إلى الفنانة سيليا الريفية خلف القضبان

5٬306

المريزق المصطفى*

منذ أن تعرفت عليك واستمعت لنشيد حريتك، أحسست بالشجن الأليم يطوقني، وبالقيد يخنقني، وبجراح الماضي وغدر الزمان يؤلمني أشد ألم..
وحين أخبر والدك باعتقالك، تيقنت أن إسمك لوزا وتين، وحنجرتك قرنفل..
ما كنت أعرف أن ميلادك عاصفة ريفية، وشمس حسيمتك رقم هويتي، وقصيدتك مضجع هزيمتي..
لم أرض لك عذاب الزنزانة، فصبرا، صبرا يا سيليا..غداة غد، لنا النصر في الريف وجبالة وفي كل عيون الوطن الجريح..
لم يترك لي اعتقالك مجالا للشك في نسيمك المكابر، سألت عنك صدى لحنك وهو يشدو مزايا العناد..
بحثت عنك خلف القضبان، وبين الجدران، وجدتك صلب لا يركع..فلا تخافي ولا تحزني ولا تبكي..فالسجن جربناه والظلم والبهتان خبرناه..فلن يخنق الجلاد صوتك مهما حاول..
لم أكن أنتظر الرجوع عبرك إلى زنزانتي هذا المساء، لأفتش عن ذكرياتي وعن أشياء تركتها هناك تحترق..وحلم تبخر..
أتصورك مقيدة اليدين ومعصوبة العينين..وحيدة في الإسمنت والصدإ، وعلى ظهرك رقم غيابك..وهم هناك يمنعون عنك الأخبار والمسيقى..
فقريبا تكتمل سنوات حريتي، مع رفاقي وشعبي..لأنظم إلى عرسك الخالد في ساحة أحلامك المغتالة..
تمزقني الحيرة، أقاوم وطأة اليأس وضباب الوطن، عساني أجد مذاقا لكل ما يحصل..
كذبوا على الإنصاف وسكتنا سكوت الأخرس..
كذبوا على المصالحة وصدقناهم..
ثم عزفوا لنا سمفونية جبر الضرر ورقصنا عليها من شدة رغبتنا المتوحشة في طي يأس الآلام وأشرعة الليل وبحار المجهول..
هذه قصتنا يا سيليا..وهناك قصص أخرى لآ يعرفها إلا الراسخون في النضال والعلم..
فمعذرة إن كنا أفرادا وجماعة لعبنا بجلد الثعبان ورددنا وصايا إعادة الفتح..
معذرة إن كنا غنينا ورقصنا والعرس بالعنف يغرق ويتحصر..
فماذا عساني أقول لك يا سيليا؟
ولأن دموعي سقيت بها قبر أمي يوم ماتت وأنا في منفاي القسري، لا أجد أمامي اليوم سوى ريح تصفر للكفاح، وحناظلة صغار وكبار ينشدون لحنك يا أروع نفسك يا أنت..
لقد بات إسمك راية ترفرف في كل مرتفع ومنحدر ومنعطف وشارع..
فمهما اخترقتنا محطات اليأس الفاجع، وشردتنا..وفرقت بين النشيد والجسد..وأحرقت ذكرياتنا وشوهت ملاحمنا..وأعلنت غربتنا..وحطمت عنفوننا..لن نخونك سيليا..فليس لدينا ما نخسره من أجلك..
لذلك أنت البطل فينا، وأنت نشيد الوطن الغالي..أنت خليل ولينة وشادي..أبنائي..وكل بنات وأبناء شعب الحرية والأرض والانسان..
فأنت في القلب..والحسيمة تفاصيل أنبياء وشهداء وحجر وطوب وتراتيل وأحداث وروايات ووقائع..كشفت عورتنا، وعرت عجزنا..وأماطت لثام شيخوختنا..
فصباح الرفض يا سيليا..وصباح الحرية ياسيليا..وصباح الأغاني والمجد..
*ناشط مدني وسياسي، معتقل سياسي سابق

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.