استقالة إلياس العماري : الدلالات و المهام

1٬878
طباعة
محمد المتوكي
لاغرو ان حدث تقديم الرفيق إلياس العماري الأمين العام لحزب الاصالة و المعاصرة لاستقالته من رئاسة الحزب لحظة فارقة و مميزة و أيضا استثنائية في النسق السياسي المغربي ؛ و تبرز بجلاء وطنية و شجاعة و كثير من نكران الذات قل نظيرها بين النخب و القيادات السياسية الحالية ؛ و تجعله في مصاف قادة وطنيين كبار كالمجاهد اليوسفي و العربي المساري ، و أدخلته و معه الحزب التاريخ من بابه الواسع ، و إن كنا في قرارة أنفسنا غير مقتنعين بالمصوغات التي سيقت لتبرير الاستقالة ، على اعتبار أن الجميع بمن فيهم خصوم الحزب يقرون، أن الرجل استطاع بحنكته و كفاءته ان يجعل البام رقما صعبا و مؤثرا في المعادلة الحزبية و السياسية ، حيث حقق الحزب في عهده ـ بالرغم من قصر مدة ولايته ــ نتائج مبهرة بوأته المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الاخيرة ، حيث ارتفع عدد برلمانيي الحزب من 47 برلمانيا في انتخابات 2011 ، إلى 102 برلمانيا في انتخابات 7 اكتوبر 2016 ، دون أن نغفل انجازاته على رأس جهة طنجة ــ تطوان ــ الحسيمة و التي كانت محط تنويه من الجميع.
من الطبيعي أن الجميع يدرك أنه إن تشبث الرفيق إلياس العماري باستقالته ، فان خسارتنا ستكون كبيرة و تكلفتها السياسية و التنظيمية لا محالة ستكون باهظة اعتبارا لمكانة الرجل و دوره المحوري و الاعتباري داخل الحزب منذ تأسيسه ؛ و لا أسرد هذا من باب كيل الاطراء و المدح – و ان كنا نرى ذلك واجبا اخلاقيا من باب ترسيخ ثقافة الاعتراف – ؛ و لكن لنخلص الى عمق التحديات و الاسئلة الحارقة التي تطرحها هذه الاستقالة ليس فقط بالنسبة لمناضلات و مناضلي حزب الاصالة و المعاصرة ؛ و انما ايضا على النخب السياسية و الحياة السياسية المغربية ككل.
فقد جاءت هذه الاستقالة لتعري أكثر عن بؤس و قتامة الحقل السياسي ببلادنا ؛ و الذي تجمع الكتابات و الدراسات الاكاديمية على انه يتسم بالرداءة و الافلاس شكلا و مضمونا ؛ و على أن النموذج الحزبي قد دخل في حالة من الموت السريري ؛ و هو التشخيص الذي خلص إليه ايضا الخطاب الملكي الأخير بمناسبة عيد العرش ؛ فكلما حلمنا ان نغتنم الفرص لنكتب عن جمال و عظمة هذا الوطن المختبئ تحت وحل الريع و الفساد و احتكار عائلات بعينها و قبائل بعينها للسلطة و الثروة ؛ إلا و تداهمنا حقائق وفي كثير من الاحيان فضائح تساهم في تسويق اليأس و تقتل الثقة في كل مؤسسات الوساطة .
و ما يزيد المشهد قتامة ؛ ان جل الاحزاب – من اقصى اليمين الى اقصى اليسار- قد ترسخ فيها منطق الزعيم الاوحد و ثقافة الشيخ و المريد ؛ و استشراء داء حب البقاء على رأس الحزب و القتال من أجل ذلك بكل الوسائل سواء المشروعة أو تلك التي يجرمها القانون و تحرمها الاخلاق و القيم النبيلة للسياسة ؛ و التي حولت قيادات الاحزاب لسلطة تعسفية و مستبدة بلا خلق ولا مبادرة ولا مشروع , فكما يقول أرنولد توينبي :” عندما تكف النخب عن كونها ملهمة للمجتمعات والجماهير والشباب والناشئة فان المجتمعات تمضي وتسوق معها النخبة أيضا في اتجاهات مضادة لمصالحها , إذ ليس ثمة سكون في الكون والحياة , فإذا لم تقد النخب المجتمعات فان المجتمعات تقود النخب وإذا لم تعمل النخب باتجاه القيم الأساسية للتقدم والنمو فإنها تكون تعمل حتما في اتجاه الفشل “.
نؤمن أن العمل الحزبي بصوره المثلى يقتضي استحضار العمل الجمعي في القيادة و تقدير الاختلاف واحترام الديمقراطية الداخلية ؛ و ارساء قواعد قادرة على تعميق و حماية الخيار الديمقراطي ، و تعزيز مقومات نمط الحكامة المؤسساتية الناجعة و الفعالة و تحرير المبادرات الفردية ؛ و توسع مدخل المشاركة الديمقراطية الواسعة للمواطنين في تدبير الشأن العام ، و اعتقد ان الجميع بما فيهم خصوم حزب الاصالة و المعاصرة يقرون ان الحزب و منذ نشأته قد نجح بتفوق في امتحان احترام الديمقراطية الداخلية و عدم احتكار المسؤوليات و المواقع و تدويرها بين اطر الحزب ؛ فيكفي ان نستحضر في هذا السياق ان بعد تسع سنوات من تأسيس الحزب تناوب على رئاسته اربع شخصيات.
المهام الان لجميع الطاقات المنتظمة داخل الحزب و المتعاطفين معه ، لا تكمن في البكاء على رحيل الامين العام لكنها تكمن في تمثل خطوة الاستقالة ، واستحضار مكامن قوتها ومواصلة بناء ما تم التعاقد عليه في آخر مؤتمر، فمن كان انتماؤه مقرونا بتواجد الرفيق إلياس العماري على رأس الحزب ، فأنه قد استقال ، و من كان ارتباطه بالحزب من أجل مشروعه السياسي و خياره الحداثي الديمقراطي فهو حي و قائم بتظافر و لحمة كل المؤمنات و المؤمنين به ، أعتقد أن هذه اللحظة الصعبة من تاريخ حزب الاصالة و المعاصرة تفرض القيام بتشخيص و تقويم شمولي و موضوعي و تتطلب جرأة سياسية و صرامة تنظيمية تقوي مؤسسات الحزب ، و أيضا مواصلة الكفاح من اجل وطن تعددي بمعالم جهوية مرتكزة على الديمقراطية التشاركية ، والقطع الفعلي مع رداءة المشهد الحزبي القائم والدخول في بناء بدائل له، هذا موقفي ، وتلك دعوتي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.