اصلاح القضاء في الزمن الربيع العربي بين الواقع والمأمول

121
طباعة
لقد قادت ثورة الربيع العربي الى إصلاحات عميقة في الوطن العربي مست جميع المؤسسات ،وكان طبيعيا جدا ان هبت نسيم هذا الربيع على المغرب وان لم تكن بحجم الثورة لانها كانت هادئة استجاب فيها الملك لنداءات الشباب المغربي في حراك 20 فبراير للإصلاح الدستوري جسده دستور 2011 من خلال إقرار دستور الحقوق والحريات وتدعيم الخيار الديمقراطي وترسيخ استقلال السلطة القضائية و الدفع بإدارة مواطنة تحترم الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وعدم التمييز.
وكان من نتائج الحراك العربي والمغربي على دستور 2011
-الإقرار بالقضاء كسلطة دستورية مستقلة الى جانب السلطتين التنفيذية والتشريعية ،سلطة تحمي الحقوق والحريات وتصون الامن القضائي وتسهر على التطبيق العادل للقانون .
-إعادة النظر في تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتخويل رئيس محكمة النقض صفة الرئيس المنتدب واشراك ممثلين عن المجتمع المدني في تشكلته بالاضافة الى ممثلي بعض مؤسسات الحكامة مع اخراج وزير العدل منه إيذانا بنهاية وجود السلطة التنفيذية في جسم القضاء
– إستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل و الحريات وتخويل رئاستها للسيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتلافي كل أشكال التأثيرات السياسية للسلطة التنفيذية عليها
-حماية فعلية لاستقلال القاضي من خلال تجريم التدخل في استقلال القضاء واعتبار عدم التبليغ عن هذا التدخل مخالفة تاديبية خطيرة
-إقرار حرية التعبير للقضاة وحقهم في الانتظام داخل جمعيات مهنية قضائية مما مكن من بروز نسيج مهني قضائي قوي ومتعدد ساهم في الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية في مواجهة جبروت وطغيان وزارة العدل على عهد الوزير المخلوع الرميد
-تنظيم قواعد سير القضاء وحماية المتقاضين والارتقاء بها الى مستوى القاعدة الدستورية

ومع كل هذه الإصلاحات الدستورية الكبيرة كان التأويل الدستوري في القوانين التنظيمية لاصلاح العدالة سيئا بحيث ان واقع العدالة من الناحية المؤسساتية سوداوي للغاية بحكم تعثر عملية اصلاح العدالة لان القوانين التنظيمية لم تستطع الخروج بوصفة متكاملة لسلطة قضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية لانه اذا استطاع المجلس الأعلى للسلطة القضائية أن يحصل على استقلاله الإداري والمالي في تدبير الوضعية الفردية للقضاة فانه لم يمكن بتاتا من سلطة إدارة مرفق القضاء ولاسيما المحاكم إداريا وماليا التي ستظل خاضعة لوزارة العدل ،مما يمكن القول أن الاستقلالية المؤسساتية نسبية ،وقد تهدد استقلالية القضاء لأن الوزارة قد تستغل الإشراف الإداري والمالي كمدخل للمس بهذه الاستقلالية،وهو ما حذرنا منه،لكن للأسف كانت عقلية تغول السلطة التنفيذية حاضرة في منع بزوغ فجر جديد لاستقلالية مطلقة للسلطة القضائية عن وزارة العدل بشكل لم نتمكن من بلوغ الغاية المثلى من وراء الإصلاح الحقيقي للعدالة وهو تحقيق مطلب إلغاء وزارة العدل، وسحب اختصاصاتها لفائدة المجلس الأعلى للسلطة القضائية .
ويمكن القول أنه رغم إقرار المجلس الدستوري أن مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور، لا يمكن اختزاله في المجلس الأعلى للسلطة القضائية واختصاصاته المحددة في الفصل 113 من الدستور؛وأن هذا المبدأ لا يمكن إعماله دون توفر المسؤولين القضائيين على صلاحية الإشراف على المصالح الإدارية للمحاكم؛فإن وزارة العدل انقلبت على هذا المبدأ المكرس في قرار المجلس الدستوري في مشروع قانون التنظيم القضائي وخولت لنفسها صلاحية إدارة المحاكم،مما يبرز حقيقة التغول والالتفاف على قرار نهائي دستوري استغلالا منها لسلطتها في تقديم مشاريع القوانين في هذه المرحلة الانتقالية دون استشارة المجلس الأعلى للقضاء.
وللاشارة فان المغرب جرب مند الاستقلال إلى اليوم دولة وزارة العدل ،فكل ويلات المس بالحقوق والحريات كما وثقتها هيئة الانصاف والمصالحة ترجع إليها لأنها تتدخل في استقلالية القضاء وجعلت مرفق القضاء رهينة بيدها لخدمة أغراض الدولة وأهدافها في القضاء على خصومها والتنكيل بهم ،وإصلاح القضاء وفقا للمنظور الملكي كان هدفه هو إخراج القضاء من رحم السلطة التنفيدية ومن استغلال السياسي والحزبي له ،وهو ما تعذر الوصول إليه من خلال قوانين السلطة القضائية .
يضاف الى ذلك إشكالية التكوين المستمر للقضاة وعدم توفير الوسائل والاليات اللوجستيكية والمادية للمحاكم وهشاشة بعض بناياتها والتي تؤثر على جودة الأداء القضائي كما وكيفا ناهيك عن الآفات اللاأخلاقية التي تنخر القطاع بحكم ارتفاع معدلات الفساد .

ومما لاشك فيه فان النهوض بقطاع العدالة يستوجب مخطط حقيقي لإصلاح العدالة يتوافق والتأويل الديمقراطي والحقوقي لدستور 2011، وبما يسهم في تفعيل دور السلطة القضائية في ضمان وحماية حريات المواطنين الفردية والجماعية، وفقا للإرادة الملكية السامية المعبر عنها في خطاب جلالة الملك بتاريخ 30 يوليوز 2011 والذي جاء فيه “إن أي ممارسة أو تأويل مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإرادتنا ملكا وشعبا”.بحيث يتعين الاعتراف بالاستقلال القضائي والمالي للمحاكم وفك الارتباط بينها وبين وزارة العدل في افق الغائها وجعلها مؤسساتها ضمن هيكل المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتدعيم تخصص القضاء واحداث محكمة إدارية عليا وتطوير كفاءات القضاة وكتاب الضبط ومساعدي القضاة لان هناك ازمة عميقة لافتة لمظاهر ضعف التكوين كما يتعين تخليق مرفق العدالة وتطهيره من سموم الفساد والرشوة التي تنخره بتحريك اليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.

محمد الهيني : مدير المركز الدولي للاستشارات القانونية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.