لما سلم لي الأستاذ خالد الجامعي كتابه الجديد "كان يا ما كان"، أحسست بنوع من الارتباك المشوب بشيء من الاعتزاز.
إنه إحساس المريد حين يتواضع شيخه ويقول له برنة من الرضا:
ـ إقرأ هذا ياهذا وقل فيه رأيك...
قصتي مع هذا الرجل قصة غريبة قد أحكيها يوما ليتعرف الناس على جانب من نفسية هذا الصحفي اللامع الذي لم يعش لنفسه بقدر ما عاش لغيره ولوطنه.
فقد شاءت الأقدار أن نلتقي بسبب قضية تزممارت، في المرة الأولى، مع بعض أصدقائي الناجين حين قصدناه في مكتبه بجريدة "لوبينيون" حيث استقبلنا استقبالا حارا وتعاطف معنا تعاطفا كبيرا.
وفي المرة الثانية، غداة اختطافي ثانية سنة 1995 جراء تيقن الأجهزة بانخراطي في تحرير كتاب حول السجن البغيض.
فما أن علم بالخبر، حتى انبرى إلى الساحة وكتب افتتاحية مدوية عنونها ب "ابك ياوطني"، فضح فيها زيف الوعود التي كان النظام قد قطعها على نفسه بعدم تكرار ممارساته الممقوتة.
ومن ثمة، توطدت علاقتنا وأثمرت بالمصادفة عن تعاون أدبي أصبحت بموجبه أترجم بعض مقالاته الرائعة. والفضل كل الفضل في ذلك يرجع إليه، إذ هو من آمن بي وشجعني ودفعني إلى مغامرة الكتابة والترجمة كما يدفع النسر صغيره إلى فضاء الله الواسع ليتعلم التحليق والطيران.
ولم يمض وقت طويل حتى قدم لي للترجمة كتابه الرائع "مذنبون مفترضون". وهكذا، مع الممارسة الدؤوبة والاحتكاك المتواصل بنصوصه، تمكنت من سبر أغوار نفسه، فصرت أقرأ أفكاره وخلجات روحه بين واحات جمله الفيحاء ورابي كلماته المزهرة إلى أن قال لي ذات يوم:
ـ أنت تفهمني إلى حد الذوبان في تجاويف عقلي...
واليوم، هاهو ذا يمدني بهذا الكتاب الذي كان من المفروض أن يرى النور منذ سنتين على الأقل.
كتاب هو مرآة لنفسية صاحبه المتعطشة للحرية والتواقة إلى العدالة والمحبة والمساواة.
كتاب ينبض بين قصصه المثيرة قلب يعتصره الألم وتشويه نار الخيبات المتتالية الناتجة عن خنق أحلام جميلة كانت كبراعم في طريقها إلى التفتح والفوحان، لكن جحافل الظلام لم تمهلها حتى تتألق ويضوع عطرها في الآفاق ليشمل المغرب برمته، فبادرت إلى دوسها بحوافرها القاتلة لتتركها في عرض الطريق هشيما تذروه الرياح.
ولم تكن أحلام الكاتب المبدع ذي الشهرة الذائعة غير أحلام كل مغربي غيور يعشق وطنه إلى حد الجنون...
لم تكن لطلب مجد شخصي، أو ثروة ذاتية، فهو كما عرفته عن قرب، رجل يقنع بقليل من القليل، ويزهد في الدنيا وزخرفها، وينأى عن الحياة ومباهجها، فلا منزل يملكه، ولا سيارة تقله، ولا ثروة مريبة يتيه بها.
ولا غرو في ذلك، فهو سليل أسطون مخلص وخالص من أساطين الحركة الوطنية، من تلك الفئة القليلة النادرة التي لم تقايض ماضيها بمال، ولم تتسابق على المناصب، ولم تتهافت على الغنائم، وإنما بقيت قي الظل، تجتر خيباتها وتتفرج متحسرة على مآل مغرب أريد له غير ما أرادت له هي.
بل أكثر من ذلك، فعوض أن تنكشف الغمة وييمم الوطن وجهه شطر التقدم لتحقيق قيم الديمقراطية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان، جاء زمن بغيض سمي بسنوات الجمر والرصاص...
زمن ابتلي فيه المغرب بطواحين البلاء والنكبات، حيث طغى الظلم، وتفشى الرعب، وصودرت حرية التفكير والتعبير، ولم يبق لكل دابة تدب على الأرض، من إنسان وجن غير التسليم برأي واحد، وكلمة واحدة، وفكر واحد، من اشتبه في
معارضته له مجرد الاشتباه، ندم على اليوم الذي ولدته فيه أمه وتمنى لو كان ترابا أو هباء...
كل هذا تجاوب معه الكاتب في قصصه المثيرة تجاوبا عميقا، سيما وأنه أخذ نصيبه من العذاب المهين كاملا غير منقوص لمجرد صورة بسيطة نشرها على صفحة ركنه الأدبي. فزج به في السجن بدون محاكمة، وظل لمدة ستة أشهر يسام ألوانا لا حصر لها من المهانة والتنكيل.
فليس بغريب إذن أن نشتم رائحة الاحتراق الصاعدة كأعمدة الدخان القاتمة من جوف هذه القصص الحزينة التي يؤرخ معظمها لهذا الزمن الجائر الرديء.
ولكن من جهة أخرى كذلك، ليس بعجيب أن نلاحظ بأن الكاتب وهو في هذه المعمعة القاهرة لم يرخ يديه أبدا ويسلم بهذا الواقع المفروض، بل هو يواجهه ويعاكسه ويعطينا بذلك دروسا في التفاؤل والتحدي، شأنه شأن كل المناضلين الأقحاح الذين يتصدون للمنكر بيدهم ولسانهم وقلبهم، ولا يهمهم أن تتكلل مهمتهم بالنجاح فورا بقدر ما يهمهم أنهم يعبؤون الطريق لغيرهم ليتابعوا المشوار على درب النضال إلى غاية تحقيق النصر النهائي ولو تزامنا مع يوم القيامة.
خالد الجامعي، فارس شجاع من فرسان القلم، له حضور قوي ودائم في كل القضايا التي تهم المغرب من قريب أو بعيد.
وهو حين يكتب، يبدأ دائما بتكسير لغة الخشب حرفا حرفا، ثم يغمس ريشته بعد ذلك في قلبه ليكتب بلهيب دمه...
وهذه القصص التي هي بين يديك عزيزي القارئ لم تخرج عن هذا النهج...
إنها صورة فصيحة ناطقة وخالدة تؤرخ لزمن مغربي رديء، سيقرأها المغاربة في الألفية الرابعة والخامسة والسادسة، وسيبدؤون قراءتها بكان يا ماكان...