقية لتلتحق تركيا بخريطة الحروب الأهلية في المنطقة.

يفسر هذا لماذا يهتم الإسلاميون كثيرا بالتجارب الإسلامية عبر العالم ويصفقون لها بحرارة ويظهرون استعدادا للانخراط فيها والتبعية لها، إنهم يبحثون عن نموذج يعيد لهم الأمجاد الغابرة لماض ليس إلا صورة ذهنية في مخيالهم الجماعي، لكنهم لا ينتبهون إلى أن النموذج الوحيد الذي يمكنهم أن يفخروا به هو النموذج العلماني التركي الذي يمثل درسا لم يستوعبوه بعد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

14 تعليقات

  1. KABBOUTI يقول

    من خلال فراءة مقال الأستاذ و المفكر المغربي “أحمد عصيد” نستنتج أن قائد تركيا مسلم “أردوغان”
    لباخرة علمانية “تركيا” على متنها أطياف بشرية من كل الأعراق و الأديان و المذاهب. و لكن البواخر غالبا ما تتآكل و تتهالك أضلاعها، فيجب استبدالها بأضلاع أخرى قوية و صلبة و تتحمل أمواج الفتن و رياح التطرف حتى لا تقع في أعماق بحر الإضطربات الدينية و المذهبية و الفكرية الرجعية، و ما يدريك أن تكون الأضلاع الجديدة مسلمة و بها تصبح الباخرة مسلمة و قائدها مسلم. ” تركيا المسلمة، و يقودها مسلم، و جيش محترف إسلامي،…..)

  2. dghoghi nordine يقول

    تعيش العلمانية لانها اتية من العلم…
    انا ادافع عن العلمانية لحماية الدين من الاستبداد المديني والديني..
    السياسة علم نقي…
    والدين بينك وبين الله…. لا تستغله لخدمة القوادة لاسيادك… الحكام…..

  3. محند أوسادن يقول

    ههههههه لقيتيني اعصيد كنقول مع راسي علاش العدمانيين والحداثيين الارهابيين لديهم حماسة كبيرة في دعم التيارات الشبيهة بهم في كل بقاع العالم واعراضا منهم ونفورا من دعم قضايا المسلمين.. ساعة لقيت بان السبب هو انهم يحاربون الاسلام اصلا.. فكيف لمن يحارب الاسلام ان يهتم بقضايا المسلمين؟؟؟ العدمانية والحداثة إرهاب ممنهج منظم. ههه

  4. alwajdi يقول

    anta insan fachal spe de mangoul machi amazikhi ou machi magribi

  5. Hicham يقول

    مقال اكثر من راءع,
    ايمان الاسلامين في حتمية اعتقاد كل الناس بما يعتقدون هو ما جعلهم في نفور من اعتماد نضام الدولة الحديثة

  6. Ali يقول

    الكلام كثير والمعنى قليل… فكرة الكاتب هي أنه لكي يحصل تقدم في المجتمع في جميع مناحي الحياة على الدولة أن تتبنى النمودج العلماني الذي لا يتحقق إلا بفصل الدين عن الدولة…

    هذا كلام الملاحدة الذين يحاربون الدين بشتى السبل والنظريات حتى الخاطئ منها … إن كان هذا الكلام صحيحاً فلماذا يحكي التاريخ عن حضارات عظمى عرفت تقدماً كبيراً لم يُفصل فيها بين الدولة والدين (الدين مهما كان) كالحضارة الإغريقية والرومانية والفرعونية وحتى الإسلامية (الإسلامية لأزيد من 8 قرون)؟ هل تبنت الدولة في هذه الحضارات ” العلمانية ”؟ هههههههه

  7. Ali يقول

    الكلام كثير والمعنى قليل… فكرة الكاتب هي أنه لكي يحصل تقدم في المجتمع في جميع مناحي الحياة على الدولة أن تتبنى النمودج العلماني الذي لا يتحقق إلا بفصل الدين عن الدولة… هذا كلام الملاحدة الذين يحاربون الدين بشتى السبل والنظريات حتى خاطئ منها … إن كان هذا الكلام صحيحاً فلماذا يحكي التاريخ عن حضارات عظمى عرفت تقدماً كبيراً لم يُفصل فيها بين الدولة والدين (الدين مهما كان) كالحضارة الإغريقية والرومانية والفرعونية وحتى الإسلامية (الإسلامية لأزيد من 8 قرون)؟ هل تبنت الدولة في هذه الحضارات ” العلمانية ”؟ هههههههه

  8. الفاروق المغربي يقول

    المعروف عن التقية انها مذهب شيعي يستغل الكذب و النفاق والخداع لتحقيق مآرب آل البيت العقدية ولكن ما لا تعرفه الغالبية العضمى ان التقية الاخونجية هي اخطر و امكر مئات المرات من نضيرتها الشيعية .. الاخوان يعملون بمبدأ تمسكن حتى تتمكن ومادامت الدولة المدنية.صلبة متماسكة فهم يعلنون ولاءهم لها لكن ما ان يشموا رائحة الضعف حتى تتقوى شوكتهم و تكشر انيابهم و يسيل لعابهم انهم الشر بعينه ملفوف في جلباب المواطن الصالح المحب للسلم و العامل على استتبابه _ ولكم في مصر و سوريا و ليبيا عبرة يا اولي الالباب _ الاخونجي لا وطن له .. محب للفوضى عاشق لازهاق الارواح و اسالة دماء الابرياء فيا ليتنا عوضنا حملة ” زيرو ميكا ” بمصطلح ” زيرو اخونجي ” فهؤلاء افتك بهذه الامة من ميكات الكون باكمله 

  9. صاغرو يقول

    يجب التأكيد كذلك ان المغرب عاش مستقلا بحيث فشل العثمانيون في احتلاله واخضاعه.
    والان يريد الاخوانجية منح المغرب لتركيا بدون قتال هههه
    اما التبعية فهي ناتجة فقط عن مبرمجيهم يتواجدون هناك.
    حنا واعرين خغير فالنقيل

  10. صاغرو يقول

    يجب التأكيد كذلك ان المغرب عاش مستقلا بحيث فشل العثمانيون في احتلاله واخضاعه.
    والان يريد الاخوانجية منح المغرب لتركيا بدون قتال هههه
    اما التبعية فهي ناتجة فقط عن مبرمجيهم يتواجدون هناك.
    حنا واعرين غير فالنقيل

  11. أبو أيوب يقول

    تحليلك موفق وعتيد يا أستاذ عصيد…ومرة أخرى: هنيئا لإخواننا على الفيسبوك!

  12. berlin01 يقول

    آرا ماتغني المغاربة مسلمون والدستور المغربي الذي صو ت المغاربة عليه يؤكد أن المملكة المغربية دولة إسلامية .والشعب المغربي عرب وآمازيغ يحافضون على ثراتهم الإسلامي وإدا أردت دولة علمانية فمكانها ليس المغرب ومن يروج لدالك في الوقت الحاضر إما جاهلا أو مجنونا فاختر مع من تكون السيد عصيد وكفانا من هاد العصيدة التي لا تفيد المغاربة في شيء .المغاربة يريدون حكومة تخدم مصالحهم لا يهمها أن يكون يساريا أو علمانيا أو إسلاميا أو حتى من كوكب زحل

  13. ولد الدرب يقول

    الديانات مخدرة و محقرة للعقل. و الإسلام أكثرها خطورة لأنه يأمر أتباعه بقتل الآخرين و بقتل كل مرتد عنه. لابد للبشرية أن تتخلص من هذه الكوابح للعقل لكي تتخلص من حروب لا معنى لها. و لكي يرجع الإنسان إلى الصيرورة الطبيعية نحو التطور الإيجابي الذي كان سيمشي فيه لولا النكوص الذي أحدثته الأديان على طول تاريخ طويل.

  14. moi يقول

    Ton fond de commerce est rouillé espèce de yen!!!!!!
    Essaye d’écrire sur ta vie elle est pleine de surprises et de délinquance intellectuelle et privé!!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.