الأحزاب المغربية والممارسة السياسية.. المعيقات والأعطاب

641

لطفي أبو القاسم

إن الواقع السياسي والاجتماعي اليوم يحمل من الجديد ما يجعلنا نتمعن فيه بتركيــز، حتــــى

نتمكن من ملامسته و فهمه بشكل صحيح، ونستنتج من خلاله النتائج الصحيحة التي تمكنـــــنـــا مـــن

تقديم الإجابات الممكنة والتي تتماشى مع هذا الواقع المعقد . فإذا اقتصرنا على الانتقادات الجـاهــــزة،

والمزايدات السياسية الفاقدة للنظرة المستقبلية، لا يمكننا فهمه ولا معالجته.

ـ لهذا ارتأينا أن نعالج هذا الموضوع ـ الأحزاب المغربية والممارسة السياسية ـ بعيــــدا عــــن

المزايدات السياسية، والنظرة المحدودة الضيقة، التي تدور في حلقة مفرغة، وتخفي عجــــــزهــا فـــي

تحميل المسؤولية لجهة دون الأخرى، إما لأنها لا تملك إجابات على هذا الواقع، وإما للحـفــــاظ علـــى

الوضع كما هو لحماية بعض الامتيازات التي تتمتع بها قيادات هذه الأحزاب .

ـ كما أن معالجة هذا الموضوع تتطلب العودة لعقود إلى الوراء، لتوضيح الأدوار التي لعبتـــها

الأحزاب المغربية ـ وبالتحديد الاحزاب المعارضة ـ في الحياة السياسية. والحصار والتضييق والقـمـع

الذي تعرضت له طيلة سنوات الجمر والرصاص. وتأثير ذلك على مستوى أدائــهـــــا وبنيــــاتــــهــا

التنظيمية. لكن واقع القمع والتضييق هذا لم يكن وحده سببا كافيا في الضعف والوهن اللـــذان أصـــابـا

أحزابنا، بل هناك عوامل أخرى ذاتية وهي أكثر خطورة، ساهمت فيها النخبة السياسية ، أفقدت الفـعـل

السياسي داخل هذه الأحزاب مصداقيته، ومن هذه المشاكل : ( سيادة النزعة الزعامتية،اعتماد اسـلـوب

الإقصاء والتهميش في حق المناضلين، والكفاءات، اعتماد أسلـــوب الــولاءات، وخدمـة المقربــيـن….

التهافت على المناصب بطرق غير مشروعة، فساد ممثليها في المؤسسات….. )

ـ إن هذا التداخل بين ما هو موضوعي وذاتي في أزمة أحزابنا هـــو الـــذي أدى إلــــى ضـرب

مصداقيتها وفقدان الثقة فيها من لدن المواطنين. وغالبا ما كانت هذه الأحزاب تسكت عــــن أزمـــتــهـا

الذاتية، محاولة التهرب من مسؤولياتها اتجاه الدولة والمجتمع، وحتى إذا استحضرتها في نــقـــاشاتـهـا

فتستحضرها لإرضاء خواطر المنتمين لها فقط، وليس بهدف الإجابة عن مكامن الداء والخلل للنـهـوض

بأوضاعها الداخلية، وتقويم ممارستها السياسية.

ـ على العموم فقد لعبت الأحزاب المغربية وخاصة منها المعارضة أدوارا مهمـــة وبـارزة فــي

الحياة السياسيـــة المغربية بعد الاستقلال، بهدف الوصول إلى تحقيق الديمقراطية والحرية والعـدالـــة

الاجتماعـية بـبلادنــا، وهناك محطات تاريخية شاهدة على نضالها المستميت من أجل القضاء عـــلـــى

الحكم الفردي المطلق، والنضال من أجل إقرار دستور يستجيب لمطالب القوى الديمقـراطية والدفاع مـن

داخل المؤسسات عن الحرية وحماية حقوق الانسان، والدفاع كذلك عن حقوق المرأة ، ومـــحـــاربـــة

الفساد…… ولا يخفى على أي أحد حجم التضحيات الكبيرة التي قدمتها في سبيل ذلك. وهي تـــخـوض

صراعها المرير ضد المخزن، الذي استفرد بالحكم وعمل على إقصاء كل الفاعلـــيــــن السياســيــيـــن

المعارضــــيـن وأفسح المجال لأحزاب موالية لسياساته، همها الوحيد هو الاستفادة مـن ثروات الوطـن

بأشكــال غـيـر مشروعة ضاربة مصالح المجتمع والدولة عرض الحائــــط. ولــم يكتــفـــي المــخــزن

والموالين له بهذا، بـــل تعمد إسكات كل الأصوات الحرة التي تنـــادي بالديمـقـراطية والحرية والعدالة

الاجتماعية والتـــوزيــع العـــادل للثروة، ومحاربة الفساد… وفي هــذا الاطـار شن المخـزن حـــمــلات

قمعية خطيرة في صفوف كل المــعـارضـين السياسين طيلة عقود من الزمن، ( اغتيالات، اعتقـــالات

نفي..)

ـ إن هذه السياسة الإقصائية التي اعتمدها المخزن خلال سنوات الجمر والرصاص، ضد الأحزاب

الوطنية والديمقراطية ساهـمـت إلى حد كبير في إفساد الحياة السياسية ببلادنا، خاصة أمام التزويـــر الـذي

كانـت تعرفـه الاستحقاقات الانتخابية، والذي كان يصب دائما في اتجاه صعود نخب فـاســدة، وعــنــاصــر

موالية للمخـــزن، مقابل إقصـاء كل صوت وطني أو ديمقراطي حر.

ـ ويمكن القول هنا أن هذه السياسة كان لها نتائج وخيمة على الأداء السياسي للأحــزاب الـــوطــنيـة

التــي بـدورها تسللت إليها بعض النخب الفاسدة، التي لا يهمها إلا حماية مصالحها، وتمكنـت من الــوصول

إلـــى الأجهزة القيادية لهذه الأحزاب، والوصول إلى مؤسسات الدولة.

ـ لكن كل هذه العوامل لم تكن كافية لإضعاف القوى الوطنية والديمقراطية ، التــي اســتــمــرت فــي

معـاركها النضالية، بل كانت تزيدها قوة وإصرارا للمضي قدما في اتجاه تحقيق مطالبها الديمقراطية، ممـا

اضطر مــعـه المخزن في أواخر الثمانينات إلى تسخير قوى الاسلام السياسي، لكسر شوكة القوى الوطنية

والديمقراطية، هــذه الأخيرة التي شنت حـملات إرهابية خطيرة على الجامعة المغربية، هذا الحقل الحساس

الذي تخــرجـــت مـــنـــه أغلـــب الكـفاءات والأطر السياسية المعارضة، والمنتمية للتوجه الديــمــقــراطـي

والتقدمي، والـــذي كـــان يــغــنـي ويزود الأحزاب والقوى الديمقراطية بالأطر والكفاءات العالية والمقتدرة.

الشيء الــذي سـهــل علـــى المخـــزن بسط سيطرته على الجامعة التي لم تعد بعدها قادرة على إنتاج هــذه

الكفاءات والأطـر، وأصبحـــت هـي الأخــرى غارقة في الـفـــسـاد شأنها شأن أي مؤسسة أخرى في الدولةّ.

ـ وللإشارة فإن الأحزاب الوطنية والديمقراطية لم تتحمل مسؤوليتها في حماية الجامعـــة من الهجـمات

الإرهابية التي تعرضت لها من طرف قوى الإسلام السياسي ، بمباركة من المخـزن، وتـهربـت مـن القـيــام

بواجبها معتقدة أن الأمر لا يعنيها ولا يمسها في شيء.

ـ وبعد الجامعة المغربية، انتقلت قوى الإسلام السياسي للساحة السياسية، من أجل إتمــام مــهـــمـــتــهـا

المتمـثلة في إضعاف الأحزاب الوطنية والديمقراطية، بمباركة من المخزن كذلك الذي كان يــبــحـــث عـــن

خلق تـوازنات سياسية تمكنه من تقوية قدراته التفاوضية مع أحزاب الكتلة. وهكذا شنت هجمات إعلامــيـــة

وسياسية معتمدة علـى خطابها الديني التكفيري. ونسف المعارك النضالية التي تخوضها الأحــزاب والقــوى

الديمقراطية.

ـ وينضاف إلى كل هذه العوامل الموضوعية، عوامل أخرى ذاتية ساهــمــت إلــى حــد كــبــيـــر فــي

إضعـاف الأحزاب، وأعاقت فعلها النضالي، وضربت مصداقيتها وثقة مناضليها في العمق، وزاغت بهــا عــن

الأهداف الحقيقية للمشروع الديمقراطي، رغم محاولات التصحيح التـــي كان ينادي بها المناضلون من داخـل

هذه الأحــزاب، والتــي كانت دائما تبوء بالفشل، الشيء الذي تولد عنه غضــــب عارم لمناضليهـا، أدى إلــى

العديد مـــن الانـــشـــقـــاقـــات،و الانسحابات…. وأضعف عملية التكتل والوحدة التي كان ينادي بها العـديـــد

مــن المناضلين لتقوية الجبهة الوطـنيــة والديمقراطية. لمواجهة مخطط المخــزن الــذي كــان يــهـــدف إلــى

إفســاد الحــيـــاة السياسية، وشل حركيـة الأحــزاب الوطنية والديمقراطية. خاصة إذا علمنا أن هـــذه الأحـزاب

تسللت إليها نخب فاسدة وعناصر لا علاقة لــهـــا بالعــمــل السياسي، كما قلنا سابقا، سهلت على المخزن تنفيذ

مخططه.

ـ ومن بين هذه العوامل التي نخرت الاحزاب والقوى الديمقراطية وأضعفت ممارستـهـــا الســيــاســيــة

والنضاليـة :

ـ الزيغ والانحراف عن أهداف المشروع الديمقراطي، مما ولد ضبابية وعدم وضـوع الــرؤيــة لــهــذه

الأحــزاب وهذا الأمر هو الذي يفسر تشابه ( برامجها ) في المحطات الانتخابية، هــذه الــبــرامــج الــعــامــة

والفضفاضة التي لا تتمتع بأية مصداقية لدى المواطنين، فوجودها كعدمها. فالكل أصـبــح يــعــرف أن هــذه

البرامج هي حبر على ورق لا أقل ولا أكثر.

ـ غياب الديمقراطية الداخلية وسيادة النزعة الزعامتية، والإقصاء والتهمـيــش الــذي طـــال ويــطــال

المناضلين والأطر الحزبية، وعدم التعامل مع المختلفين بروح ديمقراطية، واعتــمــاد أســلــوب التعيــيــنــات

والولاءات للــوصــول إلـى الأجهزة القيادية، دون مراعاة للكفاءات و مبدأ تكافئ الفــرص. واحــتــرام الأراء

المختلفة، وتمكينها من التعـبـــيـــرعن آرائها بكــل حرية.

ـ التهافت على المناصب الوزارية والمناصب السامية، والتسابق على التزكيـــات للــمــشـــاركـــة فــي

الانتخابات، والأسبقية لمن يدفع أكثر، لقد أصبحت الاستحقـاقـــات ســـوقا لــشـــراء الذمـــم والأصـــوات…..

ـ الاعتمادها على أصحاب المال لتمثيلها في المؤسسات المنتخبة للدولة، وأغلب هـؤلاء لا علاقــة لــهــم

بالعـمل الحزبي والسياسي كما قلنا سابقا، و يدخلون هذا الحقل فقط لحمايــة مصالحــهــم الشــخــصــيـــة. دون

مراعاة لمــــصـالــح الدولة والمجتمع. إنهم يتحصنون بمؤسسات الدولة لزيادة ثرواتهم ونشر وتوسيع فسادهــم.

ـ كل هذه العوامل وأخرى، ساهمت إلى حد كبير في ضعف الأداء السياسي لهذه الأحزاب، وولدت سخطا

وغــضــبا داخلها، وأفقدتها المصداقية والثقة التي كانت تكسبها من طرف المواطنين.

ـ إن الضربات السياسية القوية والهجمات القمعية الكبيرة للمخزن ضد الأحزاب المعارضة وضد التـوجــه

الديمقراطــي فــي بلادنا، إضافة للحملات الإرهابية التي شنتها قوى الإسلام السياسي، والخطــاب الذي روجـتــه

هذه الأخيــرة ضـدهــا بدعم من المخزن، إضافة إلى الاختلالات السياسية والتنظيمــيـــة التي تعـرفـهــا ، كل هذه

العوامل أفقدتها قوتها السياسية والجمــاهيـري مما انعكس سلبا على أدائها السياسي والتنظيمي.

ـ إن طبيعة الممارسة السياسية والتنظيمية لأحزابنا اليوم، أصبحت في حد ذاتها معــوقا مــن مـــعـــوقات

الانتقال الديمقراطي. لا نقول هذا الكلام بهدف تبخيس العمل السياسي الحزبي، ولكن نقوله من زاويـة تــصحــيــح

أعطابها التي تراكمت طيلة عقود، وأدت إلى الضعف والوهن الذي أصاب ممارستها السيـاســيــة والتنظــيــمــيــة

بهدف تصحيحها حتى تكون قادرة على أن تلعب دورها كاملا في تحقيق المشروع الديمقــراطـــي الــمــنــــشـــود،

والإجابة على الاكراهات والاشكالات التي تعاني منها بلادنا.

 

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.