“إيديا” صوت الهوامش الجريح

163
طباعة
في سنة 2012، مباشرة بعد تولي السيد عبد الإله بنكيران منصب رئيس الحكومة وشروعه في تشكيل حكومته أجرت معه القناة الأولى أول حوار إعلامي من بين ما جاء فيه:”هناك بوادي في المغرب تعيش فيما قبل التاريخ، وقد اندهشتُ لشدة الفقر الذي يعيش فيه بعض الناس، والذي اكتشفته أثناء حملتنا الانتخابية”.

وبعد أن هنأنا الرئيس على هذا “الاكتشاف” الكبير آنذاك، طالبناه ببرنامج حكومي يضع هؤلاء المهمّشين نصب اهتمامه، والنتيجة يعرفها الجميع، فبعد خمس سنوات من العمل الحكومي الذي كان مسلسلا من المحن بالنسبة للجماهير الكادحة في البوادي والمدن على السواء، نجد أنفسنا اليوم في وضعية أصعب من الماضي، فقد تزايد الفساد في الدولة، وتراجعنا بثماني درجات في الرشوة في عهد بنكيران، وتمّ ضرب مكتسبات العمال والموظفين والفلاحين بسبب حرص حكومته على تنفيذ خطط المؤسسات المالية الدولية عوض التفكير في إيجاد حلول بديلة، وتزايد تهميش البوادي وهجرة الناس نحو المدن، حتى أصبحنا نرى قرى بكاملها مهجورة وقد أغلقت بيوتها بالكامل، بسبب غياب الدولة وشعور الناس بأنهم متخلى عنهم، وكان من مظاهر الاستياء العام في المناطق المهمشة تراجع ثقة الناس في المؤسسات وفي المسؤولين وفي النخب عموما.

وعندما تغادرنا اليوم “إيديا” طفلةً في عمر الزهور التي تتفتح لتوها للحياة، وترحل عن هذا العالم بسبب الإهمال وعدم توفر الخدمات الصحية الضرورية في جهة تنغير، فإنها توقظ ضمائر الجميع، وخاصة من الذين يتهافتون على الكراسي الوثيرة دون أن يكون لهم أي برنامج حقيقي من أجل المغاربة، هذا إن كان لهؤلاء ضمائر تجعلهم يفكرون في غيرهم من الذين يتواجدون بعيدا عن المراكز التي تحتكر المال والسلطة والقيم.

كل الوقائع تدلّ على أن الطفلة الفقيدة رحلت بسبب عدم توفر التجهيزات الضرورية لفحص المرضى وتشخيص مصابهم، ومعرفة درجة خطورة حالتهم قبل فوات الأوان، وهي نفس القصة الأليمة التي تتكرر في جميع دوائر الفقر البعيدة عن العاصمة، يلجأ الناس للطبيب الذي قد يجدونه أو قد لا يجدونه، في كثير من الأحيان يفحص الطبيب المريض بشكل سطحي قبل أن يوجهه إلى مستشفى أقرب مركز جهوي، وقد تستغرق الرحلة ساعات طويلة يحدث فيها ما يخشاه أهل المريض في الغالب، حيث تستفحل حالته إلى أن تستعصي على العلاج، أو يفارق المريض الحياة وهو بعد في طريقه إلى مستشفى المركز الجهوي، هذا إن لم يتم توجيهه من جديد نحو مستشفى العاصمة مما يعني تمديد معاناته.

والمشكل أن رخص الحياة لدى السلطات يظهر عندما لا تتخذ أية إجراءات للحيلولة دون تكرار هذا المشهد المؤلم، حيث تأخذ الحياة مجراها الطبيعي كما لو أن شيئا لم يحدث، وقد تقوم السلطات المركزية بالتفاتة إيجابية لمنطقة هامشية بتجهيز مستوصف محلي بأجهزة الفحص المتقدمة، لكن السكان سرعان ما يصدمون باختفاء التجهيزات بمجرد مرور لحظة التدشين، وهي من المهازل التي تتكرر دون أن يكون هناك أي تحقيق لمعرفة دلالات مثل هذه التصرفات ومصدرها والمسؤولون عنها.

إن من أبرز مظاهر تطور المغرب نحو مشروع تنموي وطني بحق، هو تزايد قيمة الإنسان لدى السلطات التربوية والصحّية والأمنية، وإذا ظلت هذه السلطات تتعامل مع المواطنين كما لو أنهم متاع أو أشياء قابلة للتعويض، فإننا لن نجد أبدا طريقنا نحو التنمية الفعلية والدمقرطة المطلوبة. كما أن مظاهر الفساد والتبذير في الدولة تجعلنا لا نثق في خطاب السلطة عن “نقص الإمكانيات”، ما يفرض على المواطنين سواء في الحواضر أو البوادي، التكتل والعمل على الضغط النضالي اليومي من أجل توفير أبسط شروط الكرامة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

2 تعليقات

  1. ABDERRAHMANE يقول

    ما دامت أصابع الإتهام لا توجه للمسؤول الحقيقي فلن نفلح في تغيير هذا الواقع الذي لا ترقى كلمة مر لمستوى التعبير عنه،ففداحة ما يرتكب من جرم في حقنا كشعب يتجاوز المرارة،ويجعلنا نحن و من يرتكبون في حقنا هذه الجرائم في منزلة أحقر من الحقارة…فإن كانوا هم حقراء بسبب شططهم في تحقيرنا فنحن أدنى منهم شأنا و أحط قدرا لتساهلنا أمام ما يمارس في حقنا و لجبننا حتى عن تسمية المجرمين الحقيقيين بأسمائهم عوض الإستقواء على من لا حيلة لهم، فتجد بعضنا يستنجذون بالسارق الحقيقي عوض مساءلته وتوبيخه وتوجيه اللوم له، فمن يستنزف ثرواتنا واحد لا ثاني له، اما من يدورون في فلكه فيرضون فقط بالفتات الذي تبقى من اطباقه، وما يبقيه لهم إلا ليعملوا على حمايته والدود عنه آملين ان يستمر في ترك المزيد من الفتات متعهدين له بالمزيد من الحماية…والنتيجة المزيد من التضحيات في صفوف الشعب صونا للنظام و حفاظا على الإستقرار الذي لا يجني ثماره إلا هو…اما نحن فلا نملك شق عصى الطاعة وليس لنا لذلك طاقة وعزاؤنا أمام الفاقة الصبر وانتظار الجنة بعد حياة نقضيها في العبودية لغير الله مع استحالة الجمع بين الأمرين وقد استثنى الله في محكم تنزيله المشركين به من مغفرته…ما دمنا مدعنين لمصير يكتب لنا بأيدي من سلمنا انفسنا واحكموا عقالنا بمحظ إرادتنا فلن نستحق إلا مزيدا من التنكيل في الدنيا قبل الآخرة.

  2. CXML يقول

    NTA HAD TSWIRA DIAL WAHD 3AMIL LI AJNDAT KHARIJIA.OU FIMA TEHDAR TJBD BEN KIRAN RAK HMADITI BZAFF KHERJ MEN LHOUKOMA OU BAQI TAB3O .QOLI CHE7AL KI KHALSSOUK BASH KATEBQA TEKTB ALIH.LMOUHIM CHA3B MAGRIBI 3ARF BEN KIRAN RAJOL MEZIAN OU GADI IBKA CHOUKA L3DIAN .BAQI MACHTOU WALO …..NTOUMA SSAHFA DIAL MESSEH OU LOUH . COPY AND PAST

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.